6:13 مساءً / 16 يونيو، 2024
آخر الاخبار

طوفان الأقصى والتحديات المصيرية ، بقلم : د . عابد الزريعي

عابد الزريعي
عابد ازريعي

طوفان الأقصى والتحديات المصيرية ، بقلم : د . عابد الزريعي

تشكل معركة طوفان الأقصى حلقة مميزة في سلسلة معارك حركة التحرر الوطني الفلسطينية. ويتمثل المقياس الموضوعي لقياس إنجازات هذه المعركة أو تلك من معارك التحرك الوطني، في ثلاثة أسس، يتعلق أولها بمدى تعزيز تلك المعركة لشرعية المقاومة، وثانيها بمدى تفعيلها للتناقضات في صفوف العدو، وثالثها بمدى تفعيلها للتعارضات بينه وحلفاءه. إن السرد الموضوعي للنتائج المتحققة، على ضوء هذا المقياس، يؤكد أن طوفان الأقصى قد شكل نقلة نوعية في مسار نضال الشعب الفلسطيني، تتحدد ملامحها من خلال ربطها بمعركة سيف القدس التي اختتمت مرحلة الدفاع الاستراتيجي للحركة الوطنية الفلسطينية، تلك المرحلة التي تواصلت على مدى خمسة وسبعين عاما بكل ما فيها من انتصارات وانكسارات وأفراح ودموع وتحدي وصمود، لتأتي معركة الطوفان وتدشن بداية مرحلة التوازن الاستراتيجي في الصراع مع العدو الصهيوني. وهذا ما يفسر كثافة التوقف الفكري والتحليلي من قبل عدد كبير من مراكز البحث الصهيونية أمام معركة سيف القدس، والانقضاض العسكري في محاولة لإجهاض النتائج الاستراتيجية لطوفان الأقصى قبل أن تترسخ، وتبدأ في إنتاج مفاعيلها. أما على المستوى السياسي فقد جرت عديد المحاولات وقدمت المشاريع والأطروحات، في العلن والسر، من أجل تحويل مسار الطوفان إلى اتجاه عكسي، نتناول في هذه المقال تلك المشاريع ـــ التحديات، والمهام اللازمة لمواجهتها ودحرها في عنوانين:

أولا: التحديات السياسية
على الرغم من تعدد صيغ هذه المشاريع، سواء اتخذت طابع الطرح الرسمي، أو كانت مجرد اقتراحات وتصورات عابرة، إلا أنه يمكن إدراجها في أربعة عناوين هي:

أولا: التفتيت والتشتيت ـــ الديمغرافي

ويتمثل أولا في تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة ــ بشكل كلي ـــ إلى شبه جزيرة سيناء المصرية، وإيجاد حياة طبيعية لهم في دول أخرى، وذلك بالتعاون مع المجتمع الدولي ودول عربية مجاورة. وتتلخص آليات التنفيذ في الإبادة الجماعية وتدمير الملاذ الإنساني لإجبار الناس على الهجرة تحت الضغط العسكري، وتوسيع السيطرة الأمنية الاسرائيلية على غزة بعد الحرب. وتقديم الاغراءات لبعض الأطراف الإقليمية للانخراط في المشروع، ومنها التلويح ل مصر بإلغاء ديونها وفتح الباب أمامها للاستفادة من غاز غزة، وللسعودية، باستغلال سكان غزة كعمالة. ومحاولة الحصول على دعم دولي:” على أساس أنه حل صحيح وعادل وأخلاقي وإنساني”. ويتلخص الهدف من ذلك في التخلص من بيئة سكانية كثيفة ومستعدة للمقاومة. وتغيير تركيبة سكان غزة بشكل دائم. وإعادة مستوطني المناطق الحدودية و(كتلة) غوش قطيف”. وبناء مجمعات سكنيةـ مما سيعطي زخما للاستيطان في النقب. وثانيا بشكل جزئي يتمثل في إفراغ شمال قطاع غزة من السكان، وطرح فكرة ترحيل المقاومين. ومن الجلي أن هذا المشروع يفتقر لأي غطاء دولي أو إقليمي. فقد عارضت امريكا تهجير الفلسطينيين، أو إعادة توطينهم خارج غزة بوصفها أرض فلسطينية”. وكذلك رفضته المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان. كما رفضته كل من مصر والسعودية. ونفت كل من (الكونغو ــ رواندا ــ تشاد) انخراطها في مباحثات بهذا الشأن، وذلك ردا على ما روجت له اسرائيل بأنها تجري مباحثات مع هذه الدول لاستقبال أبناء قطاع غزة.

ثانيا: التوكيل الإداري

وهي جملة المشاريع التي تتحدث عن إدارة قطاع غزة بعد انتهاء العدوان، والقائمة على فرضية هزيمة المقاومة عسكريا. وتتلخص هذه المشاريع أولا في التوكيل العشائري، وذلك بتقسيم القطاع إلى مناطق إدارية، تديرها العشائر لفترة مؤقتة. وثانيا في تشكيل إدارة انتقالية من التكنوقراط في قطاع غزة لمدة عامين تكون مدعومة من الأمم المتحدة وقوات عربية. وثالثا في التوكيل الشخصي، ذلك أن الإمارات تؤيد تولي دحلان إدارة قطاع غزة ما بعد الحرب. ورابعا في توكيل السلطة الفلسطينية، وهي الصيغة التي تطرحها أمريكا وتناقشها مع قوى غربية، بعد اجراء تغييرات في بنيتها لتكون قادرة على تولي المسؤولية، بينما يرفض نتنياهو أي دور للسلطة في قطاع غزة، إلا بعد إجراء تغييرا جوهريا يتبدى في إثبات وجودها في الضفة. وقد عبر رئيس وزراء السلطة عن موقفها من هذه الأطروحات بالقول: “إن السلطة الفلسطينية لن تعود إلى حكم قطاع غزة على ظهر الدبابات”. وخامسا التوكيل الدولي والإقليمي بصيغ متعددة منها نشر قوة متعددة الجنسيات تضم قوات أميركية. أو وضع غزة تحت إشراف الأمم المتحدة بشكل مؤقت. أو تشكيل تحالف دولي بالتعاون مع الأمم المتحدة يتولّى تأمين غزة. او توكيل مختلط محلي واقليمي ودولي يضم أربعة أطراف: قوة متعددة الجنسيات (بقيادة الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا والدول العربية المعتدلة، ومصر واسرائيل، وهيئة إدارة مدنية فلسطينية، (وتتكون من لجان محلية وأحزاب غير معادية لإسرائيل.) إلى أن تتمكن السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بهذا الدور. وفي تقاطع مع تلك التصورات كشف وزير الخارجية الأميركي عن اتفاق 4 دول عربية « قطر ، الإمارات، السعودية، الأردن» بالإضافة إلى تركيا، على البدء في التخطيط لإعادة إعمار غزة وإدارتها بمجرد انتهاء الحرب.

ثالثا: السيطرة الإسرائيلية

وتتمثل في إقامة منطقة أمنية على محيط غزة، يسمح لإسرائيل بالهيمنة الأمنية وحرية العمل العسكري بدون قيود. وعلى هذه الأرضية حاولت إقناع مصر بالتعاون معها من أجل السيطرة على محور صلاح الدين “فيلاديلفيا” ومعبر رفح. وفي هذا السياق برزت تباينات في الموقف الاسرائيلي بين وزير المالية الذي يقول: “لتحقيق الأمن، علينا السيطرة على القطاع. وللسيطرة على المدى الطويل، نحن بحاجة إلى وجود مدني”. بينما يقول وزير الدفاع “لن يكون هناك وجود مدني إسرائيلي في قطاع غزة بعد تحقيق أهداف الحرب”.

رابعا: إنهاء الاونروا، ويتبدى في المحاولة الاسرائيلية لإخراج وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من قطاع غزة. حيث اتهمتا بإدامة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، من خلال توسيع وضع اللاجئ ليشمل أحفاد الفلسطينيين الذين هجرتهم عام 1948. كما اتهمتها بتمجيد الإرهاب في مساقاتها الدراسية، وأن خريجي مدارس الأونروا شاركوا في الهجمات ضد “المدنيين الإسرائيليين فضلا عن وجود محتوى معاد للسامية والجهاد في الكتب المدرسية”. وتتمثل آليات الوصول لهذه الغاية في اتهام الاونروا بالتعاون مع حركة حماس . وتقليص عمليات الأونروا في القطاع، ثم نقل كل مهام الأونروا إلى الهيئة التي ستحكم غزة بعد انتهاء الحرب”. ومن الجلي أن الحافز الكامن خلف ذلك هو محاولة طمس قضية اللاجئين الفلسطينيين التي تشكل الوكالة أحد رموزها، وبالنتيجة استهداف حق العودة للشعب الفلسطيني.

ثانيا: تقاطع المشاريع وتحديد المهام:

المسألة الأساسية التي يجب الانتباه إليها في قراءة المشاريع المطروحة هي أنها جميعا تتعلق باليوم الثاني للحرب. وجميعها تتقاطع عند هدف واحد، وهو إجهاض انتصار المقاومة وتحويلة إلى هزيمة سياسية ساحقة، وذلك بغض النظر عن التباينات في المواقف والمسافة التي يتخذها كل طرف من هذا المشروع أو ذاك. وتتحدد الأهداف التي يراد من خلال تحقيقها إجهاض نتائج طوفان الأقصى في ثلاثة:

انهاء ظاهرة المقاومة المسلحة في قطاع غزة. بتفكيك بنيتها، وتحويل القطاع الى بيئة متناقضة معها وطاردة لها، إلى حد أن نتنياهو يطالب ب ” استئصال التطرف في المدارس والجوامع وتحويل المجتمع المدني الفلسطيني وتوظيفه في دعم مكافحة الإرهاب”.


التهجير (الطوعي) طويل المدى لأكبر عدد ممكن من أبناء قطاع غزة، كصيغة مختلفة عن التهجير (القسري) بما تستدرجه من ردود أفعال. وكان من اللافت تصريح لأبو الغيط الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية قال فيه: “التهجير معركة طويلة وتحتاج إلى تضامن عربي لإحباط المخططات التي تحاك ضد الشعب الفلسطيني والدول العربية”.
دفع القضية الفلسطينية في مسارب سياسية مجهولة تقود إلى تصفيتها عبر مدخل “العمل على تحقيق السلام والأمن والاستقرار على المدى الطويل في المنطقة ككل”.
إن التقدم في محاولة تحويل الانتصار العسكري للمقاومة إلى هزيمة سياسية، تستند إلى تحويل ما خلفه العدوان من دمار على المستوى الإنساني إلى ثغرة دفرسوار جديدة. وذلك بإشهار ملف إعادة الإعمار كأداة ضغط. بما يعنيه ذلك من منع البنية السكانية من إعادة التموضع، واستمرار (هجرتها الداخلية) مع محاولة الاشتغال على خلق التعارضات بينها وبين المقاومة من ناحية، وتكثيف استعدادها للهجرة (الطوعية) من ناحية ثانية. كما تستند ثانيا إلى العمل على جر أطراف إقليمية للانخراط أكثر في العمل من أجل تحقيق ذلك الهدف عن طريق تقديم الاغراءات لمصر (الاقتصاد وسد النهضة) وفي هذا السياق استشعر بعض النواب المصريين الخطر من إقرار مجلس النواب المصري تعديلا قانونيا يتيح للمستثمرين الأجانب تملك الأراضي الصحراوية، وقالوا إن القانون يشكل تهديدا للأمن القومي. خاصة أن ما يزيد على 90 بالمئة من مساحة مصر هي أراض صحراوية، والمناطق الحدودية (ومنها سيناء). وكذلك سعي اسرائيل المحموم والمستمر للسيطرة على ممر صلاح الدين. وفي هذا السياق تتبدى العلاقة بين ملف إعادة الإعمار، وتشديد الحصار على قطاع غزة، حيث يصبح التكيف مع الشروط المواكبة للملف ممرا اجباريا لمعالجة الدمار الذي خلفه العدوان، وفي حال رفض المقاومة لذلك، وتوفير مصادر تمويل بديلة ـــ وهي ممكنة ـــ فإن الحصار وإغلاق المعابر سيمنع عليها الاستفادة من هذه المصادر، وبالنتيجة تجد نفسها في مواجهة مع حاضنتها الشعبية، ولن تعدم القوى المعادية الوسيلة لحقن بعض أطرافها ودفعها في وجه المقاومة. وفي مواجهة هذه التحديات هناك مجموعة من المهام الضرورية والملحة وهي:

الوحدة الوطنية: وحدة القوى الوطنية المقاومة بوصفها القاعدة الصلبة التي تضمن الالتفاف الجماهيري من حولها على قاعدة وضوح الموقف السياسي المنسجم مع الحقوق الوطنية الفلسطينية.
الصمود العسكري: الاستمرار في المقاومة بذات النسق المتنامي من ناحية، واقتصاد جزء من القوى (احتياط) تكون جاهزة ومستعدة للتعامل مع مفاجئات ما بعد وقف إطلاق النار.
الصمود الإداري: تعزيز الجهاز الإداري لمرحلة ما بعد الحرب ودعمه بلجان شعبية تطوعية لتقديم الخدمات وضبط أية انفلات.


التنسيق مع حركات التضامن الدولية من أجل ضمان ديمومة حراكها، وتوحيد شعارها في هذه المرحلة تحت عنوان ” وقف العدوان ـــ وقف إطلاق النار”.
التنسيق بين حركات التضامن العربي وتوحيد شعارها وهدفها تحت عنوان ” فتح معبر رفح”. الذي بات يمثل عقبا أخيل المقاومة، والقيام بمختلف الأنشطة التي تؤمن تحقيق هذا الهدف، ذلك أن استمرار فتح المعبر، يعني ضمان توفير لوازم صمود ما بعد الحرب، خاصة تلك المتعلقة بإعادة الإعمار، وعبر مصادر ــ ممكنة ــ خارج إطار الاشتراطات التي سيتم وضعها بهدف تحقيق الاهداف المناقضة لمصالح الشعب الفلسطيني.
إن زحمة المشاريع المطروحة تؤكد في جانب منها على حجم الانجاز الذي تحقق من خلال طوفان الأقصى، لذلك جاءت محاولات الإجهاض متعددة وكثيرة، الأمر الذي يجعل من الصمود على الأرض حجر الزاوية في دحر كل هذه المشاريع.

شاهد أيضاً

" وكالة شفا " تهنئ شعبنا الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية بمناسبة عيد الأضحى المبارك

” وكالة شفا ” تهنئ شعبنا الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية بمناسبة عيد الأضحى المبارك

شفا – تتقدم إدارة شبكة فلسطين للأنباء شفا وكافة العاملين بها، بأسمى آيات التهاني والتبريكات …