11:56 مساءً / 21 فبراير، 2026
آخر الاخبار

بين وصية الفناء وعروج البقاء: قراءة في فراشات آلاء القطراوي ، بقلم : حسن جلنبو

بين وصية الفناء وعروج البقاء: قراءة في فراشات آلاء القطراوي

بين وصية الفناء وعروج البقاء: قراءة في فراشات آلاء القطراوي ، بقلم : حسن جلنبو

تعد التجربة الشعرية للشاعرة الفلسطينية الدكتورة آلاء القطراوي، المتمثلة في ديوانيها “فراشتي التي لا تموت” و”عروج الفراشة”، واحدة من أعمق السرديات الوجدانية التي نبتت من قلب حرب الإبادة في غزة؛ حيث يمثل هذان العملان رحلة روحية وأدبية انتقلت فيها الشاعرة من لغة الوداع والوصايا إلى إرادة الحياة والسموّ. فبينما جاء الديوان الأول “فراشتي التي لا تموت” صرخة تحت وطأة ضيق التنفس، وغارات الاحتلال، مستهلاً كل مقطوعة بعبارة “إذا متُّ” كوثيقة أخيرة لمن يواجه الفناء، جاء الديوان اللاحق “عروج الفراشة” ليقلب هذه الموازين بإصرار وجودي، متخذة من عبارة “إذا عشتُ” فاتحة لكل نصوصه، وكأنها تنتقل من رثاء الذات إلى صياغة “نبوءة” بالنجاة تحقق بالفعل على أرض الواقع.

ويُمثل ديوانها “فراشتي التي لا تموت” وثيقة إنسانية وأدبية استثنائية، كُتبت فصولها تحت وطأة واحدة من أقسى اللحظات التاريخية في قطاع غزة، وتعبر الشاعرة في مفتتح الديوان عن الرغبة في الحلم التي صاحبت تدوين النصوص، مؤكدة أن الشعر، وإن كان لا يصدّ غارات الاحتلال، فإنه يمتلك القوة ليقول إن على هذه الأرض ما يستحق الحياة والحب والانتصار.

يضم الديوان ثلاثين مقطوعة شعرية مكثفة، تتخذ جميعها من جملة “إذا متُّ” عتبة نصية ومفتاحاً وجدانياً لبناء هذه الوصايا، ويعدّ هذا التكرار استراتيجية لمواجهة الموت الوشيك عبر تنظيم الغياب؛ ففي المقطوعة الأولى، تطلب الشاعرة أن يُرسم بجانب اسمها “فراشة” لأنها تحب الفراشات، وأن تُعلق على شاهدها “نجمة غياب” لتخبر الموت بأنها حاولت المسير رغم الحصار، في محاولة لترك أثر يتجاوز فناء الجسد، محولةً القصيدة إلى أثير مطلق يتصل بالحقيقة الروحية التي ترفض الموت. ومن الجدير بالذكر أن هذا الديوان قد نال تقديراً أدبيًا رفيعًا بترشحه للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب لهذا العام عن فئة المؤلف الشاب، مما يعكس القيمة الفنية العالية لهذه السردية التي ولدت من رحم المعاناة.

ويتجلى البعد التراجيدي العميق في هذا العمل من خلال الإهداء الذي وجهته الشاعرة إلى “غزة في فقدها” وإلى قلبها الذي جرحه فقد أطفالها، فتتحول أرواح أطفالها (يامن، وكنان، وأوركيدا، وكرمل) إلى خيوط ناظمة في نسيج الوصايا؛ فنراهم في عناقيد التوت التي ستنبت من جرح الغياب، وفي الشموع التي تنسل من كتف الحرير، فالفراشة هنا، كما يوحي العنوان، هي الكائن الرقيق الذي يرفض الاحتراق رغم النيران، وهي الرمز الذي يربط بين فجيعة الفقد وسمو الروح، حيث تظل تحوم حول النور بأجنحة “مريمية” لا تنكسر.

وفي خضم التساؤل المرير الذي تطرحه الشاعرة حول جدوى الشعر، بينما تدوي الانفجارات بالقرب منها، يأتي الديوان كإجابة حية تثبت أن الكلمة هي المساحة الأخيرة المتبقية للحياة. فالنصوص تزدحم بصور الوداع الصادقة، من طلب خلع الحذاء عند المشي على البحر لجس نبض الشاطئ، إلى الوصايا المتعلقة بمسح ريش الحمام بالقصائد ومسامحة من جرحوها، ليصبح هذا الديوان فعلا للمقاومة، يوثق لحظة زمنية قاسية ويحولها إلى دموع قصائد تضيء عتمة الواقع وتفتح نوافذ الأمل رغم الظلم.

ومن خلال ثيمة (إذا متُّ) في مستهلّ كل مقطوعة تسعى الشاعرة إلى تسييج غيابها بأيقونات رمزية، ويتسع هذا الثيم ليشمل استعادة الحواس عبر الطبيعة، كما في وصيتها للمحبوب بخلع حذائه وجس نبض الشاطئ بباطن قدمه، مما يعكس رغبتها في الحلول في عناصر الكون بعد الفناء، كما يتخذ الموت طابعاً إيثارياً يتجاوز الذات عبر توزيع “ميراث روحي” نبيل، كإعطاء قوارير عطرها لعروسٍ حزينة وخاتمها لعامل كادح لم يجد مهراً لمعشوقته، مما يحول الغياب إلى وسيلة لترميم حيوات الآخرين.

ولا يغيب القلق الأمومي عن هذا الثيم، حيث تسيّج أطفالها الأربعة بالتسابيح، وتصنع من خصلات قصائدها جدائل تحميهم من الفقد، مؤكدة أن “الفراشة” في جوهرها كائن يرفض الاحتراق ويظل يحوم فوق النار بأجنحة مريمية لا تنكسر.

سيظلّ هذا العمل المميز شاهداً على قدرة الفلسطيني على اجتراح الجمال من قلب الركام؛ فالحرف الذي كُتب بـنزيف الروح استطاع أن يحفظ ذكرى الشهداء ويصون هيبة “الأم” في مواجهة آلة الحرب. لقد استطاعت آلاء القطراوي في هذا الديوان أن تسيّج حياتها وأطياف أطفالها باللغة، معلنة أن الحرب قد تملك القدرة على القتل والتدمير، لكنها تقف مشلولة أمام “الفراشة” التي اختارت ألا تموت، لتستمر في الطيران نحو سدرة المنتهى.

وفي محاولة لاستقراء أثر هذا التحول من “إذا متُّ” إلى “إذا عشتُ” فإننا نجد الشاعرة تصنع سياجا لحياتها يحميها من الموت المتربص بالجميع، ففي “فراشتي التي لا تموت”، تظهر القصيدة كفعل لمواجهة الحصار والموت، فتخبر العالم بأنها حاولت المسير رغم كل شيء. أما في “عروج الفراشة”، فإنها تعلن انحيازاً تاماً للحياة، محولةً القصيدة من نص أدبي إلى امتداد للروح، واتصال فلسفي بالحقيقة التي ترفض المحو.

وإن وصول فراشتي التي لا تموت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد هو وصول مستحق وآمل لها التتويج والمزيد من الإبداع.

شاهد أيضاً

الاحتلال يطلق الرصاص وقنابل الصوت والغاز عند "فرش الهوى" غرب الخليل

الاحتلال يطلق الرصاص وقنابل الصوت والغاز عند “فرش الهوى” غرب الخليل

شفا – أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء اليوم السبت، الرصاص الحي وقنابل الصوت والغاز، عند …