8:03 صباحًا / 23 يوليو، 2019
آخر الاخبار

أرنا مالديك يا رومل! بقلم : إكرام يوسف

أكتب هذا المقال من دون خشية الاتهام بخرق الصمت الانتخابي، لأنه سوف ينشر بعد انتهاء التصويت في مرحلة الإعادة بين مرشحين لم يكن أكثر الثوريين تشاؤما يظن أنه سيجد نفسه مضطرا للمفاضلة بينهما! فلا يجرؤ زاعم على القول أن الفريق أحمد شفيق، ينتمي للثورة؛ كما يكذب أيضا من يدعي أن الدكتور محمد مرسي مرشح الثورة، وإنما هو مرشح جماعة وقفت ضد الثورة منذ اليوم الأول ـ كجماعة ـ وإن شارك شباب من أعضائها بدافع وطني وعلى مسئوليته الشخصية، فكانت النتيجة أن الجماعة ـ إرضاء للمجلس العسكري ـ طردتهم لإصرارهم على مواصلة الثورة، وأعلنت أنها “تتطهر من خبثها”. وإن كان ذلك لم يمنع أن تزايد وتتباهى بهم عند اللزوم للتدليل على مشاركتها في الثورة، وأحقيتها في الحصول على نصيب من الغنائم!

ومع ظهور نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات، صارت المواجهة واضحة بين مرشحين ينتميان إلى طرفي التحالف ضد الثورة، رغم اختبارات القوة التي يجريها كل منهما لشريكه من حين لآخر من أجل تعديل شروط الصفقة! وأحس كثيرون بالارتباك عندما وضعوا بين خيارين أحلاهما “مُر..سي”. واعتمد أنصار كل من المرشحين على فكرة أن مرشحهم أهون الشرين. بل أن هناك من لم يتورع ـ من الجانبين ـ عن استخدام تعبير “اعصر ليمونة على نفسك واختر فلانا، الذي سيسهل خلعه، حتى لا يصل فلان الذي يستحيل خلعه”! بما يكشف أن كليهما يقر بسوء مرشحه، معتبرا الآخر أسوأ! ويصر كلاهما على حصر إرادة المصريين ضمن ثنائية إجبارية، تذكرنا بما دعا إليه نفر من أجدادنا في ظل الاحتلال الإنجليزي، كانوا ينظمون تظاهرات تهتف “إلى الأمام يا رومل”! متمنين انتصار الألمان على الانجليز في معركة العلمين، بأمل دخول الألمان مصر واحتلالها، وتخليصها من الاحتلال الانجليزي البغيض! متجاهلين خيارا ثالثا، وهو أن يحرر المصريون أنفسهم من الاحتلال، وينعمون بالعيش في وطن حرمن صنعهم!

ويتفق الجميع على أن الثورة خلقت اهتماما واسعا بالشأن العام، ظهر لدى قطاعات كبيرة لم تكن تبدي أدنى اهتمام بغير شئونها الشخصية. واليوم، يدرك الجميع ـ ربما للمرة الأولى منذ وحد مينا القطرين ـ أن السياسة أشد التصاقا بتفاصيل الحياة اليومية مما كان يتوقع. ونجحت الثورة في أن تقنع البسطاء بأحقيتهم في إدارة شئون بلادهم. بل أن بسطاء مصر شاهدوا ـ للمرة الأولى في التاريخ ـ ثلاثة عشر مرشحا لرئاسة الجمهورية، يتملقونهم ويلتمسون السبل لنيل رضائهم، وأدركوا قيمة أصواتهم في تحديد من يفوز بأعلى منصب في الدولة!

غير أن أحدث تطور في وعي نسبة غير قليلة من الجماهير، تمثل في نجاح الكثيرين في الإفلات من أسر الثنائية المفروضة، وإدراك أن أجدادهم لم يكونوا مضطرين للاختيار بين الاحتلال الإنجليزي والاحتلال الألماني. وأنهم ـ كذلك ـ ليسوا مجبرين على الاختيار بين مرشحين لا يناسبان طموح ثورة، دفع فيها الوطن دماء أنبل أبنائه قربانا للحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وتجسد التطور الجديد في ظهور فريق اختار بعضه شعار “مقاطعون” وآثر الاحتجاج السلبي بالامتناع عن المشاركة في الاقتراع ورفع آخرون شعار “مبطلون”، مفضلين المشاركة الإيجابية بإبطال أصواتهم. والجديد في الأمر، إن مقاطعة المصريين صارت عمدا وعن قصد مسبق، بعدما اعتادوا ـ عبر عقود طويلة ـ الإحجام عن المشاركة في الانتخابات والاستفتاءات، إيمانا بعدم أهمية المشاركة في ظل تزوير يجرد أصواتهم من أهميتها. فكانت المقاطعة وإبطال الصوت، اختيارا مبدئيا وأخلاقيا، يعلن أصحابه أنهم غير مضطرين للاختيار ما بين السيء والأسوأ، مادام هناك طريق ثالث، هو تجاهل انتخابات تتم وفق قواعد قانونية مشكوك في سلامتها، ويترتب عليها وصول رئيس للحكم لا يعرف ـ ولا نعرف ـ صلاحياته واختصاصاته، ومواصلة الثورة حتى تنتصر، وتفرض قواعدها الضامنة لاختيار المرشح المعبر عنها. وهو طريق لن يكون ناعما بلا شك، ويحتاج إلى الكثير من طول النفس والاستعداد لدفع ثمن الحرية كاملا ضمانا لانتزاعها كاملة.

على أي حال، سيفوز بالرئاسة أي من “الروملين”، ليكفي أنصاره شر رومل الآخر، وسيكون عليه أن يقنع بقية المواطنين بأحقيته بما وصل إليه. ومن الطبيعي أن يبدأ أي حاكم جديد عهده ببعض الإصلاحات التماسا لرضاء شعبه. فما الذي سيقدمه “رومل” الجديد؟ على الرئيس الفائز إدراك أن دم الشهداء وإصابات المصابين ليس شعارا يتشدق به كل من أراد مغازلة ذويهم ورفاقهم الثوار، وإنما هو استحقاق بنبغي الوفاء به فورا بلا أدنى تأخير. ويماثله في الأهمية والأولوية، تحرير شبابنا القابع في السجون العسكرية، من الثوار أو ممن اعتقلوا ظلما لمجرد مرورهم بالصدفة في أماكن الأحداث؛ مثل الشاب محمود محمد أمين المعتقل عشوائيا بينما كان ذاهبا لعلاج شظايا بالمخ ـ أثناء أحداث العباسية ـ وأسفر اعتداء الشرطة العسكرية عليه عن اصابات تهدد بفقدان عينه الباقية. لا شك أن تحرير هؤلاء أوإحالة من ثبت في حقه ارتكاب خطأ إلى قاضيه الطبيعي وهو النيابة العامة، أولوية لن يقبل المصريون تجاهلها.

وعلى الرئيس القادم إدراك أن شعبا خرج بالملايين مطالبا بالحرية والكرامة الإنسانية لن يقبل أي مساس بكرامة أبنائه. ولن تردعه قوانين استثنائية، مثل الضبطية القضائية الممنوحة مؤخرا لأفراد المخابرات الحربية والشرطة العسكرية، في سابقة غير مفهومة، تنازلت فيها وزارة العدل المدنية عن بعض اختصاصاتها لجهة عسكرية، بينما يرفع كل من المرشحين شعار مدنية الدولة!

ليعلم الرئيس القادم أن صمت المصريين ليس ضعفا أو خوفا، وإنما حكمة. ولا شك أن قطاعات كبيرة من الجماهير سوف تميل للتريث في البداية، وإعطاء الفرصة للقادم الجديد كي يثبت صدق نواياه. وعليه ألا يمني نفسه أن هذا الصبر سوف يطول كثيرًا. فمازال جرح المصريين نازفا، وأي تصرف ينكأ جرح الكرامة أو يستهين بمطالب المصريين وثورتهم، لن يكون ثمنه هينا.

على القادم أن ينتبه إلى أن صبر المصريين على المظالم الاجتماعية، وتجاهل احتياجاتهم الأساسية من حق التعليم والعلاج والعمل والسكن، مع استمرار تدليل النخبة الحاكمة وذوي النفوذ على حساب الجماهير، لم يعد مقبولا. ولن يقابل بصمت جماهيري.

ليتعظ الرئيس القادم من درس المخلوع، فلم تستطع كافة قوى القهر والقمع أن تمنع مشهدا له ـ سيظل عالقا في أذهان العالم كله ـ وهو راقد بلا أدنى قدر من احترام الذات على فراش في قفص الاتهام، فيما اعتبره الناس تمثيلا رخيصا واستجداء لشفقة لم يحملها في قلبه لضحايا حكمه.

شاهد أيضاً

4 إصابات برصاص قوات الاحتلال شرقي غزة

شفا – أصيب ظهر الإثنين أربعة مواطنين برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال فعالية رافضة للحصار …