
أرواح لا تموت ، بقلم : سامي إبراهيم فودة
أولاً:
الشهداء… حين تبدأ الحكاية بعد الارتقاء
هناك من يموت مرةً واحدة…
وهناك من يولد مرتين.
الشهيد لا ينتهي عند لحظة الارتقاء، بل تبدأ حكايته هناك.
في اللحظة التي يُغلق فيها النعش، تُفتح أبواب الذاكرة.
وفي اللحظة التي يُوارى فيها الجسد التراب، يبدأ حضوره في تفاصيل الحياة.
هو لا يعود رقماً في بيان، ولا اسماً في قائمة طويلة.
بل يصبح معياراً للكرامة، ومقياساً للشجاعة، وبوصلةً لجيلٍ يبحث عن الطريق.
الأم التي فقدته لا تتحدث عنه كغائب، بل كحاضرٍ في كل زاوية من البيت.
الطفل الذي كان يراه قدوةً، يكبر وفي داخله نارٌ لا تنطفئ.
والأرض التي احتضنته تحفظ خطاه كما تحفظ البذرة سرّ الإنبات.
الذي يعيش لذاته ينتهي بانتهائه،
أما الذي يعيش لقضية، فإنه يمتدّ بامتدادها.
لهذا، كلما ظنّ العدو أنه أنهى حكاية،
اكتشف أنه كتب فصلاً جديداً.
هناك أرواح لا تموت…
لأنها حين ارتفعت، حملت معها معنى البقاء.
ثانياً:
الأسرى… الحرية التي لا تُقيد
السجن محاولة لإطفاء الإنسان.
جدران سميكة، أبواب حديدية، عتمة متعمّدة، وصمتٌ مفروض بالقوة.
لكنهم لم يفهموا أن الجسد هو أضعف ما في الإنسان.
القوة الحقيقية تسكن الروح.
الأسير الذي يُجرّ إلى زنزانته مكبّل اليدين،
يعرف أن القيود تُغلق على معصمه، لا على إرادته.
قد يُحرم من الشمس،
لكنه لا يُحرم من الحلم.
قد يُمنع من الزيارة،
لكن لا أحد يستطيع أن يمنع قلبه من الخفقان لأمه وأطفاله ووطنه.
الزنازين لم تُنتج يوماً رجالاً مكسورين،
بل صنعت جيلاً يعرف قيمة الحرية لأنه دفع ثمنها.
الأسير حين يبتسم خلف القضبان،
يهزم السجّان دون أن يتكلم.
لأن الروح التي تعرّفت على معنى الكرامة…
لا تموت.
ثالثاً:
الأم… الحضور الذي لا يغيب
الأم ليست جسداً يسير بيننا.
الأم حالة أمان.
ظلٌّ دائم، حتى في أشدّ لحظات العتمة.
حين ترحل الأم، نشعر أن شيئاً كبيراً انكسر…
لكننا نكتشف مع الوقت أنها لم تتركنا.
نسمع صوتها في قراراتنا،
نشعر بيدها في لحظات ضعفنا،
ونرى ملامحها في وجوه أبنائنا.
الأم لا تموت لأنها زرعت نفسها فينا.
كل دعاءٍ تعلّمناه منها،
كل قيمةٍ غرستها في قلوبنا،
كل دمعةٍ مسحتها عن خدّنا…
تتحوّل إلى حياةٍ مستمرة.
هي لا تغيب،
بل تتحوّل إلى حضورٍ أعمق.
هناك أرواح لا تموت…
وأولها روح الأم.
رابعاً:
تأمل فلسفي… بين الموت والفناء
الموت حدثٌ بيولوجي.
لكن الفناء قرارٌ معنوي.
يمكن لإنسان أن يموت وهو على قيد الحياة،
حين يفقد المعنى.
ويمكن لإنسان أن يرحل جسداً ويبقى قروناً،
حين يترك أثراً.
التاريخ لا يتذكر الأعمار الطويلة،
بل يتذكر المواقف.
الخلود ليس معجزةً خارقة،
بل نتيجة طبيعية لحياةٍ عاشت بصدق.
كل كلمة حق قيلت في وجه الظلم،
كل موقف شجاع،
كل تضحيةٍ صادقة…
هي خطوة نحو حياةٍ لا تنتهي.
الروح التي تعلّقت بالقيم…
لا تموت لأنها ارتبطت بما هو أبقى من الجسد.
خامساً:
غزة… الروح التي تقاوم الفناء
في غزة، الموت ليس خبراً طارئاً…
بل احتمالاً يومياً.
ورغم ذلك، يستيقظ الناس كل صباح،
يصنعون الخبز،
يرسلون أطفالهم إلى المدارس،
ويبتسمون رغم كل شيء.
غزة ليست مجرد بقعة جغرافية على الخريطة.
هي فكرة.
هي إصرار.
هي روح جماعية قررت أن تبقى.
قُصفت بيوتها،
لكن لم يُقصف انتماؤها.
حوصرت سنوات،
لكن لم تُحاصر إرادتها.
كل مرة تُعلن فيها الحرب أنها أنهتها،
تنهض غزة كأنها تقول:
لم تبدأوا بعد بفهمي.
غزة… روح شعب كامل.
ولهذا… لا تموت.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .