2:06 مساءً / 5 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح التي انطلقت من أجل فلسطين ، هل ما زالت البوصلة ثابتة ؟ ، بقلم الصحفي سامح الجدي

فتح التي انطلقت من أجل فلسطين ،  هل ما زالت البوصلة ثابتة ؟

فتح التي انطلقت من أجل فلسطين .. هل ما زالت البوصلة ثابتة؟ ، بقلم الصحفي سامح الجدي


المقال الثاني من سلسلة مقالات ( أيُّ فتح نريد )

حين انطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح، لم يكن هناك التباس في الهدف ولا غموض في الاتجاه. كانت فلسطين هي البوصلة، والتحرير هو العنوان، والإنسان الفلسطيني هو جوهر المشروع. لم تُولد فتح من فراغ، بل جاءت استجابة لحالة تاريخية من الضياع السياسي، والتشتت الوطني، وغياب القرار الفلسطيني المستقل. ولهذا، فإن السؤال اليوم، بعد 61 عامًا على الانطلاقة، ليس سؤالًا عابرًا أو ترفًا فكريًا، بل سؤال وجودي: هل ما زالت بوصلة فتح ثابتة على فلسطين؟


البوصلة الأولى: فلسطين قبل كل شيء


في بداياتها، رفعت فتح شعار “فلسطين أولًا”، لا بوصفه عبارة دعائية، بل كمنهج عمل. كانت الحركة ترى أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تكون ملفًا ثانويًا في حسابات الآخرين، ولا ورقة تفاوض بالنيابة عن أصحابها. ولهذا أصرت على استقلالية القرار الوطني، وربطت نضالها بالأرض والإنسان، لا بالمحاور والتحالفات المؤقتة.


كانت البوصلة واضحة :تحرير الأرض، استعادة الحقوق، وبناء كيان وطني يعبر عن إرادة الفلسطينيين أينما كانوا. هذه الوضوح منح فتح شرعيتها الشعبية، وجعلها الحاضنة الوطنية الأوسع، والقادرة على جمع الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والاجتماعية.


تغيّر السياق .. وثبات السؤال


مع مرور العقود، تغيّر العالم من حولنا. سقطت أنظمة، وتبدّلت تحالفات، وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، في مقابل صعود أولويات إقليمية ودولية جديدة. وفي خضم هذه التحولات، وجدت فتح نفسها أمام واقع معقّد: احتلال أكثر شراسة، عملية سياسية متعثرة، وانقسام فلسطيني أضعف الموقف الوطني.


في هذا السياق، بدأ السؤال يتسلل إلى وعي الناس: هل ما زالت فتح تتحرك وفق بوصلتها الأولى؟ أم أن ضغوط الواقع دفعتها أحيانًا إلى الانشغال بالإدارة على حساب المشروع، وبالآني على حساب الاستراتيجي؟


هذا السؤال لا يحمل اتهامًا، بل يعكس قلقًا وطنيًا مشروعًا، نابعًا من خوف حقيقي على ضياع الاتجاه وسط زحمة التفاصيل.


فتح والبرنامج السياسي


من حق أي حركة وطنية أن تطوّر أدواتها وبرامجها بما يتلاءم مع المتغيرات، لكن التطوير شيء، وفقدان الاتجاه شيء آخر. فتح، منذ انطلاقتها، امتلكت برنامجًا سياسيًا مرنًا، لكنه كان ثابتًا في جوهره: التحرر الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.


اليوم، تبدو الحاجة ماسّة لإعادة طرح الأصسئلة الكبرى:
ما هو أفق المشروع الوطني؟
ما هو شكل النضال القادر على تحقيق أهدافنا؟


وكيف يمكن لفتح أن تقود هذا المشروع في ظل ميزان قوى مختل؟


فتح التي نريدها هي فتح الواضحة في خطابها، الصريحة مع شعبها، التي لا تبيع الأوهام ولا تكتفي بإدارة الأزمة، بل تسعى إلى إعادة تعريف الهدف المرحلي دون المساس بالثوابت.


بين السياسة والواقع اليومي


من أخطر ما يهدد ثبات البوصلة أن تتحول السياسة إلى ممارسة منفصلة عن حياة الناس. فحين يشعر المواطن أن همومه اليومية بعيدة عن الخطاب الوطني، يبدأ الشك بالتسلل، وتضعف الثقة، ويختل الرابط بين الحركة وقاعدتها الشعبية.


فتح التي انطلقت من المخيمات، ومن القرى، ومن الأزقة الضيقة، كانت قريبة من نبض الناس. أما اليوم، فإن الحفاظ على هذه القربى يتطلب جهدًا مضاعفًا، خاصة في ظل أزمات اقتصادية خانقة، وبطالة، وتراجع الأمل لدى فئات واسعة من المجتمع.


ثبات البوصلة لا يعني فقط التمسك بالشعارات الكبرى، بل يعني أيضًا ترجمة المشروع الوطني إلى سياسات تحمي صمود الناس، وتجعلهم يشعرون أن النضال من أجل فلسطين لا يتناقض مع كرامتهم المعيشية.


فتح والوحدة الوطنية


لا يمكن الحديث عن بوصلة وطنية ثابتة في ظل انقسام داخلي ينهش الجسد الفلسطيني. فتح، بحكم موقعها التاريخي ودورها المركزي، تتحمل مسؤولية خاصة في هذا الملف. فالوحدة الوطنية ليست خيارًا تكتيكيًا، بل شرطًا أساسيًا لأي مشروع تحرري.


فتح التي نريدها هي فتح التي ترى في الوحدة رافعة للقوة، لا تهديدًا للدور. فتح التي تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفصائلية، وتؤمن بأن البوصلة لا تستقيم إذا كان الجسد منقسمًا.


المقاومة .. وتعدد الأشكال


منذ انطلاقتها، آمنت فتح بالمقاومة بوصفها حقًا مشروعًا، ووسيلة من وسائل النضال، وليست غاية بحد ذاتها. ومع تعقّد الواقع، باتت أشكال المقاومة محل نقاش وجدال. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف الوسائل، بل في غياب الرؤية الجامعة.
فتح التي انطلقت من أجل فلسطين لم تكن حركة جامدة، بل حركة تقرأ الواقع وتبدع في أدواتها. وثبات البوصلة هنا يعني أن تبقى المقاومة مرتبطة بالهدف الوطني، ومنضبطة بإرادة جماعية، لا بردود أفعال أو حسابات ضيقة.


فتح والعلاقة مع العالم


الانفتاح على العالم، وبناء العلاقات الدولية، كان دائمًا جزءًا من استراتيجية فتح. لكن هذا الانفتاح كان، في لحظاته المضيئة، أداة لخدمة القضية، لا بديلاً عنها. اليوم، في ظل ضغوط سياسية ومالية هائلة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ما زالت هذه العلاقات تُدار من موقع الندية والدفاع عن الحقوق، أم أنها باتت أحيانًا عبئًا على القرار الوطني؟


فتح التي نريدها هي فتح التي تعرف كيف توازن بين الواقعية السياسية والحفاظ على الكرامة الوطنية، دون أن تفقد ثقة شعبها أو تفرّط بحقوقه.


البوصلة والجيل الجديد


الجيل الفلسطيني الجديد لم يعش لحظة الانطلاقة، لكنه يعيش نتائج المسار الطويل. وهذا الجيل يطرح أسئلته بجرأة: أين نحن ذاهبون؟ وما الذي تحقق؟ وما هو دورنا؟ إذا لم تستطع فتح أن تقدّم إجابات مقنعة، فإن خطر فقدان هذا الجيل يصبح حقيقيًا.


ثبات البوصلة هنا يعني القدرة على مخاطبة الشباب بلغة صادقة، وإشراكهم في صياغة الرؤية، لا الاكتفاء بتذكيرهم بالماضي.


الخلاصة: بوصلة تحتاج إلى مراجعة لا استبدال


حين نسأل: “فتح التي انطلقت من أجل فلسطين .. هل ما زالت البوصلة ثابتة؟” فنحن لا نشكك في النوايا، بل نطالب بالمراجعة. فالبوصلة الوطنية لا تُستبدل، لكنها قد تحتاج إلى إعادة معايرة، لتبقى متجهة نحو الهدف الصحيح.


فتح التي نريدها هي فتح التي تُعيد الاعتبار لفلسطين كقضية مركزية في كل قرار، وتربط بين السياسة والناس، بين التاريخ والمستقبل، بين الثابت والمتغير. فتح التي تدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة تحرر هو أن تواصل السير، بينما البوصلة تنحرف بصمت.


وفي الذكرى الحادية والستين، يبقى التحدي الحقيقي أمام فتح: أن تثبت، بالفعل لا بالقول، أن فلسطين ما زالت هي الاتجاه، وأن كل الطرق – مهما تشعبت – يجب أن تعود إليها.

شاهد أيضاً

مستوطنون يحطمون شواهد قبور إسلامية في القدس

شفا – اعتدت مجموعة من المستوطنين، اليوم الاثنين، على مقبرة إسلامية في مدينة القدس، وحطموا …