7:42 صباحًا / 19 سبتمبر، 2019
آخر الاخبار

عشر سنوات مضت على محنتنا الوطنية: دعوة الكل الفلسطيني للاعتذار بقلم : د. أحمد يوسف

عشر سنوات مضت على محنتنا الوطنية: دعوة الكل الفلسطيني للاعتذار بقلم : د. أحمد يوسف

بمناسبة الذكرى العاشرة لمأساتنا الوطنية، حيث ذهبت دماؤنا هدراً في لحظة فورة غضب، وانتهكنا فيه أعراضنا وقيمنا الوطنية، في صراع على السلطة وقراءات سياسية خاطئة لبعضنا البعض، وانشغلنا بمعركة حامية الوطيس بين أبناء الوطن الواحد وعلى مقربة من الأعداء الذين كانوا يتربصون بنا الدوائر، وينتظرون تلك اللحظة، حيث خسرنا كل ما أنجزناه على مدار عقود من التضحيات والثورة.

أيام وسنوات كانت حالكة وكارثية على شعبنا وقضيتنا، نتذكرها ونقول: “الله لا يعودها من أيام”.

لقد أعجبتني تلك الأبيات التي كتبها د. جواد الهشيم بمناسبة الذكرى العاشرة للانقسام، والتي كان مطلعها: إنّي لأُشْهدُ ربنا، والشعب أيضاً حولنا، إنّي هنا، قد جئتُ كيما أعتذر.. سارتْ بنا عشْرٌ عِجافْ، نقسو.. نجادلُ.. نختلفْ!!

كم قلتُ لكْ: احملْ سلاحكَ ليس ضدي، واضرب به مَنْ يغترف، من حقنا.. من أرضنا.. وهنا بنا لا يعترفْ.

من الجدير ذكره، أننا لسنا أول شعب يقتل بعضه بعضاً، ولسنا ضرباً مغايراً من الشعوب والأمم التي طحنتها الحروب الأهلية، ولسنا الأول والآخر من بين الدول التي استعرت في جنباتها وبين أعراقها وإثنيَّاتها تلك الصراعات التي أكلت الأخضر واليابس.

إن صفحات التاريخ مليئة بتلك المواجهات الدامية والحروب المفتوحة على خلفيات سياسية، ولكن الحقيقة التي صاحبت كل ذلك، هي إن كل هذه الدماء والعداوات وجدت في النهاية حكيماً يضع حداً لها، وينجح في جمع الشمل وإعادة إعمار كل ما خرَّبته تلك الصراعات بين أبناء الوطن الواحد ولو بعد حين، حيث عادت المياه إلى مجاريها، واستقرت أحوال البلاد والعبادة من جديد.

وقائع وأحداث تاريخية

في القرن السابع عشر، كانت الحروب الدينية في أوروبا، والتي استمرت ثلاثين عاماً، أخذت معها أرواح أكثر من ثلاثين مليوناً من البشر، ولكن مواقف الحكماء تغلبت في النهاية وعملت على طي صفحتها، لنشهد بعد ذلك أوروبا وقد توحدت واجتمعت تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، بالرغم كذلك من حربين عالميتين طاحنتين راح ضحيتها أكثر من سبعين مليوناً.

وفي الجزائر وقبل الاستقلال عام 1961، كانت المواجهات والصراعات بين أبناء المشروع الوطني الواحد، وكانت عمليات القتل واتهامات الخيانة المتبادلة بين المناضل مصالي الحاج وجماعة المركزيين تجري على قدم وساق في الخمسينيات، إلى أن حسمتها المصالحة التاريخية في “مؤتمر الصومام” عام 1956، حيث تحرك الجميع تحت مظلة جبهة التحرير الجزائرية، والتي جاءت بالاستقلال بعد أن ظنَّ الجميع أن لا تلاقيا. في ذلك اللقاء التاريخي كان الرجل الرشيد، حيث اجتمع الشمل، وتمَّ تصويب البوصلة، وتحديد هدف البندقية.

وفي جنوب أفريقيا كان نظام الأبارتهايد العنصري، وكانت الخلافات وعمليات القتل لسنوات عديدة، والتي أنهكت مجازرها وتبعاتها الجميع إلى أن جاء الوقت الذي تحرك فيه حكماء البلاد، حيث وضعوا حداً لتلك الحروب والصراعات الداخلية على خلفيات عرقية مختلفة، ليتوحد الجميع بعد ذلك وتحقق جنوب أفريقيا حريتها واستقلالها في زمن العظيم مانديلا.

حتى أمريكا، التي هي اليوم عنوان للديمقراطية والتقدم والحضارة الإنسانية لم تبخل عليها تجربة استقرارها وازدهارها من سنوات خاضت خلالها غمار الحرب الأهلية، حيث استباح فيها مواطنوها في الشمال دماء إخوانهم في الجنوب على خلافات عرقية، إلى أن ظهر إبرهام لنكولن؛ الرجل الحكيم، لتضع الحرب أوزارها، وتبدأ أمريكا مشوار وحدتها وعظمتها منذ ذلك التاريخ.

أين نحن من تجارب الآخرين؟

كنا كفلسطينيين نعتقد أننا محصنين ضد كل ما وقع لدول وشعوب وعرقيات أخرى، ولكننا اكتشفنا بعد الذي وقع بيننا من مواجهات دامية في يونيو 2007، بأن لنا من الطبائع والنزوات مثل من سبقنا من الخلائق، بالرغم مما تراكم عندنا من اعتقاد أننا مبرأين من الخطيئة والخطأ؛ لأن طهارة الأرض وبركتها سوف تعصمنا من كل ذلك، وتحمينا من الانزلاق والزلل.

للأسف، وبعد كل الذي وقع قبل عشر سنوات، هذا هو الواقع اليوم، حيث أحوالنا السياسية والمعيشية بالغة الاضطراب والكارثية، فما هو المطلوب اليوم لإصلاح ذات البين؟ وما هو الدور المنوط بنا كسياسيين ومفكرين وإعلاميين ونخب اجتماعية وأكاديمية وأدباء ومثقفين لتسهيل مهمة وضع أقدام شعبنا على طريق تحقيق المصالحة المجتمعية والوطنية ومنهما إلى الشراكة السياسية؟

لا شك أننا بحاجة إلى أن نقرَّ بالخطأ والاعتذار لشعبنا كخطوة أولى، والاعتراف بأن ما جرى في يونيو 2007 من أحداث مأساوية كان جريمة مكتملة الأركان، حيث استباح الفلسطيني دم أخيه الفلسطيني على خلفية من المكائد والخلاف الفكري والخصام السياسي.

ما وقع كان خطيئة شاركنا جميعاً كفلسطينيين في اقترافها، والمطلوب منا – الآن – كقيادة حركات وفصائل ألا نكابر وأن نعترف بذلك.

نعم، هناك – للأسف – من ولغ حتى الثمالة في الدماء، وهناك من كان يتفرج على الصراع وهو يهيج ويستعر ولم يفعل شيئاً، وهناك من كان بصمته واعتزاله يصب الزيت على النار، وكان بإمكانه أن يصرخ في وجه الطرفين ليقول: كفى، ولكنه لم يفعل. وهناك وهناك.

في الحقيقة، كان البعض في الفصائل يبدو أنه يحابي السلطة الوطنية لوجود ارتباطات مصالح معها أو لعدم القدرة فعلاً على القيام بشيء فآثر الصمت والانتظار، وهناك أيضاً من بين هذه الفصائل من كان يراهن على أن المعارك الجانبية بين فتح وحماس سوف تنهك الطرفين وتضعف قدراتهما، وربما تهيئ له وراثة مريحة لهما!!

لذلك، فإن كل هذه العناوين الفصائلية بخلفياتها الأيدولوجية والدينية تتحمل بدرجات متفاوتة قدر من مسئولية ما جرى من محنة وطنية نعاني من لأوائها وأوجاعها وتداعياتها السياسية والمجتمعية والنفسية حتى يومنا هذا.

اليوم، ونحن نطالب الجميع بالاعتذار، فإن الغرض هو تهيئة الظروف للخطوة القادمة وهي المصالحة المجتمعية، والتي سيكون فيها اعتماد آليات جبر الضرر بأشكالها المختلفة، حتى يشعر كل من كان ضحية لتلك الأحداث المأساوية أنه طال حقه؛ إما بالعفو والتعويض المالي، وإما بما له من استحقاق وطني؛ باعتبار كل هؤلاء الضحايا هم شهداء، ولهم في صفحات تاريخنا نفس استحقاقات الشهداء، حتى تهدأ النفوس ونكفكف للأرامل والأمهات والأخوات ما تحجر من دمع في العيون، جراء تلك الأيام السوداء في تاريخنا.

كما قلنا؛ إن الاعتذار هو بداية الطريق، وهو تعبير عن الاستعداد لما هو آت من خطوات وتحركات واسعة تحمل معها – بلا شك – بشريات وأمنيات لنا جميعاً بالفرج القريب.

مبادرة للاعتذار..

قبل شهر، حاولنا الترتيب مع عدد من الشخصيات والقامات الوطنية للتحرك بمناسبة الذكرى العاشرة للانقسام البغيض، والقيام بفعالية وطنية أمام ساحة الجندي المجهول بغزة، تحت عنوان: “هيَّا لنعتذر”.

وكان الهدف من وراء هذه الفكرة هو إيصال رسالة لشعبنا العظيم بأن ما وقع قبل عشر سنوات كان خطأ كارثياً دفع الجميع ثمنه، وبسببه تراجعت مكانة القضية محلياً وإقليماً ودولياً، ولذا فنحن اليوم بكل ما نمثل من مواقع قيادية على مستوى الفصائل والأحزاب والقوى الوطنية والمرجعيات الدينية والأطر الطلابية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني نعتذر لشعبنا، ونتعهد بالعمل على سرعة تحقيق المصالحة المجتمعية والوطنية.

ولكن مع التطورات الإيجابية التي تجري في القاهرة، ارتأينا تأجيل ذلك، حتى لا يساء فهم ذلك أو استغلاله بعيداً عن الهدف المقصود من الفعالية.

ختاماً…

في حياة كل الشعوب والدول مناسبات وطنية للتغني بها والفخر، وأخرى للاعتذار، ويجتهد المفكرون والأدباء تجلية صفحات المجد والبطولة في تاريخ بلادهم، بهدف إيجاد ثقافة وطنية يتم تنشئة الأجيال عليها وتتعزز فيها نظرتها ومواقفها تجاه بلادهم، فيما سنوات الخلاف والوقيعة التي تشكل “مسبَّة وطنية” يتم التهرب منها والعمل على طمسها.

وحيث إن جرحنا ما زال مفتوحاً، فإن من الصعب التأسيس لثقافة وطنية تنسينا أوجاع وآلام كل ما وقع في يونيه 2007، ثقافة عنوانها الاعتذار بكل ما يعنيه من تظهير لمبادئ التسامح والتغافر والتآخي، وإشاعة معاني الحب بين أبناء الوطن الواحد.

وبانتظار الانتقال من خطوة الاعتذار إلى إنجاز المصالحة المجتمعية ومنها للمصالحة الوطنية، فإن الحديث عن شراكة سياسية ومشروع وطني للتحرير والعودة تظل ضرباً بعيداً من الأماني والأحلام وهرطقات الخيال.

إن ما يصلنا من القاهرة اليوم إنما هو إرهاصات لما يمكن أن نحلم به في قادم الأيام من اجتماعٍ يلتئم فيه شمل الشعب والوطن.

شاهد أيضاً

اصابة 7 مواطنين في غزة جراء سقوط صاروخ محلي جنوب القطاع

شفا – اصيب 7 مواطنين بجروح مختلفة مساء اليوم في قطاع غزة. وقالت وزارة الصحة …