5:39 صباحًا / 21 نوفمبر، 2019
آخر الاخبار

تاريخ عائلة 3-3 بقلم : محمد فاروق الإمام

تحدثنا في الحلقة الماضية عن جزار سورية حافظ الأسد الذي أقام دولته على جماجم ضحاياه وأعوانه من جميع ألوان الطيف السوري، فلم يسلم من شروره وجرائمه وموبقاته أتباع أي دين أو مذهب أو طائفة أو اعتقاد، حتى طالت مقصلته رؤوس أولياء نعمته وأقرب المقربين منه من أبناء طائفته التي ينتمي إليها، ممهداً الطريق أمام وريثه دون أي منغصات أو عقبات، فقد انقلب على شقيقه كبير المجرمين رفعت الأسد، الذي كان ساعده الأيمن في جرائمه، والذي قتل عشرات الألوف من المسلمين، في حماة، وحلب، وإدلب ودمشق واللاذقية، من أجل تثبيت حكم شقيقه، انقلب على شقيقه ليورِّث ملكيَّة سوريَّة لأبنائه. وأخيراً طرد كلَّ الضُّباط الكبار: (علي أصلان، وعلي دوبا، وعلي الصَّالح، وعلي حيدر) عندما استشعر أنَّهم غير راضين عن خلافة ولده بشَّار، مع أنَّ هؤلاء الأربعة من الطَّائفة العلويَّة، كانوا ساعده الأيمن مع كبير المجرمين رفعت، كما أنَّهم حموه من رفعت عام: 1984م، عندما حاول الانقلاب عليه، ووصل حافظ الأسد إلى هدفه، وهو تملُّك سوريَّة، وليس رئاستها فقط، بل تملَّكها دولة وشعباً وتاريخاً وجغرافيا، لتصبح (سورية الأسد).
الطَّائفة العلويَّة لا تُحمَّل أوزار عائلة الأسد لوحدها لأنَّ أوزار هذه العائلة تنوء عن حملها الجبال الرَّاسيات، وقد استخدم الأسد الطَّائفة العلويَّة ثمَّ لفظها، بعد أن حقَّق مآربه منها، كما لفظ حزب البعث قبلها، فطرد مؤسِّسيه، ومات معظمهم خارج سوريَّة منفيين في مجاهل بلدان العالم.
وفي هذا السياق.. فإننا ننتظر من الطَّائفة العلويَّة وقفة وضوح وجلاء، وقفة صراحة ووطنيَّة ووفاء، عليهم أن يعلنوا بكلِّ صدقٍ وأمانة براءتهم من عائلة الأسد، ووقوفهم مع الشَّعب، وانضمامهم للثَّورة المباركة دون تأخير فالزمن ليس في صالحهم وبشار عندما يقرر ركوب الطائرة والفرار فإنه لن يصحب أحداً منكم!!
لقد أفسدت هذه العائلة المجرمة كلَّ شيء في سوريَّة، أفسدت المجتمع السوري وحاولت استئصال الدين وتصحير عقول أبنائه وسلخهم عن قيم الإسلام وأخلاقه ومبادئه، فقد عملت هذه العائلة بطريقة مقننة ومبرمجة على هدم الدِّين، فقزَّمت دور علماء الدِّين، وحجَّمت عمل وزارة الأوقاف والإفتاء، بل وصادرت الأوقاف الشَّرعيَّة، وسرقت أموال وزارة الأوقاف، وآخر سرقة حدثت بيع أرض المعارض الوقفيَّة لرامي مخلوف ابن خال الرئيس بتراب الفلوس، وهي أرض مترامية الأطراف، ومتَّسعة الأرجاء، وتقع في قلب دمشق، على ضفاف نهر بردى، وجعلت العلماء والخطباء وأئمة المساجد يعيشون على تبرعات وصدقات المحسنين، كما عملت على إقصاء وإبعاد العلماء الصادقين مع ربهم وأمتهم، فمنهم من قتلوه، ومنهم من سجنوه، ومنهم من طردوه خارج البلاد، كما عملت على تجفيف منابع الدِّين في البلد، فأغلقت كثيراً من المعاهد الشَّرعيَّة، ولم تسمح إلا بكليَّة واحدة للشَّريعة، وفي جامعة دمشق فقط، مع أنَّه يوجد في سوريَّة عشر جامعات حكوميَّة، كما عملت هذه العائلة المجرمة على منع الصَّلاة في الجيش، ومنعت الحجاب الشَّرعيَّ للنِّساء في الدَّوائر الحكوميَّة العامَّة، وكلنا نذكر ما فعلته الشبيبيات والمظليات بحرائر دمشق وقد قمن بنزع الحجاب عن رؤوسهن في أسواق دمشق وشوارعها، وما كتبه إبراهيم خلاص في مجلة جيش الشعب من أنه آن الأوان لوضع الإسلام في متحف الشموع.
ومكَّنت هذه العائلة للمدِّ الشِّيعيِّ الرَّافضيِّ المجوسيِّ الصَّفويِّ القادم من إيران، وسمحت لهم ببناء المراكز في قلب ديار أهل السُّنَّة والجماعة (مئات الحسينيات وعشرات الحوزات وبناء مقامات القبور لتجعل منها مزارات ومحج)، وسمحت بترويج المخدِّرات بأشكالها المختلفة والمتنوعة في صفوف الشَّباب والشَّابات، تقصد من ذلك الفساد والإفساد، وصرف الشَّباب عن دورهم الرِّيادي في النهوض بالأمَّة.
في هذه الأجواء الموبوءة بكل الوان وأشكال الفساد جاء بشار الولد الثاني في عائلة الأسد ليرث أبيه وهو الذي كان يُنظر إليه على أنه بهلول العائلة وأهبلها، بعد مقتل الابن البكر باسل الذي كان يعده حافظ الأسد لخلافته في ظروف غامضة لم تكشف الأسرة خباياها ومكنوناتها، ليرث بشار الحكم بغير وجه حق ويسير على نفس خطى أبيه، فكان أول عمل قام به بعد تمكنه من الحكم أن غدر بأعوان أبيه الذين أوصلوه إلى سدة الحكم وأحالهم إلى المعاش، وعلى رأسهم نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام والنائب الثاني زهير مشارقة ووزير الدفاع مصطفى طلاس، وقرب منه حفنة من أفراد أسرته وأقربائه، وفتح أبواب سورية على مصراعيها للصفويين القادمين من قم، وجعل سورية ساحة يرتع بها هؤلاء بلا رقيب أو حسيب حتى باتت سورية الحديقة الخلفية لإيران ينفذ النظام أجندتها ويستميت في خدمة أغراضها ويعادي من تعادي ويصادق من تصادق.
وسار بشار على خطى أبيه – كما قلنا – فجعل من نفسه حامي حمى المقاومة ، والوصي على فلسطين وقضيتها وبطلاً ممانعاً لا يشق له غبار مدعوماً بأبواق رخيصة غطت مساحة كبيرة من إعلام الشارع العربي، فدعم حزب اللات في لبنان على باقي مكونات لبنان الدينية والمذهبية والطائفية والحزبية، واستضاف فصائل المقاومة الفلسطينية في دمشق وفي مقدمتها حركتي حماس والجهاد، اللتان لم تجدا إلا دمشق بيتاً مفتوحاً لهما وقد عز وجود بيت لاحتضانهما في أي دولة عربية أخرى.
وعصفت ثورات الربيع العربي وانتصرت على طغاتها في تونس ومصر وليبيا، وسارع الثعلب الصغير بشار ليعلن عن وقوفه إلى جانب هذه الثورات، وذهبت بعض أبواقه المضللة إلى القول “إن معسكر المقاومة الذي يقوده بشار هو من كان وراء هذا الربيع”، حتى إذا ما بدأت تلوح في الأفق انتفاضة في سورية أسوة بما حدث في باقي البلدان العربية، تحول هذا الثعلب المراوغ إلى ذئب كاسر وضبع جائع راح بكل وحشية ينهش بمخالبه وأنيابه الأطفال والنساء والشيوخ والشباب والرجال حتى طالت يده الآثمة الحجر والشجر حرقاً وتدميراً، متنكراً لأصحابه وأصدقائه والذين كانوا لوقت قريب من جوقة الحكم التي تسانده وتخدمه وتحميه وتنافح عنه وتسبح بحمده.
وريث الخيانة والغدر واللؤم بشار الأسد راح يتطاول في سويعاته الأخيرة على القامات الباسقة التي ظن الكثيرون أنها تستظل بجناحه وتعيش متطفلة على موائده، ولم يراع هؤلاء الظروف التي أرغمت هذه القامات إلى القبول بضيافته والإقامة في حماه، وقد عز عليها وجود الحمى والمقام عند غيره.. هذه القامات التي ما تعودت إلا السجود لله أبت الخنوع والقبول بما يفعله هذا القاتل بشعبه دون رادع من أخلاق أو ضمير، فغادرت سورية بصمت دون ضجة وفاء لسنوات أمضتها هناك في ظل هذا النظام، حتى إذا ما أعلن أحد قادتها تبرمه مما يحدث في سورية من جرائم بحق الشعب السوري وما يجري من دماء على أرضها، انبرى الإعلام السوري الرخيص ذماً وقدحاً وتطاولا على قامات عزيزة لم تصبر على ظلم يلحقه هذا الطاغية بأهلهم وإخوانهم الذين تقاسموا معهم لأكثر من ستين سنة رغيف الخبز والسكن والعمل والكفاح والمقاومة والاستشهاد على ثرى فلسطين وفي كل ساحات النضال العربية والعالمية. فقد اتهم تلفزيون النظام رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” خالد مشعل “بالتخلّي عن المقاومة وترك ساحات الجهاد والتوجه إلى مغانم السلطة”، وأنه تناسى استقبال سوريا له بعد أن “كان مشرّداً ومطروداً ومرفوضاً من كل الدول العربيّة”، نعته بأنّه “خائن وجاحد”!
هذا الأبله بشار لا تستطيع معدته هضم يقظة الضمير عند الآخرين أو الإحساس بوجع أشقائهم، وقد استضافهم في سورية الأسد مزرعته كما كانت مزرعة أبيه وقد طرد ياسر عرفات من دمشق لأن معدته لم تهضم استقلال القرار الفلسطيني، وأن على هؤلاء أن يسبحوا بحمده آناء الليل وأطراف النهار. ولم تهضم معدته ثورة الشعب السوري وانتفاضته التي يصفها في خطبه وكل لقاءاته سواء مع وسائل الإعلام أو بعض السياسيين والدبلوماسيين الذين يزورون دمشق بأنها مجموعات من الإرهابيين والعصابات المسلحة والجهاديين والمتطرفين وعناصر من القاعدة، ويصر على أنه سيسحقهم ويقمع ثورتهم بآلة الحرب التي يمتلكها والتي تزوده بها موسكو وطهران على مدار الساعة عبر جسور برية وبحرية وبرية منذ اندلاع الثورة قبل سنة وثمانية أشهر، كانت ضحيتها ما يزيد على ثلاثين ألف شهيد وأضعافهم من الجرحى والمفقودين والمعتقلين وملايين النازحين والمهجرين.
إن ما جعل بشار الأسد يصمد كل هذا الصمود في مواجهة الشعب السوري وثورته هو ما تقدمه له طهران وموسكو من سلاح كما قلنا، ولكن الأخطر من كل هذا ما يقدمه له مستشاروه من الإيرانيين والروس من نصائح ويزينون له من نتائج، فكلاً من موسكو وطهران لا يريدون لبشار الأسد ولا لنظامه السقوط، ويستميتان في إبقائه لأنهما يمتلكان مشروعاً في سورية يرتبط بمصيرهما ومستقبلهما، فطهران تعتقد اعتقاداً جازماً أن سقوط الأسد ونظامه يعني القضاء على مشروعها الصفوي وكسر هلالها الشيعي الذي تريده أن يمتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، وقد أنفقت مليارات الدولارات في سبيله على مدى أربعة عشر عاماً، دون شعبها الجائع والمتخلف، الذي نرى تباشير انتفاضته في المدن الإيرانية على حكم هؤلاء الملالي الظلاميين، وموسكو كذلك تعتقد أن ذهاب نظام الأسد سيكون ضربة قاضية على أي تواجد لها في شرق البحر المتوسط، وانتشار عدوى الانتفاضات والثورات في روسيا لتعم البلدان الإسلامية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي خشية تمردها وإعلانها الانفصال عن موسكو أسوة بما فعلته بعض مثيلاتها، ناهيك عن تململ الشعب الروسي من طريقة الحكم وتبادل الأدوار بين بوتين وميديفيديف، وقد خرجت العشرات من المظاهرات التي تعلن عن غضبها من هذه الطريقة في حكمهما المنافية لكل أسس الديمقراطية التي يدعيانها.
أخيراً فإن بشار الأسد يحث الخطى نحو السقوط ونظامه من خلفه إلى زوال وأن مركبه في طريقه إلى الغرق رغم كل عناده وما يرتكبه من جرائم بحق البشر والشجر والحجر، وأن لا طهران ولا موسكو ستغنيان له من دون قدر الله شيء فمصيره سيكون كمصير سلفه معمر القذافي وقد يكون أنكى وأمر!!

شاهد أيضاً

محمود عباس لإذاعة جيش الاحتلال : نتنياهو رفض لقائي عشرات المرات

شفا – اشتكى رئيس السلطة المنتهي ولايته محمود عباس من طريقة تعامل رئيس الوزراء الإسرائيلي …