
السردية الصهيوأمريكية وصناعة الضحية الزائفة ، بقلم : بديعة النعيمي
أصبح للسرديات اليوم دورا مهما كأداة تستخدم لتبرير الجرائم، وإعادة تعريف الضحية، وطمس المسؤولية الأخلاقية والقانونية. وقد لعبت الولايات المتحدة الأمريكية منذ قيام دولة الاحتلال عام ٤٨ دورا محوريا في بناء سردية منحازة للأخيرة لتثبيت دعائمها في جسد منطقة غريبة عنها في الشرق البراق الذي لطالما كان له سحره الخاص بالنسبة للغرب. سردية لم تكتف بتبرير الاحتلال، إنما كان لها سعيها الدؤوب في إعادة صياغة الوعي العالمي بحيث تصبح الوحشية والقمع دفاعا عن النفس، والقتل أمنا، والضحية خطرا يهدد الوجود.
وقد حرص الخطاب الأمريكي الرسمي آنذاك على تقديم المشروع الصهيوني كحل “لمأساة اليهود في أوروبا” والذي قرر أن تكون فلسطين وجهته، متجاهلا عمدا أن هذا القرار جاء على حساب شعب آخر سيتم اقتلاعه برغم تاريخه الطويل وجذوره الممتدة في الأرض وصنع نكبة رافقتها جرائم التطهير العرقي والتهجير الجماعي وتدميرأكثر من ٥٠٠ قرية ومسحها من الوجود وتغيير أسمائها، وقد تم تغييب هذه السردية عن الغرب واختزالها في عبارات مثل “نزاع” أو “حرب استقلال”.
هذا التلاعب اللغوي كان بمثابة تأسيسا لسردية كاذبة هدفها نزع الشرعية من الفلسطيني كصاحب أرض، وتحويله إلى “عقبة تاريخية” في وجه دولة غاصبة.
ومع مرور الزمن، تطورت هذه السردية لتتلائم مع التحولات السياسية والعسكرية، لكنها حافظت على فكرتها التي تقول بأن دولة الاحتلال دولة مهددة تسعى للبقاء، والشعب الفلسطيني “الإرهابي” يشكل مصدرا للخطر عليها. بهذا جرى تجاهل حقيقة أن دولة الاحتلال هي قوة احتلال عسكري، تمتلك جيشا ونهرا دائم الجريان من الأسلحة الثقيلة والخفيفة المتطورة، مصدره “البنتاغون” ودول الغرب ، وتفرض هيمنتها وسيطرتها بالقوة على شعب مسلوب الحقوق. وهنا تتحول اللغة إلى أداة يتحكمون بها أيضا، فتنقلب الكلمة البشعة إلى بريئة ومسالمة، فالمجازر تنقلب لتصبح مجرد “أخطاء”، والاستيطان الشيطاني يصبح “توسعا عمرانيا”، والحصار المميت “إجراء أمنيا”. وهكذا دواليك.
وغزة بالأمس واليوم، المثال الأوضح على هذا الكذب والتزييف. فمنذ فرض الحصار عليها، والخطاب الأمريكي لم يعتبرها منطقة منكوبة تضم أكثر من مليوني إنسان تحت ظروف لا إنسانية، بل كانت من وجهة نظره هي بؤرة الإرهاب التي تهدد أمن دولة الشتات. لذلك اختزلت آلاف الشهداء المدنيين في أرقام لا بشر، وأعيد إنتاج عبارة هناك ضحايا في كل حرب. وكأن وجود الضحايا أمر طبيعي، لا نتيجة مباشرة لاستخدام القوة الغاشمة والظالمة.
من هنا، جاء تصريح وزير الخارجية الأمريكي السابق “مايك بومبيو” مؤخرا،
والذي جاء فيه “نحتاج إلى التأكد من أن تروى القصة في المستقبل على نحو صحيح، بحيث لا تكتب كتب التاريخ عن ضحايا غزة..كان هناك ضحايا في غزة، هذا صحيح.. فهناك ضحايا مدنيون في كل حرب دارت. لكن الضحايا كانوا شعب دولة إسرائيل”. ليكتسب دلالته الخطيرة. فهو لم يكتف بتبرير العدوان، إنما ذهب خطوة أبعد حين تحدث صراحة عن ضرورة “أن تروى القصة في المستقبل على نحو صحيح”، محذرا من أن تكتب كتب التاريخ عن “ضحايا غزة”، ومؤكدا أن “الضحايا كانوا شعب دولة إسرائيل”.
تصريح إنما عبر عن سياسة مدروسة تهدف إلى السيطرة على الذاكرة الجماعية، وإعادة تعريف مفاهيم أساسية مثل الضحية والجريمة.
إن الزيف في هذا الكلام يكمن في قلب العلاقة بين القوة والضعف. إذ كيف يمكن لدولة تمتلك ترسانة عسكرية هائلة، وتحاصر شعبا أعزل، وتشن عليه حروب إبادة متكررة، أن تقدم بوصفها الضحية؟ وكيف يمكن لآلاف الأطفال الذين استشهدوا تحت الأنقاض أن يتم مسحهم من التاريخ لأن وجودهم يخلخل الرواية؟.
إن ما يقترحه “بومبيو” هو ببساطة محو المعاناة الفلسطينية من الذاكرة الإنسانية، أو على الأقل تفريغها من أي قيمة أخلاقية. وهذا النوع من الخطاب يكشف خوفا عميقا من الحقيقة. فلو كانت الرواية الصهيونية–الأمريكية صادقة، لما احتاجت إلى وصاية على التاريخ. ولكن الحمد لله أن الوقائع على الأرض، مهما طال الزمن، ستفضح التناقض بين الادعاء والممارسة. فالاحتلال، والاستيطان، والحصار، والقتل الجماعي، لا يمكن تبريرها إلى الأبد بلغة الدفاع عن النفس، ولا يمكن إخفاؤها خلف خطاب إنساني انتقائي صهيوأمريكي، فالتاريخ يكتب أيضا في شهادات الشهداء، وفي الذاكرة الشعبية، وفي الوثائق التي يتركها القمع خلفه. وكلما اشتدت محاولات التزوير، ازداد وضوح الحقيقة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .