4:55 صباحًا / 15 نوفمبر، 2019
آخر الاخبار

في الطريق الى سانتياغو بقلم : د. حسين أبو سعود

سانتياغو هي عاصمة تشيلي احدى دول امريكا اللاتينية،  ولكن ما عسى ان اقول عن رحلة جوية ليلية سوى اننا ركبنا الطائرة في مطار مدريد عند منتصف الليل تماما ، فجئ لنا بوجبة عشاء ثم اطفئت الانوار وغرق الجميع الا قليلا منهم في نوم عميق وقبل الوصول بساعتين اضيئت الانوار مرة اخرى ليتم تقديم وجبة الفطور، فتعلمت من هذا ان كل شئ الى زوال وكل الاوقات تنقضي وبسرعة علما بان مدة الرحلة كانت ثلاثة عشر ساعة ونصف، انقضت في لحظات، وهكذا العمر يمر مرّ السحاب، واذكر ايام الشباب باننا كنا نشعر بالحزن الشديد عندما كنا نشاهد فيلم (ومضى العمر يا ولدي) ونشفق على ابطال الفيلم، ولم ندر يوما باننا سنكون ابطالا لفيلم الحياة وتمضي اعمارنا كلمح البصر ، فنصحو وقد غزانا الشيب وتوزعت على ملامحنا التجاعيد.

 

عندما صحوت من النوم وجدت عددا كبيرا من المسافرين قد استيقظوا قبلي وهم يشاهدون الافلام من على الشاشات الصغيرة المثبتة على المقاعد، وتعمدت النظر الى الشاشات التي حولي وامامي فما وجدت احدا يشاهد نفس الفيلم الذي يشاهده الاخر وكل واحد اختار لنفسه فيلما معينا، وتذكرت المقولة  المعقولة (لولا اختلاف الاذواق لبارت السلع)وكم يسحرني الاختلاف والتباين في الالوان والاجناس والمذاهب والاديان والاراء ، وكم يتعبني اولئك الذين لا يطيقون هذا التباين الساحر، وبما ان لغة اهل تشيلي واكثر دول امريكا الجنوبية هي الاسبانية فكانت اكثر الاعلانات خلال الرحلة بالاسبانية ولم افهم منها سوى كلمة (غراسياس)اي شكرا والتي تعلمتها اثناء زيارة لي الى جزر الكناري الاسبانية، وكم هي جميلة كلمة شكرا التي تعبر عن العرفان بالجميل ولها موسيقاها المؤثرة بأي لغة قيلت.

 

واما نومي فقد كان هانئا لاني حصلت على اربعة مقاعد متجاورة فارغة فتمددت بطولي طوال الرحلة، والظريف باني احظى في معظم رحلاتي بصف من المقاعد الفارغة لانام أثناء الطيران ، ولكن هذا لا يتأتى جزافا بل يحتاج الى تقنية وحذق حيث اظل اراقب المقاعد والمسافرين القادمين وبعد التركيز على مكان معين انتظر اغلاق الابواب  مؤشرا على عدم مجئ  المزيد من الركاب فانتقل فورا الى الصف الفارغ واحط رحالي هناك لانعم برحلة هانئة واحلام سعيدة.

 

سفرتي الى تشيلي والاكوادور هذه المرة، لم توقظ في اعماقي اي شعور بالتغيير كما كان يحدث ليلة السفر الى اي مدينة أخرى ، فرح ممزوج بقلق،وترقب واحساس لذيذ، فالسفر له لذة وسحر اذا كان اختيارا  على عكس الاسفار الاجبارية، وهكذا المدن التي يدخلها الانسان لاول مرة لها رهبة خاصة اذا كان الوصول في الليل، ويكون الانسان وحيدا بلا صديق، ولم يكن هناك احد ينتظره وهكذا ،وانا في هذه السفرة ثالث ثلاثة ، واذكر باني وصلت ذات صيف بالباص الى امستردام قادما من بروكسل في الليل فشعرت بخوف غريب من كثرة حركة الناس، فاستوقفت شابة جميلة  لأسألها فالجمال يوحي بالامان في غالب الاحيان فسألتها عن اقرب فندق وسالتها ان كانت المدينة آمنة ولا يوجد فيها ما يخيف السائح فأكدت لي بان المدينة اكثر من آمنة ولا احد يعتدي على احد، واذا صادفك احد السكارى او مدمني المخدرات وحاول ان يكلمك فاعراضك عنه يجبره على الانصراف، انها ثقافة البلد.

 

اقول لم اشعر باي شعور لا فرح ولا حزن ليلة السفر الى سانتياغو ولا ادري فقد تنتظرني هناك مفاجآت جميلة، لم اشعر برغبة ولا رهبة ولا اي احساس وحتى في مطار هيثرو المزدحم حيث ارى الطائرات  تتحرك امامي  ما بين مقلعة وهابطة شعرت امام برودة مشاعري باني كعاشق خانته حبيبته او كصب ماتت اليفته فهو في شغل عما يجري رغم ان كل من عرف بان وجهتنا هي تشيلي والاكوادور كان يتعجب ، واذكر بان احدهم صرخ قائلا :واو معقولة امريكا الجنوبية حتة وحدة  ، فقلت له نعم حتة وحدة  ، لاننا لا نسافر وانما نسفّر كما قدّر لنا في الغيب وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس باي ارض تموت.

 

ولا اخفي باني ولكي اخرج من برودة المشاعر بحثت عن مدينة سانتياغو في غوغل واليوتيوب فلم اجد شيئا يثيرني ويحفزني كثيرا ، سوى انها مدينة كباقي المدن وهو ما حدث بالضبط عندما توقفنا في مطار باراخاس في مدريد وهو مطار فاره باذخ قليل الزحمة ، توقفنا هناك لتغيير الطائرة ولكن مدة الانتظار كانت طويلة اي اكثر من عشر ساعات فقررنا نحن الثلاثة ان نخرج في نزهة الى المدينة فاودعنا حقائبنا اليدوية في مكان مخصص للامانات بسعر زهيد واستقلينا باصا ياخذنا الى وسط مدريد وبسعر زهيد ايضا لا يتعدى 2 يورو للشخص الواحد ، فتجولنا في الشوارع المهمة  وسط المدينة فوجدناها لا تختلف كثيرا عن باقي المدن الاوربية  سوى في سحنات الاهالي حيث ان ملامح البشر هنا اقرب الى الملامح الشرقية وقد يكون السبب هو الحكم الاسلامي للاندلس الذي امتد لقرون وقد لا يكون هذا هو السبب.

 

وبسبب هطول المطر بغزارة على حظنا اضطررنا للهرب من المدينة والعودة الى المطار مبكرا بعد ان تناولنا وجبة الغداء في احد المطاعم العربية، الذي كان يقدم الاكل الحلال بموجب شهادة معلقة في الجدار ويقدم الخمر الحرام في آن واحد، وهذا هو الوضع العام وسألنا عامل المطعم المسلم بن المسلم عن اقرب مسجد هناك لاداء الصلاة فقال انه لا يعرف اي مسجد، ولم اجد ضرورة لسؤاله عن علاقة اللحم الحلال بالخمر الحرام  وكيف التوافق بينهما لانه سيقول لي بالحرف الواحد بانه جاء الى هنا لكسب المال وليس لنشر الاسلام.

 

وبالنسبة لكون اللغة الاسبانية هي اللغة الرسمية في اكثر دول امريكا الجنوبية فهو بسبب الاستعمار الاسباني لها لفترات طويلة وتذكرت كيف ان دولا صغيرة مثل بلجيكا وهولندا  والبرتغال وبريطانيا وفرنسا كانت تستعمر اجزاء واسعة من هذا العالم ولا ادري من اين  اتت دولة صغيرة كالبرتغال  مثلا بكل هذه الجيوش لتستعمر البلدان الكبيرة في تلك الاصقاع البعيدة

 

الطائرة الان على وشك الهبوط بعد اكثر من ثلاثة عشر ساعة  من الطيران المستمر ، واعلم باني لم اوف العنوان حقه ولم اصف الطريق الى سانتياغو لاني لم اشاهد شيئا و لم اكن  قرب النافذة ، والرحلة ليلية فلا جبال ولا سهول ولا انهار والمقال ليس لوصف الطريق وانما لوصف المشاعر والحق اني لم اكن امينا جدا في وصف مشاعري الوجدانية بتفاصيلها لان ليس كل ما يعرف يقال.

شاهد أيضاً

طائرات الاحتلال تشن سلسلة غارات على جنوب قطاع غزة

شفا – شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي، الليله، سلسلة غارات على مناطق متفرقة من جنوب قطاع …