1:26 صباحًا / 21 سبتمبر، 2019
آخر الاخبار

بحثي المحموم عن حكاية بقلم : كافي علي

سكينة وهدوء وشيب كفجر مبكر يدب على سواحل الرماد، عما تبحثين وبمن تحدقين؟ لا مكان للحكايات التي تبحثين عنها بين البشر والضجر لأنها بحاجة إلى شئ أكثر من الإنسلاخ عن هشيم الذاكرة وهجر الذات كي تتدفق وتُكتب، شئ يجعل منكِ كائناَ غريب الأطور في نظر الآخرين لأن لا وجود له إلا في فراغ رأسك. كل هذا القلق والترقب من أجل امتحان اللغة في وجوه الفتيان والفتيات الأثرياء القادمين من الشرق للدراسة في جامعات كندا والفاتحين اذرعهم بمجون إلى الحياة. كل ذلك الجمال الربيعي المقطوع بالزجاج غير كافيين لتطويق كينونتكِ العارية من كل شئ إلا الحزن والإغتراب. ليس من السهل العثور على الحكاية في بلد لا يقايض حكاياته بالشذوذ والإغتراب. كالموت، كالثلج، كالمطر، كاوراق الشجر بعد انتهاء دورة للحياة كاملة، تتساقط الأحداث هنا بسيطة وعابرة ثم تذوب وتتلاشى من على سطوح الذاكرة بتناغم وانسجام .

وقت الأمتحان يقترب والممر يبدو كمرفأ محمل بالقلق والهواجس الطرية. أربعة فتيان خليجيين تفضحهم لهجتهم وماركات ملابسهم الغالية يقفون قرب الباب الرئيسي للمبنى. ثلاثة منهم يسخرون ويهرجون بسبب الهيجان الفوضوي لغرائزهم كلما امعنوا النظر في الأجساد المكشوفة والمتوحدة مع الطبيعة، ورابع كثير الحركة، يتنقل من مكان لآخر حتى تكاد اقدامه لا تثبت على أرض، بشرته الناعمة كالحرير وتمايل جسده النحيل المُداهم بالقلق يوحيان بشذوذه. معهم فتاتان إحداهنً محجبة تقاوم فضيلة جسدها الصحراوي الحار وشهوته المتدفقة في نهار ربيعي اخضر بصخب كركراتها، والأخرى نصف شرقية ونصف غربية تتذمر من شعرها الخيلي الطويل بين الحين والآخر. فوضى مفقودة تنعش انفاس الذاكرة وتنظم دقات قلبها العليل تنتهي بفرار الشباب ومعهم الهجينة للتدخين خارج المبنى. يتوقف الحدث عند عيون المحجبة التي ظلت مكانها تتابعهم بمرح مفتعل يعي تماماً خسارة العفة أمام الجنس وسط الإنفلات والضياع. مع تفسخ أواصر الإرتباط بالماضي يصبح الشاب العربي أكثر استعداداً للتغيير من الفتاة ربما لأنها بحاجة إلى زمن اطول يتحرر فيه حجابها قبل أن يسفك دمه على طاولات البارات والمراقص الليلية. هنا تتخلى العفة ،كفضيلة، عن تأويلاتها الإجتماعية لتكون اختياراً فردياً حراً.

يعم المكان هدوء نسبي بخروج الخليجين وأدور أنا حوله مثل دورة زر لراديو قديم. تستبد الرطنة الصينية بباقي الرطنات الراغبة بالاعلان عن نفسها وتعلو تردداتها الرتيبة بعد احتدام الجدل بين أبنائها حول الإختصاصات الأكاديمية التي تؤمن لهم فرص عمل مضمونة تمكنهم من البقاء في كندا بعد التخرج. الإنتظام الدقيق لإيقاع رطنتهم مع الزمن يشبه انسجام الهدف بين التكنلوجيا ورأس المال. هدف قهر روح الإنسان وجعله ابناً للمادة عوضاً عن الطبيعة. هؤلاء الأثرياء القادمين من هون كونغ والباحثين عن الفرص لا يثيرهم ما يثير الخليجيين لأن رغباتهم الجسدية انفصلت منذ زمن بعيد عن جوهر غاياتهم. شباب ألبابهم رأسمالية واجسادهم اشتراكية يتجاهلون الماضي ويعيشون الحاضر من أجل المستقبل.

غيمة بيضاء عنيدة ينتهي عناقها بالشمس وترحل مع الريح تاركة انعكاس الضوء على جلد الأريكة المقابلة للزجاج وعلى وجه فتاتين ايرانيتين تدور في راحة احداهن مسبحة فيروزية بالكاد اسمع طقطقاتها تأخذني من عالم المال إلى عالم التأمل. يتجنب كبرياؤهن، اذا كان الكبرياء يعني رأي الآخر المتواضع فينا، او غرورهن، اذا كان الغرور يعني رأينا الخالص من الشك بأنفسنا، اغراء المكان بالروحنة والالتصاق بوهم الوعي الموروث عن الخطأ والصواب. فتاتان في العشرين قادمتان من عالم محمول على اكتاف التعساء تجهران بالحكم المسبق على عالم محمول على أكتاف العباقرة والعلماء تستفزان ثورة عقلي على الفوضى فأهرب وأحيد بصري عنهما لأواصل البحث عن الحكاية.

ولكن لا بد من الإستثناء، هذا ما تحتاجه الحكاية، وهو دائماُ هناك كحمل وديع يقف بعيداً عن القطيع. في زاوية المبنى فتاة بدينة يطوف بصرها حول المكان كمخلوق أبله يحاول اكتشاف العالم بنظرة. بجانبها تقف سيدة يستبد بها الخوف والقلق ويميل رأسها مع رأس الصبية كجندي جبان يترقب الهجوم. ربما تتبدل اسباب الخوف عند البعض، ولكن بالتأكيد لا يمكن الغاؤه. سحنتها الجادة القاسية بسبب التجاعيد تبتر متعة الصغيرة بالمتابعة وتدفعها إلى شد اطراف قميصها بغضب بين الحين والآخر لتغطي بروز مؤخرتها. وكلما ابتعدت الفتاة لتلقي نظرة عبر الزجاج على الأجساد العارية المتمرغة بأشعة الشمس، تتبعها السيدة وتسحبها بحسم إلى الزاوية ثم بمحاولة ماكرة تشغلها بحديث يحجب رؤيتها عما يجري حولها. لم يحدث أن ياتي شاب او شابة إلى الإمتحان بصحبة احد من ذويه في مكان كهذا روادهُ من البالغين المتحملين لمسؤولية انفسهم. غريب أن تتعامل تلك السيدة مع الإنتظار في احدى اجمل جامعات العالم كعبء ثقيل تريد التخلص منه بالنظر إلى ساعتها اليدوية بين الحين والآخر.

بدأ الإمتحان ومد الجميع خطاهم إلى القاعة بينما ظلت المرأة مكانها تراقب فتاتها وعندما تلاشت عن ناظريها تقدمت نحوي وهي مازالت تجهد نفسها بالخوف والقلق. سألتني عن موعد انتهاء الإمتحان لتأتي وتأخذ ابنتها. نظرت إليها وعلى وجهي ابتسامة لم اتمكن من إخفائها عندما اخبرتها باللهجة العراقية ” بعد ثلاث ساعات”. وقت الإنتظار عند كل الناس فرصة للإسترخاء والتأمل، إلا عند العراقيين فهو مثل ضحكاتهم العالية يتحول لا شعورياً إلى زمن مستقطع من اقتراب المصيبة. وهكذا يمر الزمن وأنا مكاني امارس روتين عملي في التنظيف وبحثي المحموم عن حكاية.

كافي علي

شاهد أيضاً

مصرع طفل دهسه والده بالخطأ في خانيونس

شفا – أفادت مصادر طبية و محلية بأن طفلاً يبلغ من العمر (5 سنوات) لقي …