
تصعيد ترامب تجاه إيران: إدارة تفاوض تحت الضغط وتهميش مستمر لفلسطين..! بقلم :د. عبدالرحيم جاموس
يثير التصعيد المتكرر في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران تساؤلات جدّية حول أهدافه الحقيقية وحدوده الفعلية. فهل يندرج هذا التصعيد في إطار مواجهة استراتيجية مباشرة مع طهران، أم أنه أداة سياسية متعددة الوظائف، في مقدّمتها إعادة توجيه بوصلة الاهتمام الدولي بعيدًا عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني وأرضه؟
من منظور تحليلي، يصعب التعامل مع التهديدات الأميركية لإيران بوصفها سياسة أحادية الهدف. فالخطاب التصعيدي شكّل، تاريخيًا، إحدى الأدوات المعتمدة في السلوك الأميركي لإدارة الأزمات لا لحسمها.
ويعتمد ترامب هذا النهج بوضوح، من خلال سياسة الضغط الأقصى دون الانزلاق إلى حرب شاملة، بما يسمح بتحسين شروط التفاوض، وضبط إيقاع الصراع، والتحكّم في أجندة النقاش الدولي.
في السياق الإقليمي، يؤدي هذا التصعيد وظيفة إضافية بالغة الحساسية، تتمثّل في إعادة ترتيب الأولويات السياسية والإعلامية.
فكلما تصاعد الحديث عن “الخطر الإيراني”، تراجع التركيز الدولي على جرائم الاحتلال الإسرائيلي، من توسّع استيطاني، واعتداءات عسكرية، وانتهاكات موثّقة للقانون الدولي الإنساني.
وهكذا، يُعاد تعريف مركز التهديد في المنطقة باعتباره تهديدًا أمنيًا إقليميًا، لا استمرار احتلال استيطاني ممنهج يشكّل جوهر الصراع الحقيقي.
ولا يتطلّب هذا المسار وجود تنسيق معلن بقدر ما يعكس منطق التحالفات داخل النظام الدولي. فالولايات المتحدة، بصفتها الداعم الاستراتيجي الأول لإسرائيل، تجد في تضخيم التهديد الإيراني مظلّة سياسية تبرّر انحيازها، وتعيد تأطير الصراع بعيدًا عن أساسه القانوني والأخلاقي، المتمثّل في الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة.
وتزداد موضوعية هذا التحليل في ضوء المفاوضات التي جرت يوم الجمعة في مسقط، والتي وُصفت بالإيجابية، وانتهت بالاتفاق على استئنافها واستمرارها، وسط مؤشرات على جدّية إيرانية في التوصل إلى اتفاق.
هذه المعطيات تُضعف فرضية المواجهة العسكرية الوشيكة، وتؤكّد أن حدّة الخطاب لا تعكس بالضرورة المسار السياسي الفعلي، بل تتقاطع مع نمط معروف من إدارة التفاوض تحت الضغط.
فلو كانت النية تتجه نحو صدام حقيقي، لما استمرّت قنوات التفاوض مفتوحة، ولا جرى الاستثمار في وساطات هادئة كمسقط، التي لطالما شكّلت منصة موثوقة للتفاهمات غير المباشرة.
وعليه، يمكن قراءة التهديدات المتزامنة مع مسار التفاوض بوصفها أدوات ضغط سياسية تهدف إلى تحسين شروط الاتفاق، لا مؤشرات حرب حتمية.
في المقابل، تظل القضية الفلسطينية الخاسر الأكبر من هذا المشهد.
فمع كل تصعيد لفظي أو أزمة إقليمية بديلة، تتراجع فلسطين في سلم الأولويات الدولية، وتُدفع جرائم الاحتلال إلى هامش التغطية السياسية والإعلامية، أو يُعاد تبريرها ضمن سرديات أمنية فضفاضة، لا تمسّ جوهر المشكلة ولا تعالج جذورها.
خلاصة القول إن تصعيد ترامب تجاه إيران لا يستهدف إيران وحدها، بل يشكّل أداة لإدارة الصراع الإقليمي، وضبط التحالفات، وإعادة توجيه الانتباه الدولي.
غير أن أخطر نتائج هذا المسار يتمثّل في استمرار تآكل مركزية القضية الفلسطينية في الوعي الدولي، رغم أنها تظل جوهر الصراع ومفتاح أي استقرار حقيقي في المنطقة.
د. عبد الرحيم جاموس
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .