4:49 مساءً / 15 يونيو، 2024
آخر الاخبار

خاص : اطلالة على واقع الصحة النفسيّة للأطفال الفلسطينيين في ظل الجائحات المتتابعة

تقرير شفا : اطلالة على واقع الصحة النفسيّة للأطفال الفلسطينيين في ظل الجائحات المتتابعة

شفا – خاص – معروف أن أسرع مرحلة لنمو جسم الإنسان، هي الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب.

يجيء اهتمام هذا التقرير البحثي بمرحلة الطفولة، مع التركيز على الدور الأكبر للأسرة والبيئة في التأثر والتأثير الذي يلي ذلك وتدخل المدرسة في عملية التنشئة، والأهم ضرورة الاهتمام بالصحة النفسيّة للطفل بشكل خاص.

وفق تعريف المادة الأولى لاتفاقية الطفل العالمية لسنة 1990، فان الطفل هو كل انسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره.

لو قدّر لنا أن نصف حياة الطفل الفلسطيني بكلمات موجزة ،لقلنا هي : دمع ، دماء ،جراح ، اّلام وتحدي ، اذ على مدى ما يزيد من قرن وفلسطين تعاني من ويلات الحروب والجائحات المتتابعة والتي لم تتوقف، اضافة الى مسلسل التشريد متنوع الأوجه والأشكال ( انظر : Abdallah ,Ghassan: dispossessing and its Psycho reflections) عبر فترات زمنية مختلفة ،دون أن تخمد،اذ ما أن تهدأ قليلا حتى تعود للاشتعال من جديد.

يتأثر الشخص، وبشكل مباشر وكبير بما يجري من حوله ، خاصة اذا ما تعرض الى فقدان قريب أو خسارة اجتماعية – اقتصادية ( تدمير بيت ،مدرسة ،مستشفى ،مصلحة تجارية..)


يبقى الأطفال ، وبغض النظر عن الجنس ، أكثر عرضة للتأثر سلبا من اّثار الأحداث الصادمة هذه ،لا سيما الفئة التي تعاني من اضطرابات عاطفية أو اجتماعية ، الأمر الذي يستوجب تقديم خدمات رعاية لهم أكثر، وعليه يخطئ من يعتقد بأن الأطفال الصغار لا يدركون ما يدور حولهم من أحداث مهما تنوعت أشكالها ومصادرها ، وما تعلق الأطفال، حديثا، بوسائل التواصل الاجتماعي وميلهم/ ميلهن نحو التمثيل والتقمص ،الا خير دليل على قدرتهم هذه، اضافة الى التغيرات الملحوظة على سلوكهم/ سلوكهن : البكاء، عدم التركيز وعدم القدرة على اثراء مخزونهم اللغوي والمهاراتي، عسر في فهم المقروء، اضطرابات في الأكل والنوم، ردود فعل عدوانية ، دوام الميل الى التجنب ( (avoidance والانسحاب (withdrawal) من المواقف التي تتطلب جهدا خاصا ونوعيا، استخدام ردود فعل معبّرة عن تأثير الصدمة عليه /عليها : صراخ (yelling ) متواصل ، الميل الى تكرار استخدام اللون الأحمر ، تحطيم الألعاب، دوام القلق الزائد( over-tensioned) والتفكير المفرط ( over thinking ) في أحداث سلبية قد تحدث مستقبلا له / للعائلة ، مما نسميه متلازمة الخوف ( fear syndrome) .

الحقبة الزمنية لهذه الاطلالة

يحاول الباحث حصر هذه االاطلالة في حقبتي جائحة كورونا و الاجتياحات والحروب المتواصلة على الشعب الفلسطيني المحتل في الضفة الغربية (بما فيها القدس ) وغزة ، وذلك نظرا للتواصل الجغرافي والاجتماعي بينهما ولاستحالة الخوض في هذا المضمار، دون التطرق وباستفاضة الى أثر ما يتعرض له الطفل من القوة المفرطة والمميتة أحيانا التي تستخدمها قوات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين خلال اقتحاماتها المتواصلة للمناطق الفلسطينية أو لدى الاعتقال ، والتي تتأتى انعكاساتها في أشكال عديدة اضطرابات سلوكية متنوعة: توتر، قلق دائم … كما سيتضح لاحقا ، مما يظهر في سلوكهم وتفكيرهم وتحصيلهم الدراسي( كما سيتضح لاحقا) .

في ظل ظروف العنف والحروب يتوجب الانتباه والعناية بالذات والأطفال، اذ وفق ما ورد في تقرير البنك الدولي حول الحالة النفسيّة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال العام 2022، شملت عينه من 5876 فلسطيني، وفق نتائج الدراسة 58% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يعانون من أعراض اكتئاب depression ، ومما جاء فيها أن 7% يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة PTSD.

في ظل تفاقم ويلات العنف والعدوان، يتعرض الجميع ،بغض النظر عن الجنس ، العمر أو الفئة الاجتماعية الى ضغوطات نفسية تقود الى اضطرابات سلوكية في كل مناحي الحياة اليومية ، الأمر الذي قد يوجد فرصة بل وتربة خصبة الى تفشي اّثار الصدمة / الصدمات النفسيّة Post Traumatic events .


الأمر الذي يستدي تقديم المساعدة لهؤلاء الأطفال مع ملاحظة أن بعض الأشخاص قد يحتاجون الى مساعدة وتدخلات أكثر من غيرهم للتخفيف من حدة اّثار هذه الصدمات على طريق الشفاء التام ان أمكن.

من أهم أعراض التأثر بآثار الصدمات النفسيّة

في فترات الجائحات ومتلازمة الحروب والاجتياحات “.. التي عزّزت واقع المرض النفسي

ليس الهدف هنا فقط تناول مفهوم الصحة النفسيّة بشكل عام وفي المجتمع الفلسطيني بشكل خاص ، أو العوامل التي تؤثر فيها ، سمات سيكولوجية سلوكية تظهر على من يعانون سلبا جرّاء تعرضهم لأحداث تسبب ذلك ، بل وأيضا سنبذل الجهد لطرح واقتراح ميكانزمات الدفاع و الاشفاء.

نقصد بالصحة النفسية هنا :حالة دائمة نسبيا يكون الانسان فيها متوافق/غير متوافق نفسيا ، انفعاليا واجتماعيا مع ذاته وبيئته وبالتالي مع الاّخرين ، مما يؤثر سلبا/ايجابا لتحقيق مبتغاه من الحياة ومواجهة متطلباتها وتحدياتها ، مما يولد لديه مشاعر حيال ذاته وحيال الاّخرين.


يعيش الأطفال ، كغيرهم ، خلال هذه الفترات، اضطرابات سيكولوجية متنوعة نظرا، لما يتعرضون اليه من انتهاكات متنوعة : استخدامهم كدروع بشرية، واحتجاز آخرين لساعات طويلة في منازلهم واستخدامها كثكنات عسكرية ونقاط قنص ومراقبة، خلال اقتحامات القرى والمدن ومخيمات اللاجئين ، الأمر الذي يؤثّر على الأطفال بشكل كبير.

لتدعيم قولنا هذا نستعرض بعض مما روته عينة من الأطفال لفريق الصحة النفسيّة في مؤسسة الدراسات والتطبيقات التربوية CARE والتي يشغل الباحث مديرا لها بشكل تطوعي :


⦁ أفاد باسل (14 سنة) الى فريق العمل: لدى ذهابي صباح أمس الى المدرسة قام جيش الاحتلال بإطلاق النار من جميع الجهات، هربت من المكان، بعدها علمت بأن الطالب الذي يجلس بجانبي قد استشهد .
⦁ أفصح الطفل علي (11عاما من مدرسة الوكالة في مخيم جنين ): ” صار دخول الجيش للمخيم شيء عادي، كل يوم والثاني يدخل في أي وقت، لذا قررت البقاء في المنزل حتى لا أصاب وأموت أو يتم اعتقالي ، صرت أخاف من اقتحام الجيش ، قبل كنت أخرج وألعب مع أصدقائي في أزقة المخيم كونه لا يوجد مكان اّخر نلعب به ، اليوم صار الخروج خطر على حياتي .
⦁ الطفلة رمزية (7 سنوات ): ” كل ما يدخل الجيش الاسرائيلي يكون هناك طخ نار وشهداء وهدم بيوت وجرف شوارع، أكثر من مرة الرصاص خزق جدران منزلنا، أنا خايفة كثير يقتلونا واحنا نايمين ، عشان هيك لا أستطيع النوم بشكل طبيعي ،
⦁ “ربى” طالبة في مدرسة البنات التابعة للمخيم ( 12 سنة) امتلأ المخيم بصور وأسماء الشهداء، يتقطع قلبي حزن وأنا أشاهد القتلى في التلفزيون، صرت أكره رؤية او السماع عن اجتياح أو قصف
كما نرى ، تتنوع أشكال قمع الاحتلال الاسرائيلي للأطفال الفلسطينيين في حالاتها وأشكالها : منع التجول لساعات وأحيانا أيام، اغلاق مناطق السكن باعتبارها مناطق أمنية، مداهمات ليلية،، تعرض الأطفال الى استنشاق قنابل الغاز في المظاهرات ضد الاحتلال وممارساته القمعية، التعرض للضرب الشخصي أو مشاهدة ضرب الاّخرين ، التعرض الشخصي للإصابات أو تعرض الأقرباء- الأقران لذلك ، الاحتجاز على الحواجز العسكرية لفترات طويلة، السجن والتعذيب أثناء التحقيق، هدم المنازل الخاصة بعائلاتهم، الابعاد عن أماكن سكناهم، وعائلاتهم، الحرمان من التعليم ، ناهيك عن حالات الفقر المدقع التي يعيشونها جرّاء البطالة المنتشرة لأسباب عديدة، عدم الرغبة للذهاب الى الروضة/ المدرسة، معاناة متواصلة من كوابيس ليلية بسبب كبت مشاعر الخوف من المجهول ، اثر معايشتهم لأحداث مرعبة جرت اما معهم أو بالقرب منهم ، تعود وتظهر من جديد كلما قفز الى مخيلة الطفل، دوام الشعور بالقلق وتقلب المزاج والاستياء والتذمر من كل صغيرة أو كبيرة ،التصرف بشكل مغاير حيال الأمور الحياتية، مقارنة مع ما كان/ت عليه قبل وقوع الحدث ،
أما بخصوص البالغين / البالغات ( الوالدين ، الأخوة ،مقدمي خدمات الرعاية……) فتظهر لديهن /لديهم اضطرابات في العمل بكل أنماطه ،اضافة الى اضطرابات في العلاقات الاجتماعية ،مما يدفع البعض الى تناول العقاقير والأدوية / المشروبات للتخفيف من حدة هذه الاّثار ،أو الشعور بالإحباط أو دوام الحذر المفرط ،جرّاء استرجاع مواقف سابقة مثيلةreminders)) مما تعمل على تجدد / تفاقم المخاوف ،الحزن – الكرب ، عدم القدرة على مساعدة ذاته أو الاّخرين ، ناهيك عن حالات الغضب المتقّد والاضطراب العاطفي لدرجة الشعور بالخدران وتوالي الأحلام المزعجة والأشباح .


من أبرز الشواهد التي تذكر الأطفال والبالغين بما حصل (reminders ) رؤية جندي ، جنازة شهيد، ، سيارة اسعاف ، سيارة موتى ، مشاهدة منظر تنكيل في التلفاز، سماع انفجارات أو السماع عن حالات قصف. .
يعتقد الباحث ،أنه لا توجد حدود فاصلة بين الفئات التي تشعر بذلك، سواء كانت الضحيّة أو العائلة المنكوبة، مقدّمي خدمات الرعاية الصحية والنفسيّة ، المتطوعون/ المتطوعات في الميدان ، الاعلاميون والاعلاميات ،سكان البلد قاطبة أو حتى العالم برمته ،كونه أصبح مجتمعا صغيرا.


ولتأكيد نيّة الاحتلال في استهداف الأطفال، وبشتى الوسائل المتاحة، يكفيني هنا ذكر ما نشره موقع قدس كوم لتابع لصحيفة القدس المقدسية (21/10/2023) أن حوالي 70% من مجموع الشهداء في الحرب الأخيرة( 7/10/2023) على غزة هم من الأطفال.


لذا يستوجب دوما وحالا تقديم الاسعافات النفسيّة الأولية(first –aid mental health) ، سواء عن طريق فريق مهني مختص، أو الأهل أو الأصدقاء ،وذلك للتخفيف للتخفيف من حدة اّثار الصدمات النفسيّة هذه.


خطوات اسعاف أولي في مجال الصحة النفسية للبدء بها


يتطلب من الشخص التي/ الذي يعاني من مثل هذه الاّثار المذكورة أعلاه:


⦁ التحدث والتعبير (تفريغ vent ) عن مشاعره /مشاعرها حالة وجود من يصغي اليه/ اليها
⦁ تخصيص وقت كاف للبقاء مع أشخاص ثقة يمكنهم تقديم الدعم المنشودد ( من داخل العائلة أو خارجها)
⦁ الابتعاد كليا عن عزل الذات عن البيئة الاجتماعية المحيطة ، مع ضرورة تجنب الاحتكاك والتعامل مع ذوي الطاقة السلبيّة وكثيري الأنين والتذمر /ن ذوي النظارات السوداء
⦁ محاولة العمل على تغير النظام والروتين اليومي
⦁ ضرورة تناول المأكولات والمشروبات الصحية مع ممارسة الرياضة الجسمانية والروحية
⦁ الحرص على منح الذات قسطا من الراحة الجسدية وبالتحديد النوم ، للتخلص من أقصى حالات الاعياء والضغوطات ومصادرها ( عدم دوام مشاهدة التلفاز ،والاستعاضة عن ذلك بمطالعة مواضيع اجتماعية وفنيّة مختلفة التوجهات )
⦁ لا تبخل في الرعاية الصحيّة والنفسيّة لذاتك من منطلق ” لنفسك عليك حق ولأهلك عليك حق ولجسدك عليك حق”
⦁ بإمكان البالغين( أولياء أمور ، هيئات تدريسية وادارية ، مقدّمي خدمات الرعاية عمل ما يلي :
⦁ الاصغاء النشط لمن يقصدهم الضحيّة حين يلجأ لطلب المساعدة، مع التأكيد على أنك لن تبخل عليه /ها في تقديم ما يمكنك تقديمه من مساعدة له/لها ،مع عدم تقديم وعودات يصعب تحقيقها ،ولا نكون مفرطين في الخيال والتـأمل لدرجة المثالية ، لا سيما في ظل الاحساس الفردي والجمعي بفقدان أهم مصدر للأمان الشخصي ( العائلة ودورها ، المكان الاّمن safe – place).
⦁ دع المتوجه لك ،يشعر باهتمامك به/بها وبأهمية ما يفصح عنه لك من مشاعر ومخاوف
⦁ الحرص على توظيف الدقة في الملاحظة أثناء العمل مع الضحيّة / الضحايا
⦁ تجنب عرض /سرد مواقف مرعبة تشكل له مصدرا لاستذكار تجارب (reminders)
⦁ اللجوء الى البساطة والسلاسة والتواضع في الحديث والعمل مع من لجأ/ت اليك ،وبدون مبالغة منك ، مع دوام التركيز على ما يسعون اليه من أهداف : الطمأنينة والأمن لهم ولعائلاتهم/نا ، أترابهم/ن،مع دوام تكرار بحتمية انجاز الأمل.

في فترات جائحة كورونا ومتلازمة الحروب والاجتياحات “.. التي عزّزت واقع المرض النفسي
يتناول هذا الجزء من الدراسة مفهوم الصحة النفسيّة بشكل عام وفي المجتمع الفلسطيني بشكل خاص ، العوامل التي تؤثر فيها ، سمات سيكولوجية سلوكية تظهر على من يعانون سلبا جرّاء تعرضهم لأحداث تسبب ذلك ، وسنبذل الجهد لطرح واقتراح ميكانزمات الدفاع و الاشفاء .


كما بينّا اّنفا هناك عوامل عديدة أثرت ولا تزال تؤثر في ذلك منها :


⦁ الأجواء الأسرية وطبيعة الروابط الاجتماعية القائمة نمط الثقافة السائدة ، خاصة نوعية وأنماط الألقاب والصفات المستخدمة (stigma) في وصف الحالات غير الطبيعية التي قد تصيب الفرد، مع ضرورة التفريق بين المطلق والنسبي عند وصف الصحة النفسية لانسان ما.

تسهم مثل هذه الأوضاع في بلورة شخصية الانسان ومواقفه حيال ذاته والاّخرين ، من حيث منسوب ثقته بذاته وبغيره، علاقات ايجابية مع ذات ومع من حوله،مدى الشعور بالمسؤولية نحو ذاته والاّخرين ، مدى استعداده لمواجهة تحديات ومتطلبات الحياة والتخطيط لها سواء ضمن الأسرة ( family) كمجتمع صغير أو مع المجتمع الأكبر (community ) وعليه يمكننا تصور مقومات أساسية للصحة النفسية كما يلي، والتزاما منا بالقواعد المعهودة عند الحديث عن الصحة النفسيّة، والتي أهمها ( أنظر الشكل ادناه) :

ونضع دوما نصب أعيننا ، ضرورة الالتزام هنا بالقواعد المعهودة عند الحديث عن الصحة النفسية والتي لذا لذا يتوجب التركيز على أهمية التوازن بين التطور والتكيف ( development & adjustment ).

يقصد بالتطور هنا التغيرات التكوينية الحاصلة في البناء الجسماني و علاقتها بالتغيرات الخارجية . يقصد بالتكيف العملية الديناميكية المتواصلة التي يقوم بها الانسان لإيجاد موائمة وتوافقا بينه وبين بيئته.


هناك عدة أساليب للتعامل مع كلتا الحالتين:


يكون هذا من خلال توظيف بعض من الميكانزمات الدفاعية التالية وذلك اما من خلال الاسقاط projection أو التسامي – الاعلاء(sublimation )أو النكوص (regression ) أو الابدال (displacement)، أو الكبت (repression) أو الانكار(denial ) أو التبرير(rationalization ) أو التكوين- العكسي(reaction-formation )، وبما أن موضوعنا هنا يتمحور حول الطفل الفلسطيني مع سعينا لعرض مقترحات عملية لمساعدة الطفل ، ذويه والمدرسة ، نرتأى ضرورة الابتعاد عن الخوض بالتفصيل في الجوانب النظرية للموضوع ، رغم أهمية وعي مقدّم الخدمة ( care-giver ) للجانب النظري .

بادر الباحث ومن خلال مؤسسة CARE، مركز الدراسات والتطبيقات التربوية – القدس ، الى اصدار دليل تربوي عملي لمواجهة انعكاسات جائحة كورونا على الصحة النفسية للعائلات نحو التقليل من منسوب العنف العائلي باستخدام طرق عملية سهلة قابلة للتطبيق مع الاشارة الى مصادر معلومات مختلفة، سبقه دليل تربوي للتدريب في مجال الاشفاء من اّثار ما بعد الصدمة (PTSD( عام 2003 .


وفي محاولة من مؤسسة CARE لتعميم ثقافة الصحة النفسية في المجتمع الفلسطيني والانعتاق من المفاهيم والرؤى التقليدية نحو البدء في مأسسة ومهننة العمل في مجال الصحة النفسيّة، تم عقد ورضة عمل متخصصة حول واقع الصحة النفسية في المجتمع الفلسطيني ( قاعة بلدية البيرة 2018) وبمشاركة نخبة من العاملين المهنيين في حقل الصحة النفسية ، ناهيك عن الانضمام الى مؤسسات دولية رائدة في الحقل ، منها على سبيل المثال لا الحصر ( WAIMH :World Allaince of Infant Mental Health ) والتي مقرها فلندا عام 2014 ، والجمعية البريطانية للصدمات النفسيّة 2016 والاتحاد الدولي لجمعيات التوحد – ايطاليا ، عام 2017 ، والشبكة العربية للعلوم النفسانية الاسلامية (من خلال النشر وتلقي المعلومات عبر الشبكة العنكبوتية منذ 2019 وكذلك بناء برامج عمل وشراكة متكافئة مع عدة جامعات عالمية ( داندي وAberdeen، و UMASS ( مما فتح المجال أمام طاقم وحدة الصحة النفسيّة في المؤسسة للتدرب واكتساب خبرات عالمية، اضافة الى التشبيك مع عدة مؤسسات مهنية فاعلة في المجال ، ونشر الدراسات والمقالات والمسوحات العديدة .

العلاقة الوطيدة بين الأمن النفسي للطفل والقدرة على تعزيز القيم والأخلاق


تأتي هذه الرؤية التي تبنى على أسس عقائدية” ولتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر …” اّل عمران :104، وسيكو تربوية ، كما سنبيّن لاحقا ، نظرا للأوضاع الحياتية الصعبة التي تعيشها البشرية جمعاء في كوكبنا المضطّرب ، وفي كافة المجالات بشكل عام ، وواقعنا الذي يفتقد الى العديد من مقومات الحياة الكريمة ، جراء الواقع السياسي المزري ، وانعكاس هذا الوضع السياسي السلبي عل جميع مكونات الحياة وبالتحديد عملية تطور الطفل في بيئة تعسة .
حتما تكون النتيجة الحتمية لمثل هذه الأوضاع تفشي الكثير من الأمراض العقلية والنفسيّة ، يلازمها النقص الحاد في الخدمات والامكانيات اللازمة للتخفيف من حدة الاضطرابات النفسيّة والادراكية والسلوكيةمثل: القلق ، الاكتئاب ، الوسواس القهري .


ماّلات قد لا يحمد عقباها مستقبلا :


من خلال توظيف المنهج الاستقرائي التحليلي لبعض ما ورد في كتاب الله القراّن الكريم من بصائر للناس وهدى ورحمة في معاش الانسان صلاحا واستقامة وصوابا ، ومقارنة ذلك بدوام تردي الواقع لانتشار الأمراض النفسيّة والعقلية ، مما ساهم في انخفاض منسوب القيم والأخلاق ،وما ورد في الكتاب المقدّس ” انجيل لوقا” ملاك الرب حال حول خائفيه، وينجيهم ،ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب ،طوبى للرجل المتوكل عليه” و” أولئك صرخوا والرب يسمع ومن كل شدائدهم أنقذهم “و ” قريب هو الرب من المنكسري القلوب ويخلص المنسحقي الروح” و”كثيرة هي نكبات الشرير ،أما المتوكل على الرب، فالرحمة تحيط به ” و ” التبع العدل والرحمة يجد حياة حظا وكرامة”.


مما ورد في الكتابين المقدسين القراّن الكريم وانجيل لوقا ، والمراجع الأخر المدونة في نهاية الاطلالة هذه، يتطلع الباحث الى:


⦁ ضرورة لفت النظر ، وبعجالة سريعة الى المؤشرات الخطيرة لهذه الأمراض ، مدركين صعوبة تشخيصها وتحديد نوعها ، عكس الأمراض العضوية( رغم العلاقة بين هذه الأمراض بشقيها ، وذلك لعدة أسباب ، أهمها الثقافة السائدة وقلة الوعي الشعبي حيالها ، اذا لايزال يعتقد الكثيرون بأنه من العيب والمخجل الاقرار بها كونها عار Taboo وتجنبا للوصمة الاجتماعية ، وهناك من يرجعها الى المس الشيطاني والمتمثل في دوام النفي وعدم التصديق ، ،مستندين الى الآية الكريمة ” كالذي يتخبطه الشيطان من المس” ” الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ” الآية 275 سورة البقرة، والآية 41 ” اني مسّني الشيطان بنصب وعذاب” ، سورة ص .


⦁ سنرى أن هناك أنماطا من الأمراض العقلية – الذهان ، وأمراض نفسية – العصاب ، ورغم تنوع أمراض الذهان، الا أنها جميعا تؤدي الى ايجاد حالة من العجز في رعاية المصاب لذاته ، سواء كانت من نوع الذهان العضوي – ضمور في بعض الأنسجة ، مما يؤدي الى حالات انتكاس ويأس وقلق متواصل ..


في حالة الذهان الوظيفي ، يعاني المصاب به من دوام التناقض بين ادراكه والواقع ، حيث تبدأ ملامح الفصام والشعور بالاضطهاد ، لعل أخطرها تلك في مراحل الطفولة مما تقود الى النكوص ودوام الانعزال والتجنب والهوس والذهول مما يؤدي الى البطء التدريجي في انجاز الوظائف المنشودة مثل ، فهم المقروء والتعبير عن المشاعر. ان لم يتم الانتباه الى ذلك والبدء في علاجها فورا، قد تتطور الى حالات من الهستيريا ، الفوبيا ، العته – معتوه ناقص العقل وهي نوع من التخلف أو الجنون – زوال فعالية العقل أو الخبل – انعدام الادراك كليا وهو دون مستوى الجنون ، أو الغفلة والبلاهة – عدم استعمال القوة والطاقة المدركة رغم وجوده أو اختلال عقلي يمنع الفطنة أو البله وهو عكس اليقظة والفطنة.

لا بد من التنويه هنا أن غالبية ما تم ذكره أعلاه يخص البالغين في المجمل العام.
وللحد من تنامي انتشار تلك الأمراض النفسية العقلية ، يتحتم علينا ايلاء فئة الأطفال الاهتمام اللازم ، كما سيلي لاحقا ، كونهم من سيشكلون ويبنون الوطن ، فهم عماده .


لعلّ الأكثر شيوعا في واقعنا الصعب هذا ،هو الوسواس القهري بدرجاته المتفاوتة- بسيط، متوسط ، شديد: دوام التحدث خفية والتعبير عن الدهشة جرّاء دوام تخيل الوهم مما يحدّث اضطرابا نفسيا يظهر على شكل الخوف الدائم وبالتالي ممارسة أفعال شاذّة .


باختصار شديد، يرى الباحث ، أنه مثلما للأمراض العضوية تأثير على اداء المهام الوظيفية للجسد ، هناك تأثيرات في هذا الأمر للأمراض العقلية والنفسية ، مع التركيز على الفرق الكبير في اّليات التشخيص ، اّملين أن تكون جميع هذه الأمراض بمثابة ابتلاءات بدلا من سنة الاستئصالات للبشر التي لحقت بأقوام نوح عاد وثمود ، شعيب ، وفرعون، أو القحط والحرمان أو الطاعون .


يرى الباحث هنا ، ومن باب التذكير :أن أنجع علاج لجميع ما ورد سابقا من أمراض عقلية ونفسية ، يكمن أولا في الاّية الكريمة ” الذي أطعمهم من جوع واّمنهم من خوف ” سورة قريش الآية 4،متناولا الأمن الغذائي ، الصحي ، الاقتصادي والمجتمعي ( من خلال مخاطبتهم كجماعة) ، وبهذا نضمن تأمين الأمن النفسي ، ومن ثم دوام العمل على تعزيز القيم والأخلاق وصدق الانتماء لما لهذا من أثر ايجابي دائم sustainable impact نتيجة بث الطمأنينة وتقبل الذات والاّخر الذي يشاركني ذات المصير ، على أن تبدأ هذه العملية منذ مرحلة الطفولة المبكرة ، ولما لها من انعكاسات ايجابية ملحوظة في مراحل النمو المختلفة (فسيولوجيا ، عاطفيا، نفسيا وعقليا ….).


يجزم الباحث أن التربية الرسميّة وغير الرسميّة هي أنجع وسيلة لتعزيز القيم وبالتالي تمتين المناعة في مجال الأمن النفسي Psychological security وتعزيز المناعة السيكولوجية Psychological Immunity ، والمقصود بالأمن السيكولوجي الشعور بالسلامة والطمأنينة الداخلية والسعادة والانتماء ، كونها جميعا متطلبات أساسية لجميع فئات المجتمع ، كي تعمّ الطمأنينة والاستقرار النفسي حيال جميع النواحي المجتمعية ولو نسبيا ، رغم الاحتلال الجاثم على صدورنا منذ عقود، ما يدعم قولنا هذا ، الآية الكريمة ” والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ” التوبة :71،”ولتكن منكم أمة يدو وقول سيد المرسلين في جزء من حديث صحيح ” ان الحلال بيّن وأن الحرام بين “.


ثمة ايجابية أخرى لرفع منسوب الأمن النفسي ألا وهي القدرة على بناء و توطيد العلاقات الاجتماعية ورفع منسوب تقدير الذات self-esteem وتنمية المهارات الحياتية لإشباع حاجاته وقدرته على التكيف وتنظيم وادارة شؤونه ومواصلة القول الحسن وعمل الخير غير الممنون” فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره” سورة الزلزلة الاّية 7.

يرشح عن كل هذا الشعور بتقبل الاّخر وارتفاع درجة التفاؤل و الرضا عن والاعتماد على الذات وثقته بمن حوله كون هناك تأثير للبيئة الخارجية بكل مكوناتها على الفرد، مما قد يقلّل من حالات القلق والتوتر والتشتت الذاتي .


هنا أقول وبصوت عال أن الروضة ( مرحلة ما قبل المدرسة) اذا ما اتسمت بيئتها بالمناسبة ، تلعب – مرحلة ما قبل المدرسة – دورا نوعيا كونها الخطوة الأولى عند بناء خريطة لطرح والعمل على تعزيز القيم المنشودة ، من خلال النظام التربوي المطبّق الذي يجب أن يحرص دوما على مواكبة كافة المستجدات اللازمة ، بعد الأسرة طبعا ، في عملية التنشئة وتوجيه الطفل نحو قيم هي أساس في تمتين المناعة ، بكل أنماطها ، لدى الطفل . من هذه القيم التي يجب التركيز عليه قيم المواطنة والهوية الوطنية، المقصود بها مجموعة القيم والعادات واللغة والدين والتاريخ المشترك ، الشراكة المسؤولة نحو ذاته ومجتمعه ، تقبل الاّخر من بني جلدته وعقيدته ، قيم المساواة والاختلاف(التعددية ) .

ان جميع هذه القيم المنشودة هي المقدمة الأولى لتعزيز الأمن النفسي للطفل مثلما هي أساس لترسيخ مقومات السلم الأهلي ، كونها تعمل على تعزيز مهارات التفاعل مع الذات ومع الاّخرين ، مما ينّمي مهارات الحوار والاحترام ونيل المعرفة اللازمة.


اقتراحات عملية لإنجاز ما ورد أعلاه:


⦁ يتوجب توفير الفرص اللازمة للتعرف على جغرافية وواقع الوطن ومصادره الطبيعية، وعلاقاته الاقليمية مع التركيز على القيم الحميدة السائدة التي من شأنها رفع منسوب التعاضد والتكافل والتطوع لدى الطفل، من خلال تعزيز التربية السياحية .
⦁ تدريب الطفل واطلاعه على حقوقه وواجباته كعنصر فاعل مستقبلا في مجتمعه وتعزيز الوعي الثقافي الجمعي لديه بخصوص الولاء وصدق الانتماء ، وبهذا يتعزز أيضا الأمن الفكري الايجابي .
⦁ ايلاء الاعلام الرسمي وغير الرسمي( المسموع ، المرئي والمقروء)اهتماما خاص للمساهمة في تأدية هذه الرسالة من خلال الحث على تبني قيم احترام النظام والتعاون والحد من التأثيرات السلبية للعولمة ووسائل التواصل الاجتماعي ، كمتطلب أساس لتعزيز الأمن النفسي
⦁ توفير الفعاليات والأنشطة من خلال نظام تربوي من شأنه أن يتيح فرصا لتذويت قيم التسامح واتقان العمل و الشفافية
⦁ تدريب الكادر التربوي التعليمي العامل في هذه الرياض ، اضافة الى تنشيط مؤسسات المجتمع المدني لاسناد المحاولات التربوية الرسمية وغير الرسمية
⦁ العمل على ايجاد وبناء منهاج تربوي مرن مع هامش عريض من شأنه اتاحة المجال أمام الكادر التربوي التعليمي و الأسرة للتعاون وتبادل الادوار في عملية التنشئة المنشودة
⦁ التركيز على دور التربية غير الرسميّة ، نشاطات خارج أسوار المدرسة والروضة من شأنها ترسيخ وتذويت هذه القيم المنشودة ، اذ يجب أن يكون كل هذا من المهام الأساسية لجميع مكونات المجتمع .للأسف ، هناك ضحالة ملحوظة في هذا المجال
⦁ اتباع الارشاد السلوكي المعرفي CBT كوسيلة لتوضيح والتشبث بهذه القيم المنشودة
⦁ اعداد برنامج تربوي شامل ومتكامل ، يأخذ بعين الاعتبار كافة التحديات والمستلزمات المتوفرة أوالتي يمكن توفيرها ، والابتعاد عن التلقين واستبداله بنمط التعلم التفاعلي النشط.
⦁ تشكيل لجنة وطنية عليا لشؤون الطفولة لمتابعة هذا ، كتلك التي كانت تعمل خلال انتفاضة 1987 والتي تكونت من نخبة من التربويين والمختصين الفاعلين ، حيث كانت في حينه د.كايرو عرفات كمنسقة للجنة
⦁ اجراء تقييم وتقويم بين الفينة والأخرى من خلال اعتماد مقياس موحد وناجع لقياس مدى تقدم وتطور الأمن النفسي في المجتمع .
⦁ أما في جانب التربية غير الرسمية ، فنحن بحاجة الى تكثيف الجهود لمحاربة السقوط الأخلاقي المتمثل في الدعوات الى الاباحية والمثلية، والاجهاض ، والقروض البنكيّة وغيرها من الوسائل ، على طريق اشاعة الفاحشة ، التي حرمتها جميع الديانات السماويّة .


وهنا نؤكد على بديهة أن الانسان اذا ما اّمن بالله ورسوله , وانتهج تقوى الله في حياته واجتنب الفواحش والنواهي ، سيغدق عليه العلي القدير نعمة الخلو من هذه الأمراض النفسيّة والعقلية والصحية ويهديه الى التشبث بقيم واخلاق الانسان المسلم ، سائلين العلي القدير أن لا نكون ممن يسمعون ويعيشون الكثير من العبر والابتلاءات دون أن ينعظوا .


لا شك بأن تأثير الجائحة على البشر كان قاسيًا، لا سيما على الصحة النفسية، حيث ارتفعت معدلات جائحة القلق والاكتئاب في العام الأول بشكل ملحوظ، عما كان عليه الوضع من ذي قبل وهو أمر هائل، إلا أن الخبر السار هو أن لم تحدث زيادة في أعداد حالات الانتحار، رغم ما حصل من اضطرابات سلوكية جراء متلازمة الجائحات المتتالية (اجتياحات وحروب)


يعمد الباحث دوما الى التركيز على ان لا تنمية مستدامة ( بكل أطيافها ) دون مستوى عال من الرعاية الصحية النفسية ، اذ بدون زيادة منسوب الوعي الشعبي بأهمية الصحة النفسية للجميع ، وبالأخص لدى الأطفال ، شباب الغد الواعد ، تبقى جهود الاستنهاض بواقع شعبنا مجرد محاولات ذات نتائج محدودة وقد تكون ذات تأثير غير طويل الامد .


مع تسارع مصادر الاجهاد النفسي والقلق الدائم لدرجة الوصول الى مستوى الفوبيا الفردية أو الجمعية ، لا بد من تبني رؤى عملية قابلة للتطبيق لمواجهة ذلك أو الحد من الانعكاسات السلبية العديدة التي باتت الاسرة الفلسطينية تحاول الاعتياد على مواجهتها كغيرها من المجتمعات البشرية العالمية ، اّخذين بعين الاعتبار أن نمط حياة جميع فئات المجتمع ، بغض النظر عن الجنس ، الخلفية الاقتصادية ، الخلفية الاجتماعية ، مستوى التعليم وتنوع الادوار داخل العائلة ، قد شهد تغيرا دراماتيكيا ملحوظا ، الامر الذي اثّر سلبا على جميع افراد العائلة وبالأخص الاطفال ، الزوجين ، كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، اذ بات الكل يبحث عن مصدر امن وامان ، حتى لا يفقدون الحياة وللتخفيف من دوام أسلوب التذمر حيال كل صغيرة وكبيرة ، فمثلا اشتكى الصغار من عدم الذهاب الى المدارس ، اغلاق الملاعب ومراكز الترويح اشتكت الزوجات ، وبشكل اكثر من الازواج ، من انحسار الزيارات العائلية ومحدودية المشاركة وبشكل كبير في المناسبات الاجتماعية (لا سيما اثناء شهر رمضان المبارك وعيد الفطر السعيد وغيرها من المناسبات الدينية المسيحية والاسلامية والمناسبات الاجتماعية ) . بالمقابل ، عبّر العديد من الازواج عن الضيق والتذمر من عدم القدرة على المشاركة في الطقوس الدينية ، المسيحية منها والاسلامية ، من صلاة وقداديس وصلة الرحم .

الامر الذي انعكس سلبا على القدرة من تواصل الدعم الاجتماعي لبعضهم البعض كما لاحظت ان اكثر فئة عانت جراء الوضع العام وتنامي دوام حالات التذمر داخل العائلة ، هم الاطفال واليافعين .


للأسف الشديد ، تنامت محاولات التنمر لدى البعض ، سواء من قبل أحد الزوجين أو كليهما ، ومما يزيد الامر مأساة ان عدد الزوجات المتنمرات قد زاد عن عدد الأزواج الذكور . اتخذت حالات التنمر هذه ، اشكالا عديدة منها ، على سبيل المثال لا الحصر :

محاولة السيطرة والتحكم في اتخاذ القرارات بخصوص شؤون العائلة، رفع الصوت دون اعارة الاهتمام لوجود اطفال في محيط العائلة ، محاولة معاقبة العائلة وبالأخص الزوج ، من خلال عدم الطبخ في البيت كما كان مألوفا ، لا سيما الاكلات التي تعرف ان الزوج يرغبها اكثر ، محاولة شيطنة الزوج/ الزوجة امام افراد العائلة ، أسوا ما سمعته في هذا الامر استغلال الاطفال في التحريض ضد أحد الزوجين من خلال التركيز على الاختلاف الثقافي او الديني او الوضع الاقتصادي لأي منهم كما لو ان الزوج هو المسؤول عما يجري أو قد يحدث ( اختيار مكان السكن مثلا) ، وكذلك التعمد الى اهمال احد الزوجين لبعضهم البعض من خلال الانزواء وتعطيل لغة الكلام والحوار ليس فقط بين الزوجين بل وليشمل بقية أفراد العائلة احيانا ، احتكار استخدام التلفاز وبعض الوسائل التكنولوجية المتوفرة في البيت ، اطالة السهر ليلا وبالتالي عدم الاستيقاظ باكرا لإعداد شؤون العائلة صحيح ان مثل هذه السلوكيات السلبية هي الغالبة ، كما استخلصت من المقابلات التي أجراها الباحث ، لكن هناك سلوكيات ايجابية برزت مثل :


الميل الى تبني روح الشراكة في اللعب لدى الاطفال ، وحبذا لو استغل الاهل ذلك في تنمية الشراكة المسؤولة في الادوار الحياتية للعائلة كمجتمع صغير والمجتمع الاكبر ، وكذلك الحرص على استخدام كل ما هو متوفر لهم/لهن والحفاظ على هذه الالعاب من التلف أو الضياع .


اظهار الميل للتعاطف والتماهي مع الاخرين من خلال اظهار الرغبة في تقديم المساعدات العينية او الاصغاء النشط عند الحديث وذكر لحالات انسانية صعبة .


كما بان وبشكل جليّ، الميل الى التدين بشكل ملحوظ والاقبال على ممارسة بعض الشعائر الدينية بشكل اكبر ، كان ذلك جليا في أشهر رمضان المبارك ادراك الجميع من افراد العائلة الى ضرورة واهمية التقارب العائلي اكثر واكثر، مما دفع البعض منهم الى استخدام التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي لهذ الغرض ادرك الطلبة ، لا سيما الصغار منهم ، اهمية المدرسة وذلك من خلال دوام السؤال : متي سنعود الى المدرسة او سرد حكايات وقصص حول ما كانوا يعملون ي المدرسة هم والاقران.


اجراءات وقائية مطلوبة


من الموجبات الأخرى لتعزيز وسائل الوقاية (preventive measures ) الحاجة الى الاستعداد لمواجهة تنامي أشكال العنف ، الاضطرابات العقلية والسلوكية . الملفت للنظر، يكاد الجميع يركّز على الجوانب الصحية الجسمانية، وقلما تم تناول الانعكاسات السيكولوجية والسلوكية السلبية الخطيرة آلاتية لا محالة ، والتي ستنعكس على كافة المجالات الحياتية الكثيرة وذلك في كافة أرجاء المعمورة .


نحن بحاجة الى التركيز على ضرورة الاستعداد للاّتي والذي قد يكون أسخم مما نتوقع ، على صعيد مشاكل الصحة النفسية ، الامر الذي يتطلب وضع استراتيجيات خاصة بالحماية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، لا سيما أننا فقدنا الكثير من الأعزاء مقارنة بحجم مجتمعنا السكاني ، وعانى الكثير بسبب البطالة التي كانت لها انعكاسات سلبية كثيرة.

ناهيك عن العوامل التالية التي أدت الى تفاقم النتائج السلبية العنف المحلي والسياسي المتواصل :-


⦁ حالات الفقدان الكثيرة بسبب الموت ،الهجرة الداخلية والخارجية ،المعاناة الطويلة لاحد افراد الاسرة أو الاقارب او الجيران .
⦁ هيمنة ثقافة الاشاعة والتسليم بها من قبل نسبة كبيرة من السكان جراء الخلفيات الثقافية المتفاوتة . أثرت الشائعات ، والتي يذهب البعض لاعتبارها جريمة يحاسب عليها القانون ، على الرأي العام وقد يكون تأثيرها قد امتد الى بعض من صانعي القرار.
⦁ تواصل مسلسل انهيار القيم والاخلاق الحميدة وبشكل كارثي ، أحد ابرز اشكال الانهيار في القيم هو التركيز على الربح المادي دون الاكتراث بالجوانب الانسانية ، مما عزّز الانانية والفردية بدلا من التفكير بالجماعة والمصلحة العامة
⦁ غياب رؤى واضحة وفاعلة لمواجهة والتقليل من الاثار النفسية والاجتماعية هذه ، ناهيك عن تدني نسبة الوعي الذاتي لاهمية الصحة النفسية ، رغم الزيادة البطيئة على معدل الوعي هذا ، مقارنة مع مجتمعات بشرية اخرى .
⦁ للاسف الشديد ، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الاعلام دورا سلبيا ، تمثل في المساهمة بنشر ثقافة الاشاعة ، عن قصد أو غير قصد، ناهيك عن تصريحات ممن يفترض بهم القيام بدور توعية الشعب وتوجيهه الوجهة الصحيحة ، عمد مثل هؤلاء الى التهويل والمبالغة الزائدة دون التركيز الكافي على ضرورة تذويت الخطر الداهم من الاّثار والانعكاسات النفسيّة السلبية ، أيضا ابتعدت بعض وسائل الاعلام لترك السيف لباريها في اعطاء التصريحات ، في الوقت الذي كنا ولا زلنا بحاجة الى رفع معنويات الشعب ، لما للعامل النفسي من دور في تعزيز المناعة لدى الانسان.


⦁ من المؤسف ، يتم التركيز في خطط الواجهة هذه على التعافي من الاّثار الفسيولوجية والاقتصادية ، دون العمل الكافي للتعافي النفسي والاجتماعي والعاطفي، واستطرادا بالقول ، نؤكد على ضرورة مجابهة حالات الهلع والهوس الذاتي او العائلي ،و البحث عن الايجابيات في سلوكيات الفرد/ العائلة وتكرار ترديدها وذلك من باب تحفيز الاخرين للاقتداء بهذا السلوك ، اغتنام الفرصة لتعزيز قيم التكافل والتعاضد مما يعمل على توليد الشعور بالرضا عن الذات والشعور بعمل شيء ايجابي من شأنه المساهمة في تغيير الاجواء ورفع مستوى التقدير للذات ، كمجتمع يميل الى التدين في غالبيته ، من المفيد جدا بل والمطلوب اللجوء الى ممارسة الشعائر الدينية مع دوام التذكير بالآية الكريمة ” قل لن يصيبكم الا ما كتب الله لكم ” والحديث النبوي الشريف ” اعقل وتوكل ” .


هناك ضرورة لبناء تكتيكات جديدة مهنية وعملية للانتقال السلس بفكر ونمط حياة الناس الى أنماط جديدة ، تتوائم مع الظروف والمستجدات التي أوجدتها الجائحة ، اذ من الصعب ، بل والمستحيل أن تعود الأنماط التقليدية الى صدارة ما يتوجب اتباعه .


أولى قطاعات المجتمع التي يجب البدء بها هي الاطفال واليافعين ، وذلك من خلال برامج تثقيفية توعوية غير تقليدية ، وليكن التركيز فيها على اللعب والانشطة والفعاليات الحرة ، مما يتيح فرص تعزيز مهارات التعاون والإصغاء والتعلم من الاخر ( التعلم التعاوني والجمعي)، ناهيك عن اكتساب مهارات التعددية والالتزام بالأنظمة والقوانين المناسبة واهمها تنظيم الذات self-regulation وادارة الوقت Time – management وتعلم مبدأ win-to – win بدلا من الربح والخسارة win or loose الشريحة الثانية هي العائلة ، ولتكن البداية في ترشيد نمط الاستهلاك ، أي شراء ما أحتاج وليس ما أريد ، واختزال عدد المناسبات العائلية وضمن دائرة المقربين من الدرجة الأولى.


يتأتى كل هذا عبر نظام التربية والتنشئة الاجتماعية ونظام التربية والتعلم اللذان يجب أن يتناغما معا في التركيز على تعليم المهارات النفسية والاجتماعية مثل : مهارات الاتصال والتواصل، مهارة القدرة على خلق وتعزيز التوازن ، مهارة حل المشكلات من خلال لغة الحوار ، مهارة اتخاذ القرارات ، مهارة النقد والنقد الذاتي ، مهارة التفكير الابداعي والابتكار لا الاعتماد على النقل والتقليد .


بعد كل هذا الاستعراض ، يكون بوسع الباحث القول أن اللياقة ألنفسية هي البلسم المطلوب، في ظل تكالب وتنوع مصادر الضغوطات النفسية وحالات الاجهاد على مستوى المعمورة وفلسطين خاصة جراء الاحتلال والاستغلال وخيبات الأمل المتلاحقة وانحدار القيم الانسانية ، والتي من شأنها أن تساعد المرء في تعزيز الثقة بالذات وشحنه بالطاقة الايجابية للحد من أثار هذه الضغوطات.


بداية ، دعونا نتفق على أن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان ، الذي كرمّه” ولقد كرمّنا بني اّدم” ، من مادة وروح ، المادة بحاجة دوما الى ما يغذّيها من طعام وشراب وراحة جسدية ، والروح بحاجة الى الطمأنينة والراحة النفسية التي تتأتى من خلال العبادات والامتثال لأوامر الله ، وبالتالي يكافئ الانسان على ذلك ، بنيل الراحة النفسية وبنعمة البصيرة كي يفعل المزيد من الصالحات لمن حوله من البشر وسائر المخلوقات.


قبل الخوض في طرق ونتائج اللياقة النفسية ، لا بد من الجزم بأنه لا يمكن الفصل ما بين اللياقة البدنيةPhysical Fitness واللياقة النفسية Psychological wellness / Fitness ، كلاهما يرتبطان ببعضهما البعض ويؤسسا معا القاعدة المتينة المطلوبة للأخر.


باختصار شديد ، يعنى باللياقة النفسية امتلاك الانسان للعتاد النفسي لمواجهة ضغوطات الحياة وقدرته على بناء نوع من التوازن السلوكي . يقصد بالعتاد النفسي ، القدرة على التكيف Resilience المرونة flexibility وتوظيف ذلك للوصول الى وضع الاشفاء .


تكمن أول الخطوات لامتلاك مثل هذا العتاد النفسي في القدرة على بلورة نهج سلوكي يوجهه نحو هدف ما Goal-directed behavior ، قد يكون ذلك من خلال القيام بأعمال ومهام سهلة التحقيق والابتعاد في البداية عن المهام الصعبة ، حتى لا تضاف خيبات جديدة ، وقد يكون نهج المواجهة المبنيّة على الترقب والاستعداد وسيلة لاسناد السلوك المبني على انجاز هدف محدّد.

لتحقيق ما تم ذكره ، نقترح هنا :-


⦁ دوام الامعان في التفكير الملي ، ولهذا جاءت الدعوة الربانية ” ويتفكرون …” للوصول الى مرحلة التفوق المعرفي cognitive agility مما يزيد من الطاقة الايجابية لدى الانسان positive sagacity ، وما حالات التخبط التي عمّت الناس في ظل هذه الظروف المأساوية ، لفهم ما يجري ، الا خير دليل على كلامنا . قد يبنى على هذه الحالة الوصول الى حالات التجديد في التفكير Innovativeness oriented mentality مع امكانية الابتكار أو الاختراع authentic innovation

⦁ ضرورة الابتعاد عن نهج اسلوب الالتواء والتبرير ، كالقيام بممارسات مخالفة للأنظمة والقوانين والقيم المعمول بها ، وكذلك دوام مهاجمة الاخرين وتوجيه الانتقادات اللاذعة ، عملا بقول المصطفى عليه الصلاة والسلام” ان أشرّ الناس منزلة يوم لقيامة، من يتقيه الناس مخافة لسانه”.


⦁ العمل على مواصلة التفاعل مع مكونات البيئة المحيطة بكل أشكالها وأنماطها المختلفة ، فالانسان مدنيّ بالطبع.اذا علمت /شعرت ببدايات تسرب اليأس اليك أوممن حولك ، فحدّث ذاتك /ذاته عن السمات الايجابية لديك /لديه مستذكرا قول العلي القدير ” ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون”. يكون تدخلك هذا من باب جبر الخواطر والتي تعتبر بمثابة عبادة .

ولن ننسى المثل العربي المعروف “تذكّر دوما ان لكل باب، وان طالت مغالقه ، يوما مفتاح “وهذا من جميل الصبر .


⦁ ممارسة الرياضة البدنية بشكل منتظم ، اذ ينعكس هذا ايجابا على الحالة النفسية للمرء الابتعاد قدر الامكان عن التوتر والقلق الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ، فالإنسان المتوتر القلق تماما كمن يجلس على كرسي هزّاز ، هو يشعر بالحركة ، لكنه عمليا ، لا يتقدم قيد أنملة .


اذا ما اتبعنا ما تم ذكره أعلاه نكون قد ضمنا السير نحو المستقبل المنشود بخطى ثابتة وواجهنا ، بعد أن أتممنا التعبئة الروحانية والايمان الوطيد وبات لدينا المعرفة والوعي والاستعداد لمجابهة الاّتي من ضغوطات ومشاق الحياة ، ان لم يكن جففّنا مصادر الضغوطات النفسية والاحباطات وخيبات الأمل العديدة الناجمة عن رفع سقف التوقعات وبناء الكثير من أحلام اليقظة وحالات اضطراب الهوية لدى الشباب ذكورا واناثا ، كون فئة الشباب هي الشريحة الأكبر بين شرائح المجتمع الفلسطيني ، وتشكل رأس مال المجتمع ، ولقناعتنا أيضا ، بأنها هي القادرة على احداث التغيير المنشود وبالتالي النهوض بكافة مكونات المجتمع الفلسطيني ، ولما لهذا الاضطراب من انعكاسات سلبية على السلوك البشري كما سنرى لاحقا ، ملتزمين بالرؤية الربانية لمواجهتها ” صبرا جميلا ” وبشّر الصابرين “، كون هذا النمط من الاضطراب هو أمر مكتسب وليس موجود بالفطرة، وبالتالي هو قابل للتعديل والتغيير ، واذا ما ابقينا عليه دون تعديل سلوكي يتحول هذا الاضطراب الى سلوكا مستطيرا ، مثلما هو حال جلمود الصخر الذي يحطّه السيل العرم .


من ملامح اضطراب الهوية لدى الشباب :


⦁ أن ترى مثل هؤلاء وجوهم باسرة عابسة ، مع دوام ملامح شدة العصبية عليها
⦁ ميل نسبة كبيرة من هذه الشريحة الى دوام استخدام لغة وأمثلة ثقافية أجنبية عند التعبيرعن الذات أو تقديم رؤيتها/رؤيته حيال موضوع ما ( الشعور بمركب النقص)
⦁ الهروب الى الأنشطة الترفيهية الصاخبة التي لا تمت الى ثقافتهم ومعتقداتهم الدينية بصلة
⦁ ضعف الثقة بالذات وعدم الرغبة في الاقدام والمحاولة وأحيانا الخجل الزائد عن حدّه
⦁ دوام القلق والارتباك وأحيانا الاحباط ، مع احتمال بروز حالات القلق العصابي والقلق الوجودي و أنماط مختلفة من الاكتئاب، جراء الانحراف أو التناقض السلوكي في المجتمع والأسرة ، مما قد يولّد لديه الشعور بعبثية الحياة والوجود وعدم اعطاء قيمة لما ما يمكن أن يفعله ويعمله هذا الشاب في حياته.
⦁ دوام الاغراق في الحزن والمشاعر السوداوية، أي عيشة ضنكاء.
⦁ اضطراب الهوية الجنسية وانتشار الهوس الجنسي والمثلية الجنسية التي باتت تحاول طرق أبواب مجتمعنا نظرا لهذ الاضطراب في الهوية لدى هذه الشريحة ، قد تجد الدعوات للالحاد أذانا صاغية لها لدى البعض منهم ، ناهيك عن عقوق الوالدين للخروج.


لتعديل هذا الاضطراب السلوكي لا بد من تكثيف الجهود الرسمية والأهلية ، فعلى الصعيد الرسمي اعادة النظر في دور الأسرة الحالي ودور المدرسة والجامعة مع ايلاء اهتمام أكبر للتربية الدينية ، حيث بات ملحوظا أن هناك عجزا قائما في دور كل من الأسرة والمدرسة والجامعة حيال الدور المنوط في كل من هذه المؤسسات القائمة ، وكيفية العناية بالتنشئة الاجتماعية المنشودة ولن يتأتى هذا الا من خلال اعادة بناء الأسرة وتصويب رسالة المدرسة والجامعة اعادة النظر في دور وزخم الاعلام بكل أنماطه واعادة توجيه بوصلته نحو الوجهة الصحيحة بعيدا عن دوام تسويق الوهم، من أجل تكريس تبني أشكال حياتية أكثر ايجابية من خلال ابراز صورة نماذج القدوة المؤثرة في التربية السليمة وطرح الادوار والتجارب الايجابية للشباب في مجتمعهم .


⦁ ليبدأ الشباب بذاته من خلال :-


⦁ معرفة ذاته جيدا أولا ، وثانيا العمل الذاتي، والجاد على التخلص من تشوش مفهوم والنظرة للحياة ،” قل لعبادي الذين اّمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ..(2)، مع دوام خشية الرحمن بالغيب في كل صغيرة وكبيرة تعلّم وتذويت مهارات التفكير الابداعي والحوار كنهج حياة لحل النزاعات سلميا وبشكل صحيح مع تنمية القدرات الابداعية من أجل ذلك.


⦁ اتقان العمل والمهام الموكلة اليك ، اذ أن الله يحب أن يتقن أحدكم عمله ان عمله ، مع التركيز على الكيف قبل الكم الاعتناء بالذات وممارسة الرياضة الروحية والبدنية.


⦁ للأسف هناك غياب ملحوظ في التركيز على تنمية التربية الخلقية ، أعني بتنمية التربية الخلقية،كيف أن تصبح شخصاً يتمتع بالنزاهة، ويعيش حياة سعيدة ذات هدف و مغزى، بمعنى اخر أن تصبح شخصاً صالحا ، بناء الشخصية وتعزيز تنمية الفضائل، ومساعدة الناس على تطوير نظرة ايجابية ناضجة حول الحياة، تساعدهم على العيش حياة سعيدة ذات قيمة.


هنا قد يتساءل البعض ما هي الأخلاق؟ ببساطة هي أساس الوئام الداخلي مع الاخرين ، بها نفهم معنى الحياة والغرض منها ؟الشخصية الصالحة هي ذات السلوك الصحيح حيال الآخرين وحيال الذات”، القدرة على ضبط النفس، والاعتدال، الكرم والتعاطف. نحن بحاجة أولاً إلى السيطرة على أنفسنا – شهواتنا ، شغفنا – كي نتمكن من بدء السلوك الصحيح اتجاه الآخرين ومع ذواتنا . ي

مكن للعائلة التركيز عل تنمية مهارة الاعتماد المتبادل ، اذ أن أحد معطيات دورة الحياة هو وجود ترابط بين جميع البشر. لذا، يحتاج البشر إلى تفاعل مستمر مع بعضهم البعض منذ الولادة من أجل تطوير خصائصهم وصفاتهم البشرية، في ظل انعدام هذا التفاعل يفشل الإنسان بأن يصبح بشراً.

أيضا ، تعزيز روح المسؤولية كون البشر أحراراً في المشاركة في بناء ذواتهم بأنفسهم، و يتحملون مسؤولية لا مفر منها لما اّلوا اليه ، أي أن هناك علاقة سببية بين ما يعتقده البشر وبين ما أصبحوا عليه. أيضا نحن بحاجة ماسّة لتعزيز التربية الروحية و ليس المقصود بها بالضرورة التعليم الديني، بل سعي الإنسان للوصول إلى النضج وعيش حياة أخلاقية ذات مغزى، اذ لا يوجد شيء أكثر مأساوية من مقابلة شخص عجوز يشعر أن حياته ذهبت سدى.


يمكن للقصص الخيالية أن تكون فعّالة جداً ، فبالنسبة للأطفال الأصغر سناً، كونها تتطرق بشكل حساس ومناسب للعديد من أسئلة الحياة وتظهر أن المستقبل يكمن في يد الإنسان ذاته ، فمثلاً، إذا كانت صفة الشجاعة في التغلب على المصاعب لدى بطل القصة مصاحبة لصفات مثل اللطف والحكمة، فإن حياته سوف تزدهر ويتزوج بسعادة. علينا أن ندرك بأن الأدب الروحي مفيد أيضاً كونه يمكّن الشخص من التفكير بعمق أكثر في السؤال النهائي للحياة في سياق أفكار وتجارب بعض الحكماء الأكثر احتراماُ في التاريخ.


لا يفوتنا الاشارة هنا الى الحاجة للتربية الاجتماعية، فالعائلة هي نفسها مجتمع صغير ، وعليه تبدأ التربية الاجتماعية في البيت، وفيها يبدأ الطفل في تعلم عادات وتقاليد عيش حياة أخلاقية والحث على ممارستها. تقع على عاتق الوالدين مسؤولية تربية أطفالهم بشكل صحيح كي يصبحوا أعضاء محترمين في مجتمعهم. يصبح الأطفال أخلاقيين عن طريق محاكاة مثال من حولهم خاصة الوالدين والاشقاء وأقارب اّخرين.


لذا يجب تعليم الطفل الأخلاق والتقاليد الجيدة وكيفية التصرف المناسب في المواقف المختلفة، كأن يتعلم كيف يتحدث مع الناس بأدب وأن يعاملهم بشكل مناسب كما يود هو أن يُعامل، فالقاعدة الأكثر شمولية للعلاقات الإنسانية هي المعاملة بالمثل؛ معاملة الآخرين كما تحب أن يعاملوك، و عدم التسامح مع التنمر والغش وخيانة الأمانة، ومعاقبة مرتكبيها، فالمتنمر اليوم هو رئيس عصابة في الغد. كما أن السماح بالغش وخيانة الأمانة في المدرسة سوف تنتقل إلى كل مجال من مجالات الحياة.


التربية الخلقية حاجة ماسّة كون لا أحد يولد إنساناً، علينا أن نتعلم ما يعنيه أن نكون بشراً ولكي نفعل ذلك نحن بحاجة إلى أن نتعلم. أول الناس الذين يشرعون في تنشئتنا كبشر هم الوالدين ومن ثم المدرسة، حاضنة التعليم الرسمي، وليدرك الجميع ، بغض النظر عن الموقع والدور الذي يلعبه : أن التعليم الرديء أخطر من الامية ، كونه يساهم وبنسبة عالية في نشر الوهم بالقدرة على الانجاز ونشر أمراض سيكولوجية واجتماعية وصحية عديدة .


يجيء كل هذا من قناعتنا بأنه ، اذا اعترى الانسان حالة نفسية غير سويّة ( اضطراب سلوكي أو اكتئاب) يتحول الى عنصرا هداما وعبئا على مجتمعه وبالتالي ضارا لجهود التنمية المستدامة المبذولة ، سواء داخل أسرته أو مكان عمله ، شجارات ، عدم تعاون كثرة الاجازات المرضية حراء الوضع النفسي الذي يعيشه .


عادة ما تبدأ مثل هذه الحالات خلال سنوات المراهقة، ولا يتلقى غالبية هؤلاء أي شكل من أشكال العلاج ، ليس فقط لشح المصادر والكوادر ، بل وبسبب المفاهيم السلبية المسبقة عن حالات الاضطراب السلوكي هذه .

كي لا نبقى نعلم ولا نعمل

مع اتساع دائرة و رقعة المهتمين بل والمقتنعين بأهمية دور الصحة النفسية في مجتمعنا لإنجاز الاستقرار والسلم الأهلي نحو تحقيق الحلم المنشود ، مقارنة مع ما كان عليه الوضع سابقا في مجال الاهتمام بالصحة النفسيّة منذ عام 2003.

نعرض هنا بعض المقترحات العملية لمساعدة ذوات البالغين و اليافعين وذلك من منطلق كي لا نبقى نعلم ولا نعمل ومن أجل تويع دائر من يستطيعون تقديم خدمة اسعاف نفسي أولي :-

⦁ تتطلب حاجة المجتمع البشري لمعرفة المزيد عن اّليات توظيف الصحة النفسيّة ايجابا ، بحثا عن سبل مواجهة الاضطرابات السلوكية المتنامية في ظل أجواء العنف المحلي والسياسي المتواصل ، اضافة الى الجهود الحثيثة من قبل مؤسسات المجتمع المدني بهذا الحقل ، يتطلب ذلك التركيز على دور علم النفس الإيجابي في تنمية مهارات افراز واجترار القدرات الذاتية للفرد،من خلال رفع منسوب تقدير الذات Self-esteem موظفا ما لديه من مكنونات قوة ودافعية ، بدلا من الاستكانة وانتظار الفرص والعجائب أو اللجوء الى الشعوذة لمواجهة الحالة النفسية المترديّة لديه؛ درءا للمخاطر من خلال العمل وتفعيل قدراته الذهنية والجسمانية والعاطفية ، و من أجل تحدي المعيقات والتي أهمها دحض المفاهيم السلبية المسبقة و الهرطقات .


⦁ ضرورة تبني نهج الشراكة المسؤولة لدى كافة الفئات والعاملين في ميدان الصحة النفسيّة وذلك لضمان ضخ أكبر قسط ممكن من المعارف والمهارات الفردية والجمعية ، توكيدا لضرورة ووجوب المشاركة بالعلم النافع وتقبل الأعمال من الفاعلين العاملين بمهنيّة وتفاني،، بعد انخراط كافة الفئات العمرية والشرائح المجتمعية لضمان التفاعل بين الفردي والجمعي .


⦁ كثرت الأسئلة حول كيفية الاعتماد على الذات دون الاكتفاء بردود فعل انفعالية، علاوة لأهمية التدرب في أنماط التفكير الإيجابي وتعزيز الطاقات الايجابية والابتعاد الكلي(قدر الامكان ) عن مصادر الطاقة السلبيّة ( أشخاص واشاعات مزعومة …) مع الحرص على عدم نشر الوهم وكأن الصورة كلها ورديّة ،فهناك السلبيات القائمة والممكنة في واقع الحياة اليوميّة حتى لا يكون المجتمع لقمة سائغة لليأس والنكوص والتشاؤم المطلق .


⦁ دوام اليقظة الذهنية والابداع في بلورة مهارات لتوجيه الذات ورفع جهوزية المناعة الذاتية في مجابهة المخاطر ومصادر الضغوطات النفسيّة


⦁ ضرورة توفر المرونة flexibility والقدرة على تبني مهاراة القدرة على الموائمة الى حد ما (resiliency skills) عند وضع وبلورة خطط عملية للمجابهة ، اّخذين بعين الاعتبار الامكانيات المتاحة والظروف الموضوعية و والفروقات الفردية ,وترتيب الأولويات وعلى كل الصعد ، بعيدا عن الميل نحو الشعور بالخذلان ، اذ بالأمل والعمل والتفاؤل ( المبني على القناعة بالقدرة الذاتية و رجاحة الأسلوب المتبع ، وما يلي ذلك من تقييم وتقويم) لانجاز المهام حتى الجسام منها .


⦁ الابتعاد كليا عن نمط المعاملة الفظّة مع جميع ألافراد من حولك ( أسرة ، مجتمع مصغّر ، طلبة ) بما في ذلك من عقاب جسماني، لفظي أو معنوي ك لا يرتفع منسوب الخوف وتراجع مستوى تقدير الذات لدى هؤلاء مما يزيد من المعاناة النفسية


⦁ تجنب/ ارجاء البحث أو توتير الخلافات العائلية الأمر الذي قد يدفع ببعض الافراد من حولك الى اتخاذ مواقف غير محمودة النتائج ، الأمر الذي قد يضاعف من حدة التوترات النفسيّة لديهم .


⦁ ممارسة ألعدل والليّن في التعامل بنفس القسط بين جميع من هم حولك مع مراعاة السن والاحتياجات الخاصة والفروقات الفردّية


⦁ ايلاء الاهتمام بالتخطيط المسبق وبشكل تعاوني بين الأفراد من حولك ، مع الافصاح عن التقدير والاعجاب بإنجازات أي منهن/ منهم وان صغرت .


⦁ الحرص الكلي عدم شعور أي ممن حولك بالحرمان ، اذ يتوجب العمل على تأمين أكبر قسط من الاحتياجات المادية والمعنوية ( كالاحترام والتقدير) للجميع ، مع عدم ايثار أي على الاّخر ، كحرص الوالد/ة على تأمين مستلزمات الأرجيلة ، الدخان ، القهوة …..على حساب احتياجات من حولك .


⦁ وأخيرا وليس اّخرا ،ندعوا هنا الى عدم الاكتفاء بالمعرفة وحدها ، بل الانتقال الى دائرة الفعل والعمل المخططّ له ، كون الغالبية من الناس تعلم ولا تعمل.

خاتمة هذه الاطلالة

رغم كل ما يتعرض اليه الطفل الفلسطيني من اساءات وأنماط تعذيب وأذى ، الا أنه يبقى يتسم بروح التحدي وسرعة الاستجابة للتعلم من خلال التجربة ليس فقط انصياعا لضرورة الصبر والجلد ، بل وأيضا لإحساسه وشعوره المتين بالواجب الملقى عليه ودوره المسؤول نحو شعبه ووطنه ،لذ تراه ترة في ساحات الوغى مشاركا صنديدا وأخرى متقمصا الدور الرمزي من خلال ارتداء ملابس وأزياء فلسطينية الأصول ورفعه للعلم الفلسطيني وتقدير للنماذج الوطنية عبر التاريخ.

كل هذا نتيجة لنمط التنشئة الاجتماعية الموجهة ووعي الأسر الفلسطينيىة لقيمة وأهمية مبدأ الشراكة المسؤولة والوعي بالتاريخ والارث النضالي الغني.

ولن نغفل هنا جهود الطفل الفلسطيني الحثيثة لمواكبة التطورات المذهلة في وسائل التواصل الاجتماعي ،فنراهه نشطا فاعلا في مجال الاعلام على منصات التواصل الاجتماعي مما تتيح له فرصا للتفريغ النفسي والشعور بالانتماء وايجاد مكانه الافتراضي الاّمن في ظل غياب المكان الجسماني الاّمن وحالات الفقدان والشتات اليومية . ان انحيازه للنضال بكل أشكاله ليس خيرا بقدر ما هو شعوره بالواجب الحتمي الملقى عليه ولنا أن نفخر بهذا الانحياز.

ان اصرار الاحتلال على ايقاع أكبر نسبة من الضحايا والشهداء بين الأطفال قد يكون تفسيره الخشية من قدوم جيل في المستقبل ، لا يأبى الا العيش بحرية وكرامة، تلطخ لباسه وشهادته المدرسية وألعابه الطفولية بالدم.

ولنا أن نختم قولنا بقصة الطفلة ألما، التي رفضت أت تخرج من تحت الركام وطاقم الهلال الأحمر يحاول اخراجها وهي تصرخ ” لن أخرج قبل اخراج والديّ وأخوتي وأخواتي سواء هم أحيا ء أم ……) ، حين هرعت سيارات الاسعاف والهلال الأحمر بعد قصف طائرات الاحتلال عمارة سكنية تعود الى عائلة الصالحي قبيل ساعات ظهيرة يوم الثلاثاء 5/12/2023 في معسكر الشجاعيّة – خان يونس.

شاهد أيضاً

مستوطنون يحرقون 7 دونمات مزروعة بالزيتون واللوزيات في حوسان

شفا – أحرق مستوطنون ، أرضا زراعية تتبع لقرية حوسان غرب بيت لحم. وقالت مصادر …