9:54 مساءً / 21 فبراير، 2026
آخر الاخبار

حين يُحجب الهلال… ويُحاصر الإيمان ، بقلم : سامي إبراهيم فودة

حين يُحجب الهلال… ويُحاصر الإيمان ، بقلم : سامي إبراهيم فودة

قراءة في عزل الأسرى الفلسطينيين في سجن جلبوع ومنعهم من معرفة دخول رمضان

في العادة، لا يحتاج رمضان إلى إذنٍ ليحلّ، ولا إلى تصريحٍ ليُعلن حضوره. يكفي أن يكتمل الهلال، وتتهيّأ القلوب، ويتهيّب المؤمنون قدوم شهر الطهر. لكن في الزنازين المعتمة، خلف الأسلاك العالية، ثمّة رجال لا يعرفون إن كان الهلال قد أشرق، ولا إن كان الأذان قد صدح معلنًا بدء الصيام. هناك، في عتمة العزل وانقطاع الأخبار، يُحجب الزمن نفسه، ويُعاقَب الإيمان لأنه إيمان.


تقارير تتحدّث عن أسرى فلسطينيين في سجن جلبوع يجهلون دخول شهر رمضان، بفعل انقطاع التواصل ورفض إدارة السجن إبلاغهم بالمناسبات الدينية. ليس الأمر تفصيلًا عابرًا في يوميات الاعتقال، بل هو مساسٌ مباشر بحقٍّ إنساني وروحي أصيل: أن يعرف الإنسان زمن عبادته، وأن يمارس شعائره دون قيدٍ أو إذلال.


أن يُحرم الأسير من معرفة دخول رمضان، فذلك يعني عزله عن العالم، عن أهله الذين يستقبلون الشهر بالدعاء، وعن أمه التي كانت تنتظر صوته قبيل المغرب، وعن أطفاله الذين تعلّموا الصوم على اسمه. هو قطعٌ لآخر خيطٍ يربطه بدورة الحياة الطبيعية. إنه عقابٌ مضاعف: سجن الجسد، ثم سجن الروح.


وإذا ما أضيف إلى ذلك ما يُتداول عن تصعيدٍ في ممارسات التجويع، وتقليص وجبات الطعام، ومنع مظاهر الشعائر الدينية الجماعية، فإن الصورة تصبح أكثر قتامة. فالتجويع في رمضان ليس فقط اعتداءً على الجسد، بل هو محاولة لإفراغ العبادة من معناها، وتحويل الصيام من عبادةٍ طوعية سامية إلى معاناة قسرية تُستغل أداة ضغطٍ وإذلال.
في كل الشرائع والقوانين الدولية، يُكفل للأسرى حقّهم في ممارسة شعائرهم الدينية، وفي التواصل الإنساني الذي يحفظ كرامتهم. غير أن ما يجري يكشف عن سياسة تتجاوز الإهمال إلى التعمد، وتتخطّى التضييق إلى القمع المنهجي. فحين يُمنع الأسير من معرفة موعد الإفطار أو السحور، أو يُحرم من المصحف، أو يُضيَّق عليه في الصلاة، فإننا أمام استهدافٍ مباشر لهويته ووجدانه.


رمضان في السجن ليس كرمضان في البيوت. هناك، تتحوّل التمرة إلى ترف، وجرعة الماء إلى أمل، وصوت الأذان إلى حلمٍ بعيد. ومع ذلك، ظلّ الأسرى عبر عقودٍ طويلة يجعلون من الزنازين محرابًا، ومن الجوع صلاة، ومن الصبر طريقًا للحرية. كانوا يصنعون تقاويمهم الخاصة، يقدّرون المواقيت بالحدس، ويتشاركون كسرة الخبز كما لو أنها وليمة.
لكن أن يُحرموا حتى من معرفة أن الشهر قد دخل، فذلك يعني أن السجّان يحاول السيطرة على الزمن ذاته، أن يحتكر السماء، وأن يمنع الهلال من أن يُرى ولو في القلوب.


إن قضية الأسرى ليست شأنًا إنسانيًا فحسب، بل اختبارٌ حقيقي لضمير العالم. فكرامة الإنسان لا تتجزأ، وحقّه في العبادة لا يُعلّق على قرار إدارة سجن. وحين يُقمع الإيمان خلف القضبان، يصبح الصمت تواطؤًا، ويغدو الكلام مسؤولية.
سيبقى رمضان، مهما حُجب هلاله، شاهدًا على صمود أولئك الذين يصومون بلا إعلان، ويصلّون بلا مكبّر صوت، ويؤمنون بأن فجر الحرية – وإن طال ليله – آتٍ لا محالة.

شاهد أيضاً

إقامة معرض الكتب الصينية خلال فترة عيد الربيع في أنحاء متفرقة من العالم

إقامة معرض الكتب الصينية خلال فترة عيد الربيع في أنحاء متفرقة من العالم

شفا – انطلقت فعاليات المعرض العالمي المشترك السادس عشر للكتب الصينية في أكثر من مئة …