12:41 مساءً / 20 يوليو، 2019
آخر الاخبار

آلهة شياطين بقلم : عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

كان ثمة تصور محوري تدور عليه حياة الإنس منذ قدمها، كما يستدل من حفريات تعود لعشرات آلاف السنين مضت، أن مصيرهم معلق بأيدي قوى خير في معركة أبدية ضد قوى شر أخرى. قريباً، منذ بضع ألاف سنين فقط، اختصر الإنس تعددية قوى الخير في إله واحد، تحيطه ملائكة مطيعة على جانب، وقوى الشر في عدو واحد، الشيطان، محاط هو الآخر بجن وعفاريت أصغر لا تقل عنه شراً على الجانب المقابل. وقد ظل الإنس يسيرون حيواتهم، ويعدون لآخرواتهم، على أساس هذه الثنائية الضدية البدائية العتيقة بين الخير والشر، إلى أن حدث تطور مزلزل بداية من القرن الخامس العشر، تزامناً مع الخروج من سيطرة الدين الفكرية وأنظمة الحكم الإمبراطورية وتشكل الدولة الوطنية، أدى إلى انصهار الخير والشر معاً في كيان واحد، أسميه مجازاً “الإله الشيطان”. منذ ذلك الزمن، حدث تحول عميق في تصور الإنس للعلاقة فيما بين بعضهم البعض أنفسهم كأفراد، وكذلك بينهم متآلفين في جماعات ومجتمعات وبين النخب السياسية والدينية: انتهى زمن الخير الكامل والشر الكامل، الأبيض والأسود، ليجتمع في الإنسان نفسه، كل وأي إنسان، بعض من هذا وبعض من ذلك. لم يعد يوجد الإله الخير المستقل والمنفصل عن الشيطان الشرير، بل نفس الشخص قد يكون خيراً في أوقات، وشراً في أخرى، وخيراً وشراً في الوقت ذاته. عليه، تبلورت مفاهيم وتصورات أخرى ملازمة لهذا التحول العظيم، مثل الشفافية والمحاسبة والمسؤولية والعقاب وسيادة القانون على الجميع.

 

أغلب التاريخ، ما كان الإنس يقدرون أبداً على أن يحاسبون الآلهة والشياطين. وكانت الحاجة قائمة دائماً للمحافظة على هذين التصورين موجودين ومنفصلين، لكي تتفادى النخب الحاكمة المحاسبة، ولكي ترمي بالشر الشيطاني كل من ينازعها على القوة والمال والمكانة الاجتماعية، سواء من داخل نفس الوطن أو من أوطان خارجية. وعلى مر التاريخ، ظلت النخب الدينية تمشي في الأغلب في ركاب النخب السياسية تلعب لعبة الإله والشيطان نفسها، وكما لا تزال إلى اليوم في بعض النظم السياسية التقليدية كما السعودية ودول عربية أخرى بدرجات متفاوتة. تلك اللعبة كانت مفيدة لتلك النخب للمحافظة على استقرار وسلام المجتمع في ترتيب معين مفيد لمصالحها هي الخاصة أكثر من مصالح المجتمع العامة. طالما كنت أنا وصحبتي من أحبة وأصفياء وأخلاء الإله، فلابد أن تكون أنت ورفاقك وزمرتك أتباع وعملاء الشيطان. كيف بغير ذلك أستطيع أن أبرر للجمهور، العامة، الرعية، الشعب، سيادتي وغلبتي عليه، وعدم محاسبتي من أحد، أو أمام أحد؟ كيف للشياطين، أو حتى الملائكة، أن تساءل أو تحاسب الآلهة؟ على ذلك التصور البدائي القديم قامت سلطوية تقليدية أصبحت شبه منقرضة الآن من معظم أركان العالم، ما عدا بعض المناطق البدائية ومنها، للأسف، المنطقة العربية، وبالأخص منطقة الخليج. لا تستطيع أن تواصل السيادة على العامة دون شفافية ومحاسبة ومسؤولية وعقاب من دون أن تواصل رعاية وتغذية هذا التصور البدائي التقليدي، وافتعال المعارك الأبدية الوهمية بين الملائكة والشياطين، مثل تلك بقيادة السعودية وإيران، لأنها تخدم النخب على الصفين. منذ اللحظة التي تسقط فيها الآلهة والشياطين ويخرجون من المشهد، لن يتبقى سوى إنس متساوون لا يستطيع أي منهم أن يفلت من الشفافية والمحاسبة والمساءلة.

 

عكس الدول السلطوية التقليدية، في الديمقراطيات الراسخة لا انفصال إطلاقاً بين الخير والشر، بل ينظر إليهما كنسب أصيلة وفطرية في الكيان الواحد ذاته. في قول آخر، أي شخص، أياً كان محله أعلى أو أسفل السلم الاجتماعي، لابد أن يكون فيه من عناصر الخير والشر مجتمعين وذائبين معاً بنسب متفاوتة؛ وإذا ما ترك لنفسه من دون حسيب ورقيب، ربما قد تتمكن منه عناصر الشر الكامنة فيه وتعرض الآخرين للأذى في أي وقت. هكذا، في ظل انعدام سيادة القانون، يترك الآخرين، وهم الأغلبية في معظم الأحيان، دون حماية فعالة من هذا الشر المحتمل. ليكن هذا الشخص ملكاً أو نبياً أو من عامة الناس، في كل الأحوال النتيجة واحدة: الإنسان به من نوازع الخير بقدر ما به من نوازع الشر، والمجتمع الإنساني الناجح والمتقدم هو ذلك الذي يشجع الأولى ويردع الثانية عبر ما يشرع من قواعد وأعراف وقوانين لا تستثني من سيادتها أي أحد. هذا هو مجتمع المساواة وسيادة القانون.

 

طالما، في بعض المجتمعات، ظل الانفصال والتمايز قائماً بين الإله والشيطان، بين العلماء والعامة، بين الحكام والرعايا، بين الأخيار والأشرار، بين الشرفاء والأنذال، بين الثورة والثورة المضادة، بين الثوار والفلول، لن تكون هناك مساواة وسيادة للقانون، بالتالي لن ينشأ النظام السياسي المستقر والصحي الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى التسامح والحريات والتداول الحقيقي والسلمي للسلطة.

 

طالما ظلت الآلهة والشياطين هنا على الأرض وسطنا، مستعصية علينا ومتملكة فينا، ستظل تفرق بيننا وتشعل فينا البغضاء والحروب؛ اطردوهم، وانظروا من جديد في أنفسكم؛ حينها ستكتشفون أنكم كلكم إنس، ومتساوون!

شاهد أيضاً

الاحتلال يتجاهل التحذيرات الأممية ويُمهد لهدم 100 شقة بصور باهر

شفا – قال المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان التابع لمنظمة التحرير إن حكومة …