11:53 صباحًا / 13 نوفمبر، 2019
آخر الاخبار

إنَّها -المستحيلات الثلاثة- في الكون! بقلم : جواد البشيتي

“المستحيل” هو ما لا يُمْكِن وقوعه، أو حدوثه، أو تحقُّقه، أو ما لا يُمْكِن وجوده؛ ونقول في الشيء الذي لا يُمْكِن أبداً حدوثه، أو وجوده، “هذا من رابع المستحيلات”؛ فـ “المستحيلات”، عند العرب، كانت ثلاثة هي “الغول” و”العنقاء” و”الخِلُّ الوفي”.

 

البشر، ومن طريق التجربة (العملية) والممارَسة، تعلَّموا أمْراً في منتهى الأهمية ألا وهو “أنْ ليس كلُّ شيءٍ مُمْكِناً”؛ فهذا أمْرٌ يُمْكِن أنْ يتحقَّق (أيْ أنْ يصبح حقيقة واقعة، أو يتحوَّل من إمكانية واقعية إلى واقع) وذاك أمْرٌ لا يُمْكن أنْ يتحقَّق “أبداً”، أو “الآن” على الأقل.

 

واكتشاف “أنْ ليس كل شيء مُمْكِناً” يعني، أيضاً، “أنْ ليس كل ما يريده الإنسان، أو يرغب فيه، يُمْكِن أنْ يتحقَّق”؛ وهذا الاكتشاف المشتق من الاكتشاف الأوَّل، أو الأُم، يَفِيد في شَرْح وتبيان جوهر الصِّلة بين “الذَّات” و”الموضوع”؛ ويكفي أنْ نتمثَّل جوهر الصِّلة هذه حتى نَجْعْل مقولة “الحُرِّيَّة هي وعيُ الضرورة” تقودنا في “الممارَسة”.

 

و”المستحيل” يَكْمُن في معنى عبارة “ليس كل شيء مُمْكِناً”؛ فأنتَ يكفي أنْ تقول (أيْ أنْ تُؤمِن وتَعْتَقِد) بأنْ ليس كلُّ شيءٍ مُمْكِناً حتى تقول، أيضاً، بـ “المستحيل” من الأشياء (أيْ المستحيل حدوثاً، أو المستحيل وجوداً).

 

وإنِّي لأرى “مستحيلات ثلاثة” غير تلك التي كانت عند العرب، أو قال بها العرب؛ وهذه “المستحيلات” التي أراها هي: “استحالة خَلْق (أو أنْ تأتي) المادة من العَدَم”، و”استحالة خلقها بالوعي”، و”استحالة بقاء الشيء (أيُّ شيء) على ما هو عليه”.

 

“المستحيل الأوَّل” ليس بالأمْر الذي يَسْهُل على المُؤمِن به (أو عليَّ، بصفة كوني من المؤمنين به) جَعْل غيره مُؤمِناً به؛ وهذا الاستصعاب له أسبابه التي في مقدَّمها، وأهمها، على ما أرى، أنَّ مفهوميِّ، أو مقولتيِّ، “المادة” و”العَدَم” ليسا واضِحَيْن (فيزيائياً وفلسفياً) بما يكفي لجَعْلِ “الآخر”، وما أكثر “صُوَرِه”، مُؤمِناً بـ “استحالة خَلْق المادة من العَدَم”.

 

إنَّكَ، وإذا ما كنتَ “مادِّيَّاً”، لا تستطيع أنْ تُقْنِع “الآخر” بـ “استحالة خَلْق المادة من العَدَم” قَبْل أنْ تجيبه عن سؤاليْن: “ما هو هذا الذي لا يُمْكِن خَلْقه من العَدَم؟”، و”ما هو هذا الذي لا يُمْكِن خَلْق المادة منه؟”.

 

من “الملاحَظَة”، ومن “التجربة العملية” أيضاً، توصَّل الإنسان إلى “الفكرتين المثاليتين الكبيرتين”: “فكرة خَلْق المادة من العَدَم”، و”فكرة خَلْقها بالوعي”.

 

لقد لاحَظَ البشر أنَّ كلَّ شيءٍ “ينشأ”، أيْ له “لحظة نشوء”، وأنَّ كل ما ينشأ “يزول” حتماً، أي أنَّ لكل شيء “لحظة زوالٍ” أيضاً.

 

لا ريب في صِحَّة هذه “الملاحَظَة”؛ لكنْ لا ريب، أيضاً، في خطأ الاستنتاج الذي توصَّلوا إليه من تلك “المُقدِّمة الصحيحة”.

 

البشر فَهِموا “العالَم المادي” على أنَّه “شيءٌ كسائر الأشياء”، فقالوا، من ثمَّ، بـ “نشوئه (وزواله)”؛ فإذا كان لكل شيء “لحظة نشوء” و”لحظة زوال”، فلا بدَّ لهذا “الشيء”، المسمَّى “العالَم المادي”، أو “المادة”، من أنْ يكون له هو أيضاً “لحظة نشوء” و”لحظة زوال”.

 

ولسوف أُوْرِد مثالاً بسيطاً، أُوْضِح فيه “الصَّواب” و”الخطأ” في تلك “الملاحَظَة”.

 

هذه “قطعة من الجليد” تحوَّلت إلى “ماء”.

 

في هذا المثال، نرى “نشوءاً”، ونرى “زوالاً”؛ فـ “الماء” نشأ، و”الجليد” زال. لقد كان للماء “لحظة نشوء”؛ وهي عينها “لحظة زوال” الجليد.

 

وهذا هو “كلُّ الصَّواب” المرئي (حتى الآن) في هذا المثال البسيط.

 

لكنْ، ثمَّة جوانب من المثال نفسه لم يتوسَّعوا، ولم يتعمَّقوا، في رؤيتها؛ مع أنَّها الأكثر أهميةً.

 

الماء “نشأ”؛ فهل نشأ من “لا شيء”، أو من “العَدَم”؟

 

الجليد “زال (في اللحظة نفسها)”؛ فهل زال بما يَجْعَل زواله يَعْدِل “العَدَم” معنىً؟

 

“نشوء” الماء (في هذا المثال البسيط) إنَّما يعني، فحسب، “التحوُّل”، أيْ “تحوُّل الجليد إلى ماء”؛ و”زوال” الجليد إنَّما يعني “تحوُّله إلى ماء”.

 

إنَّ “التحوُّل” من شيءٍ إلى شيءٍ هو، فحسب، معنى “النشوء” و”الزوال” معاً؛ فأين هو هذا الشيء الذي “نشأ” و”زال” بما يُخالِف هذا المعنى (أيْ معنى “التحوُّل”)؟!

 

وفي هذا “النشوء ـ الزوال”، يكمن “شيء ثالث”، ليس بـ “شيء”؛ وهذا “الشيء الثالث (ثالث الشيئين، في مثالنا، وهما الجليد والماء)” هو “ثابِت التغيُّر”؛ هو “الثابِت في هذا التحوُّل”؛ هو الذي “لم ينشأ، ولم يَزْلْ”.

 

إنَّه “المادة”، التي، وفي هذا المثال، رأيناها في شكلين، هما “الجليد” و”الماء”.

 

و”جزيء الماء” نفسه يمكن أنْ يزول؛ ومعنى “زواله” إنَّما هو أنْ تَحِلَّ محله “ذرَّاتٍ ثلاث (ذرَّتا هيدروجين، وذرَّة أوكسجين) في حالة انفصال”.

 

وفي هذا “التحوُّل (من “اتِّحاد” الذرَّات الثلاث إلى “انفصالها”)”، بقي “الثالث”، وهو “المادة”، لا يَعْرِف نشوءاً، ولا يَعْرِف زوالاً.

 

“المادة” لا تَعْدِل أيَّ شيء؛ لا تَعْدِل أيَّ جسمٍ أو جسيمٍ؛ إنَّها لا تَعْدِل لا “الجليد”، ولا “الماء”؛ لا “جزيء الماء”، ولا “ذرَّات الهيدروجين والأوكسجين”؛ لا “الذرَّة”، ولا “البروتون”، ولا “النيوترون”، ولا “الإلكترون”، ولا “الكوارك”، ولا “النيوترينو”، ولا “الفوتون”.

 

لكنَّها، أيْ “المادة”، هي جوهر كل تلك الأشياء، كل تلك الأجسام والجسيمات؛ هي “المشترَك بينها جميعاً”؛ فلا شيء، لا جسم، ولا جسيم، يمكن أنْ يُوْجَد، أو يظهر إلى الوجود، إلاَّ بصفة كونه “شكلاً (من أشكال لا عدَّ لها، ولا حصر)” لـ “المادة”.

 

كان يكفي أنْ يَفْهَموا “المادة (أو “العالَم المادي”)” على أنَّها “شيءٌ بعينه”، كالجليد أو الماء أو الإلكترون أو الكوارك..، حتى يقولوا بـ “نشوئها” و”زوالها”، وحتى يقولوا بـ “اللحظتين”: “لحظة نشوء المادة” و”لحظة زوالها”.

 

وبعدما اتَّخذوا من ذلك “مُسلَّمة”، قالوا بـ “العَدَم”؛ فإذا كان لـ “المادة” لحظة نشوء، فلا يُمْكِنها أنْ تنشأ، من ثمَّ، إلاَّ من “العَدَم”!

 

ومن “التجربة العملية”، وصَلوا إلى “الضلع الثالث” في “مُثَلَّث الخَلْق”؛ فالضلع الأوَّل كان “المادة المخلوقة (من العَدَم)”، والضلع الثاني كان “العَدَم الذي منه خُلِقَت المادة”.

 

ولقد وصَلوا إليه من طريق “التجربة الإنسانية في الخَلْق والإنشاء”؛ فـ “المنزل”، مثلاً، وقَبْل أنْ يصبح حقيقة واقعة، كان على هَيْئَتيِّ “إرادة” و”فكرة”؛ فأنتَ، مثلاً، “أردتَّ” إنشاء (أو خَلْق) منزلٍ لكَ؛ ثمَّ “فكَّرتَ” في هيئته، ومُكوِّناته، وكيف يكون؛ وهذا إنَّما يعني أنَّ “أصل” المنزل كان “إرادة” و”فكرةً”.

 

وتعميماً، قالوا إنَّ “أصل” العالَم المادي كان هو أيضاً “إرادةً”، هي إرادة الخالق، و”فكرةً”، هي فكرته.

 

البشر يَخْتَرِعون أشياء (أيْ يخلقونها). وإنَّ أحداً لا يُنْكِر أنَّ “المُخْتَرَع (من الأشياء)” كان (قَبْل أنْ يَظْهَر إلى الوجود) فكرة (أيْ “صورة ذهنية”) في رأس الإنسان (المُخْتَرِع). وإنَّ أحداً لا يُنْكِر، أيضاً، أنَّ “الاختراع” كان كامناً في “إرادة” المُخْتَرِع؛ فالإنسان “يريد” أوَّلاً “إيجاد” الشيء؛ ثمَّ يُوْجِده (أيْ يتوفَّر على إيجاده وإنشائه وخلقه).

 

من هذه “التجربة العملية” توصَّلوا إلى أنَّ الشيء المُخْتَرَع هو “النتيجة (المادِّيَّة)” لـ “سبب مثالي”، هو “الفكرة” و”الإرادة”، أيْ فكرة وإرادة الكائن (أو الإنسان) الذي اخْتَرَع.

 

هذا هو “النِّصْف الأوَّل” من “تصوُّرهم”؛ ولا ريب في صِحَّته؛ لكنَّهم ضَرَبوا صَفْحاً عن “النِّصْف الآخر”؛ وكان ينبغي لهم أنْ يَنْظروا إلى هذا “السبب المثالي (الذاتي)” على أنَّه “نتيجة”، وأنْ يبحثوا عن “سببها المادي” الذي ليس ببعيدٍ عن أبصارهم وبصائرهم.

 

في “الإرادة”، نقول على سبيل المثال، لقد اخترع الإنسان “آلة للكشف عن الألغام المزروعة المضادة للأفراد” إذ “أراد” ذلك؛ فلتتأمَّلوا هذا المثال جيِّداً.

 

إنَّ أحداً لا يُمْكِنه إنكار أنَّ “الإرادة”، أيْ إرادة اختراع هذه الآلة، قد سبقت وجود الآلة؛ لكنْ أمعنوا النَّظر في هذه “الإرادة”.

 

قَبْل اختراع “اللغم” هل كان ممكناً أنْ تُوْجَد هذه “الإرادة” عند البشر؟!

 

وهل كان ممكناً أنْ تُوْجَد قَبْل اشتداد وتعاظُم خطر “الألغام المضادة للأفراد”؟!

 

هذا “الواقع المادي (الموضوعي)”، بضغوطه المتعاظمة، وبما يُولِّده من حاجات تشتد وتعنف، هو أصل ومنشأ تلك “الإرادة”؛ هو الذي جَعَل البشر “يريدون” اختراع تلك الآلة؛ فـ “الحاجات (المادية) هي أُمُّ هذا الاختراع”؛ و”الحاجة (المادية)” أنتجت “الإرادة” التي أنتجت تلك “الآلة”.

 

و”الفكرة”، أيْ فكرة الشيء المُخْتَرَع، والتي نُظِرَ إليها على أنَّها “السبب المثالي (الذاتي)” للاختراع، هي، أيضاً، مُنْتَج لـ “الواقع المادي (الموضوعي)”؛ فمهما بَحَثْتُم ونَقَّبْتُم في “رأس” الإنسان فلن تعثروا على “فكرة (أو صورة ذهنية)” لا أصل لها في “الواقع المادي (الموضوعي)”؛ فالفكرة إمَّا أنَّها “تُماثِل (أو تُشابِه)” شيئاً موجوداً (من قَبْل) في هذا الواقع، وإمَّا أنَّها “مُركَّبة (بقوَّة الخيال)”؛ لكنَّ كل جزء من هذا “المُركَّب (الفكري)” يُمثِّل شيئاً موجوداً في “الواقع المادي”.

 

إنَّكَ، ومن مصادِر شتَّى في “الواقع المادي (الموضوعي)” كوَّنْتَ “فكرة” المنزل الذي أردت إنشاءه؛ فهذه الفكرة، والتي نَظَرْتَ إليها على أنَّها “السبب المثالي (الذاتي)” لوجود المنزل إنَّما هي مُنْتَج لـ “واقِع مادي (موضوعي) ما”.

 

ولو توسَّعْتَ وتعمَّقْتَ أكثر في النَّظر (ضِمْن المثال نفسه) لوجدتَ أنَّ “فكرة المنزل (وكل فكرة)” لا يمكن أنْ تُوْجَد إلاَّ بوجود “العضو المادي للتفكير”، أيْ دماغ الإنسان الحي؛ ولوجدتَ، أيضاً، أنَّ “صاحب الفكرة” لم يَخْلِق “المنزل” من “العَدَم”؛ فلقد خلقه من “مواد أوَّلية موجودة في الطبيعة”.

 

في هذا المثال، وعلى ما رأيْنا، لا يُمْكِن العثور على ما من شأنه تأييد فكرة “خَلْق المادة من العَدَم”، أو فكرة “خلقها بالوعي”.

 

لكن، ما هي “المادة” التي لا يمكن خَلْقَها من “العَدَم”؟

 

إنَّنا يكفي أنْ نسعى (فكرياً وعلمياً وفلسفياً) في إجابة سؤال “ما هي المادة؟” حتى نَجِد أنفسنا في مواجهة ما يمكن تسميته “أزمة تعريف”.

 

ونحن لو فكَّرْنا مليَّاً في “ما هو التعريف” لوَجَدْنا أنَّ كل “تعريف” يقوم على صلة بين “الخاص” و”العام”، ننسب فيها (بالضرورة) الخاص إلى العام؛ فما هو (أيْ ما هو تعريف) الإنسان؟

 

إنَّه حيوان..

 

وما هي الشمس؟

 

إنَّها نجم..

 

وما هو الإلكترون؟

 

إنَّه جسيم..

 

وما هو الأوكسجين؟

 

إنَّه غاز..

 

هل من “تعريف (لأيِّ شيء)” يشذُّ عن هذه القاعدة، أو الطريقة في “التعريف”؟

 

كلاَّ، لا وجود له.

 

إنَّنا نستهل تعريفنا للإنسان بعبارة “إنَّه حيوان”؛ وهذا إنَّما يعني، ويجب أنْ يعني، أنَّ كلَّ إنسان حيوان؛ لكن ليس كل حيوان يجب أنْ يكون إنساناً؛ فـ “الحيوان” مفهوم أعم وأشمل وأوسع.

 

هل من وجود في الواقع المادي الموضوعي لـ “الحيوان (أيْ للحيوان العام، أو للعام من الحيوان)”؟

 

كلاَّ، لا وجود له؛ فـ “الحيوان” هو الكامِن في الإنسان والقرد والحمار والأسد..؛ إنَّكَ لا ترى في الواقع “الحيوان”، ولا ترى “الأسد (العام)”؛ فأنتَ إنَّما ترى في الواقع “الفَرْد” من “الأسود”؛ ترى “هذا” الأسد.

 

في “التعريف المتسلسل”، تقول إنَّ الأسد حيوان؛ وإنَّ الحيوان كائن حي، وإنَّ الكائن الحي كائن، أو جسم؛ وإنَّ الجسم مادة؛ وإنَّ المادة.. ( ؟).

 

لقد وَصْلنا في “السلسلة” إلى “نهايتها”؛ فليس هناك ما هو أعم وأشمل وأوسع من “المادة” حتى ننسبها إليها.

 

لا تَقُلْ إنَّ المادة جسماً؛ لأنَّكَ في قولك هذا تخرق القاعدة في تعريف الأشياء؛ ففي “التعريف” ننسب “الخاص” إلى العام”، ولا ننسب (ولا يجوز أنْ ننسب) العام إلى الخاص.

 

لقد عَرَّفت “الجسم” على أنَّه “مادة”؛ وهذا إنَّما يعني، ويجب أنْ يعني، أنَّ كل جسم مادة؛ لكن هل كل مادة يجب أنْ تكون جسماً؟

 

كلاَّ، فهناك أشكال أخرى للمادة؛ هناك الجسيمات بنوعيها (الجسيمات التي لها كتلة سكونية، والجسيمات عديمة الكتلة السكونية). وهناك الطاقة، والقوى، والمجال، والمكان، والزمان، والحركة، والفضاء.

 

أُنْظروا مثلاً إلى “أزمة تعريف المادة” في الفيزياء؛ فالفيزياء عَرَّفت المادة، أوَّلاً، على أنَّها “كل جسم يشغل حيِّزاً، وله كتلة”.

 

لكن المادة تشمل جسيمات أيضاً؛ وتشمل ما ليس له كتلة (سكونية). وإذا كانت المادة هي “كل جسم يشغل حيِّزاً”؛ فما هو “الحيِّز”؟

 

أليس “الحيِّز” هو “المكان بأبعاده الثلاثة”؟!

 

أليس “المكان” جزءاً من مفهوم “المادة”؟!

 

وإذا لم يكن “المكان (الحيِّز)” مادة، أو جزءاً من مفهومها، فماذا يكون؟!

 

و”أزمة تعريف المادة” رأيْناها، أيضاً، في عبارات فيزيائية من قبيل “المادة تتحوَّل إلى طاقة، والطاقة تتحوَّل إلى مادة”، و”جسيمات المادة، وجسيمات الطاقة”.

 

ومع أنَّهم حسَّنوا عِلْمياً العبارة الأولى، إذ أوضحوا أنَّ “الكتلة” هي التي تتحوَّل إلى “طاقة”، وأنَّ “الطاقة” تتحوَّل إلى “كتلة”، فإنَّ “المادة” تظل (في مفهومها وواقعها) أعم وأشمل وأوسع من “الكتلة” و”الطاقة” معاً.

 

أنتَ في تعريفكَ للأوكسجين تقول إنَّه غاز..؛ فتأمَّل هذا التعريف؛ ثمَّ حاوِلْ أنْ تُعرِّف “المادة” بما يُوافِق الطريقة نفسها لتعريف “الأوكسجين”؛ فهل تنجح محاولتكَ؟

 

كلاَّ، لن تنجح؛ لأنْ ليس في الوجود من شيء يشبه “الغاز”، لجهة عموميته، فننسب إليه “المادة”؛ ومع ذلك دَعُونا نتخيَّل (أو نفترض) وجود شيء أعم وأشمل وأوسع من “المادة”، يُدْعى “X”.

 

عندئذٍ، نقول، وينبغي لنا أنْ نقول، إنَّ كل “مادة” يجب أنْ تكون “X”؛ لكن ليس كل “X” يجب أنْ يكون “مادة”؛ ذلك لأنَّ هذا الكائن “X” يشمل، أيضاً، أشياء تختلف “نوعاً عن “المادة”!

 

إنَّ “المادة”، وفي ما يصلح دليلاً على أنَّها “مُطْلَقَة”، غير قابلة لـ “التعريف” بالمعنى “العِلْمي” لـ “التعريف”؛ لكنَّ عدم قابليتها للتعريف لا يعني أنْ ليس للمادة سماتها وخواصها الجوهرية، أي السمات والخواص التي يجب أنْ تكون موجودة في كل مادة.

 

والآن، سيسألونكَ، حتماً، عن “الوعي”.

 

أوَّلاً، “الوعي” هو خاصية إنسانية صرف، لا وجود لها إلاَّ في الإنسان بصفة كونه كائناً اجتماعي وتاريخي الماهية.

 

وهذا “الوعي”، بأشكاله وصوره ودرجاته ومستوياته المختلفة ليس من “جنس المادة”، ليس بـ “مادة” في حدِّ ذاته، وإنْ كان أمْراً مستحيلاً أنْ يُوْجَد وجوداً مستقلاً منفصلاً عن المادة (عن الدماغ، وعن العالم المادي الموجود في خارج الذِّهن البشري).

 

ودرءاً لسوء الفهم، نقول، ويجب أنْ نقول، إنَّ المادة (أو الطبيعة) لا تَخْلق (لا تُنْتِج) وعياً، ولا تتحوَّل (هي نفسها) إلى وعي.

 

“المادة (أو الطبيعة)” إنَّما خلقت وأنتجت، في تطوُّرها، “عضو التفكير”، أيْ “الدماغ البشري”، أيْ “مادة مفكِّرة”، أيْ “مادة لديها القدرة على التفكير”.

 

وثمَّة فَرْق، وفَرْق كبير، بين أنْ تقول إنَّ المادة خَلَقَت منها “مادة مفكِّرة”، أيْ لديها “القدرة” على التفكير، وبين أنْ تقول إنَّ المادة خَلَقَت “فكراً”، أو “وعياً”؛ فـ “الفكر”، أو “الوعي”، مع ما يرتديه من “لغة”، إنَّما هو من خَلْق “جماعة بشرية” تَعْمَل، أيْ تستخدم وتصنع “أدوات العمل”، مُحوِّلةً “مواضيع العمل”، في الطبيعة، إلى أشياء تلبِّي لها حاجات مادية مخصوصة.

 

و”المادة (أو الطبيعة)” لا تتحوَّل، في حدِّ ذاتها، إلى “وعي”؛ كما أنَّ “الوعي، في حدِّ ذاته، لا يتحوَّل إلى “مادة”؛ فـ “التحوَّل” إنَّما هو “تحوُّل شيء إلى نقيضه”؛ و”النقيضان (أو الضدَّان) هما طرفان متَّحِدان اتِّحاداً لا انفصام فيه، ويتصارعان في استمرار، فيُهَيْمِن كلاهما على الآخر، إذا ما تهيَّأت له أسباب الهيمنة”.

 

وبهذا المعنى، لا يمكن النَّظر إلى “المادة” و”الوعي” على أنَّهما “وحدة وصراع ضدَّين”، وإنْ نَظَرْنا إلى “الوعي” على أنَّه شيء ليس من جنس المادة، التي هي، أيضاً، شيء ليس من جنس الوعي.

 

إذا نحن نظرنا إليهما على أنَّهما “ضدَّان متِّحِدان (اتِّحاداً لا انفصام فيه) ومتصارعان صراعاً مُطْلَقاً” فهذا إنَّما يعني أنْ لا وجود أبداً للمادة بلا وعي.

 

إنَّ “الوعي” هو “النُتاج غير المادي (المثالي)” لتأثير “الواقع المادي (الموضوعي)” في “مادة مخصوصة”، هي دماغ الإنسان الحي؛ وهذا التأثير يحدث من طريق “الحواس”.

 

و”الوعي”، بهذا المعنى، هو شيء موجود؛ لكن وجوده كوجود “صورة” في “مرآة”؛ فأنتَ، مثلاً، ترى في “المرآة” صورة شجرة تُفَّاح؛ لكنَّ “شجرة التُّفاح نفسها” لا تُوْجَد في “المرآة”.

 

وغنيٌّ عن البيان أنَّ “صورة شجرة التُّفاح” لا تُوْجَد، ولا يمكنها أنْ تُوْجَد، إلاَّ بوجود “شجرة التُّفاح” و”المرآة”.

 

وغنيٌّ عن البيان أيضاً أنَّ “شجرة التُّفاح” موجودة قَبْل وجود “المرآة”، وفي خارج “المرآة”، ولا يتأثَّر وجودها أبداً بوجود (أو بعدم وجود) صورتها في المرآة؛ ولا بدَّ لصورتها من أنْ تتغيَّر بتغيُّر “أصْلِها”، أيْ بتغيُّر شجرة التُّفاح نفسها.

 

عندما تتفاعَل ذرَّة أوكسجين مع ذرَّتي هيدروجين في طريقة معيَّنة يَنْتُج من هذا التفاعُل “جزيء ماء”؛ فهذا التفاعُل المادي لا يُنْتِج إلاَّ مادة (هي جزيء الماء). أمَّا التفاعل (المادي) بين “الطبيعة” و”الدماغ” فيُنْتِج شيئاً غير مادي، هو “الوعي”.

 

أُنْظُرْ إلى “شجرة التُّفاح” هذه.

 

لقد أثَّرت تأثيراً (مادياً) معيَّناً بـ “عَيْنِكَ”.

 

وهذا “التأثير” إنَّما هو مادة انطلقت من الشجرة فاخترقت (أصابت) عَيْنِكَ.

 

وهذه المادة هي جسيمات (فوتونات) تسير بسرعة 300 ألف كم/ث.

 

ولَمَّا أصابت هذه الجسيمات عَيْنِك تفاعلت معها تفاعُلاً مادياً معيَّناً.

 

وهذا التفاعل شمل دماغكَ أيضاً.

 

الجسيمات نفسها لو أصابت ورقة الشجرة لتفاعلت معها في طريقة (مادية) مختلفة، ولرأيْنا نتائج هذا التفاعُل في عملية التمثيل الضوئي.

 

عَيْن الإنسان والشبكية والأعصاب والدماغ هي أشياء ليست بماهية وخواص ورقة الشجرة حتى نرى نتائج التفاعُل نفسها؛ فالجسيمات نفسها لا تُنْتِج فيك ما يشبه عملية التمثيل الضوئي؛ إنَّها تُنْتِج “صورة ذهنية (لا مادية)” هي “صورة شجرة التُّفاح”.

 

وهذه الصورة (الذهنية، غير المادية، المثالية) موجودة الآن في “وعيكَ (ذهنكَ)”، وإنَّكَ تستطيع استحضارها (و”رؤيتها”) إذا ما أغمضت عينيكَ.

 

ولهذه “الصورة” خاصية جوهرية هي أنَّها (أيْ الصورة) لا يمكن أنْ تُوْجَد في خارج “وعيكَ (أو ذهنكَ)”؛ أمَّا “أصلها”، أيْ شجرة التُّفاح، فيُوْجَد، ويجب أنْ يكون موجوداً، في خارج “وعيكَ”، ومستقلاً عنه (في وجوده، وتغيُّره).

 

إذا تغيَّر “الأصل” تغيَّرت “الصورة”؛ أمَّا تغيُّر “الصورة” بممحاة الزمن، أو بالخيال، فلا يتسبب بأيِّ تغيير في “الأصل”.

 

وتأثير “الشجرة” في “دماغكَ” على هذا النحو لا يعني أبداً أنَّ الشجرة نفسها قد “تحوَّلت” إلى “فكرة”، أيْ إلى “صورة ذهنية”؛ لكن، هل تتحوَّل “الفكرة” إلى “مادة”؟

 

كلاَّ، لا تتحوَّل، إلاَّ بالمعنى غير الحرفي؛ فـ “الفكرة” التي في رأسكَ يمكنها أنْ تُحْدِث تغييراً ما في الواقع المادي (الموضوعي) لكن بواسطة “مادة”، بواسطة يدكَ مثلاً، أو بواسطة أداة مادية اخترعتها؛ فالمادة لا تتفاعَل إلاَّ مع مادة، ولا تتغيَّر إلاَّ بمادة؛ و”الفكرة في حدِّ ذاتها”، ومهما كانت قوية وحيوية، لا يمكنها أنْ تُحْدِث أقلَّ وأتفه تغيير في الواقع المادي (الموضوعي).

 

“المادة”، ولا أقول هذا “تعريفاً” لها، وإنَّما على سبيل التعيين لسمة أو خاصية جوهرية لها، هي “واقع موضوعي”؛ فـ “المادي” يُوْجَد “في خارج” الوعي، ومستقلاًّ عنه (في وجوده وتغيُّره). أمَّا “الوعي” فهو “واقع ذاتي”؛ لأنَّه شيء (على وجوده) لا يُوْجَد “في خارج” المادة، كما لا يُوْجَد مستقلاًّ عنها.

 

و”المادة” تُوْجَد في أشكال عينية، ملموسة، محسوسة، لا عدَّ لها، ولا حصر؛ وإذا كانت “المادة” الموجودة في كل تلك الأشكال لا تتغيَّر، لا تنشأ، ولا تزول، لا تتحوَّل إلى نقيضها؛ لأنْ ليس لها من نقيض، فإنَّ كل شكل من أشكالها يجب أنْ يتغيَّر، يجب أنْ تكون له لحظة نشوء، ولحظة زوال، يجب أنْ يتحوَّل إلى نقيضه؛ لأنَّ له نقيض، ولأنَّه لا يُوْجَد، ولا يمكن أنْ يُوْجَد، من دون نقيضه.

شاهد أيضاً

كتائب شهداء الاقصى لواء العامودي تزف ثلاثة شهداء ارتقوا بقصف اسرائيلي شمال القطاع

شفا – نعت كتائب شهداء الأقصى – لواء الشهيد القائد نضال العامودي، الجناح العسكري لحركة …