
“محاولة لفهم مدينة لا تحبّ الشرح” ، بقلم : غدير حميدان الزبون
في الفلسفة يُقال إنّ الإنسان كائن عائد يخرج ليكتشف العالم، ثم يعود ليكتشف أنّ العالم كان بيته.
أمّا في غزة فنختصر هذه الفكرة ونقول بأنّ الإنسان يخرج لأنّ جسده تضرر، ويعود ليكتشف أنّ المكان هو المصاب الحقيقي.
عادت المرأة بعد عام من العلاج، لعلّنا نقول نجح العلاج، وهذا ما قاله الأطباء.
أما المدينة فلم يحالفها الحظ نفسه، أو ربما لم تحصل على موعد بعد.
فغزة كما نعلم دائمًا في غرفة الانتظار، والنداء باسمها يتأخر لأسباب تقنية لا علاقة لها بالقنابل.
مشَت في الشارع الذي كان شارعًا، وهو الآن اقتراح شارع.
لقد بات الركام مادة خام للتأمل، فكل حجر يسأل سؤالًا وجوديًا بسيطًا فحواه: لماذا أنا هنا، وليس في مكان آخر؟
هو سؤال مشروع، ومن الممكن الإجابة عنه، لكنْ لا وقت للإجابة، ولا وقت للوقت.
توقفت عند بيتها، أو لنقل على وجه الصواب ما بقي منه، وهذا تعبير مجازي نحبه كي لا نصاب بالذعر.
مدّت يدها إلى الجدار المكسور؛ لتتحقق إنْ كان ما تراه حقيقة، أو تدريبًا للذاكرة على لغة الفقد.
تذكّرت الساعة التي توقفت عند لحظة محددة، يبدو لها الأمر مطمئنًا في ساعة تعرف متى تستسلم، فالبشر لا يفعلون ذلك عادة، ما يثير الأسف والخذلان في روحها الكسيرة.
في هذه اللحظة ظهر الأطفال، لطالما اعتبرتُ ظهور الأطفال في مثل هذه الظروف خطأ نقديًّا يخالف بناء النص.
كانوا يلعبون فوق الركام، لأنّ علم النفس لم يخبرهم بعد أنّ هذا المكان يجب أنْ يكون حزينًا.
سألها أحدهم:
— خالتي، إنتِ من هون؟
لعله سؤال معقّد يحتاج لجنة تحقيق.
فكّرت قليلًا، ثم أجابت:
— أنا هون، أنا هون.
في إجابة ذكية تتجاوز الجغرافيا وتُربك الخرائط.
وصلتْ إلى الساحة التي كانت سوقًا.
إنّ الأسواق مثل الأفكار الكبيرة تنهار سريعًا إذا ما تُركت بلا حماية.
كان المشهد غير مدروس، والناس متجمعون على نحو يثير القلق والذهول.
فهناك أمٌّ فقدت أبناءها، وتصرّ على تربية الباقين، ويظهر في الناحية الأخرى شاب بعكاز عجوز يُثبت أنّ الاستقامة لا تحتاج قدمين، وإلى جواره شيخ يحفظ أسماء الشهداء أكثر مما يحفظ أسماء الأحياء، وهذا منطقي إحصائيًا.
لم يكن مخططًا أنْ تتكلم المرأة، لكنّ الصمت كان ثرثارًا أكثر من اللازم.
صعدت المرأة على حجر؛ لترفع من سقف توقعاتها، فالمنصات الرسمية غير متوفرة في المناطق المدمرة.
رفعت صوتها دون زخرفة بلاغية، فالواقع سبق البلاغة:
خرجتُ لأتعالج، وعدتُ لأنّ هذا الركام يعرفني، وهذه الأرض لا تُوقّع عقود بيع.
في تلك اللحظة حدث شيء غريب، لكنه متوقع.
ردّد الناس جملة قصيرة مفهومة، لا تحتاج شرحًا فلسفيًا، حتى الأطفال الذين لا يعرفون عمق معناها ردّدوها:
لا للتهجير.
لكنهم يعرفون جيدًا معنى أنْ يأتي أحدهم ويقول لك: هذا ليس لك.
في هذه اللحظة أودّ أنْ أكون راوية متفائلة، وأقول إنّ كل شيء تحسّن، لكنّ الفلسفة تحبّ الصدق أكثر من النهايات السعيدة.
ما تحسّن فعلًا هو شيء واحد فقط، لقد تذكّرت المدينة صوتها، وهذا في علم الوجود ليس تفصيلًا.
ولتعلمْ أيّها العابر أنّه عندما تقول مدينة مدمّرة “لا” فهي لا تعترض.
إنّها فقط تُعرّف عن نفسها؛ لأنّها لا تحبّ الشّرح.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .