12:09 صباحًا / 14 أكتوبر، 2019
آخر الاخبار

الأزمة المالية والاقتصادية.. لا بديل عن بناء اقتصاد صمود وتحقيق العدالة الاجتماعية بقلم : رمزي رباح

الإضراب الشامل لسائقي السيارات العمومية والباصات والشاحنات، والاحتجاجات الشعبية المتصاعدة رداً على استفحال موجة الغلاء وارتفاع الأسعار والزيادة على المحروقات وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للأغلبية الساحقة من الطبقات والشرائح العمالية والفقيرة والفئات الوسطى، ينبغي النظر إليها كانعكاس لحالة احتقان غير مسبوقة وعبرت عن نفسها بالتظاهرات والاحتجاجات الشعبية في العديد من المحافظات.
هذا الحراك الشعبي والذي تواصل يوم 11/9/2012 بالمسيرة العمالية الحاشدة أمام مجلس الوزراء التي دعا إليها الاتحاد العام لنقابات العمال، ونقابة الموظفين الحكوميين، وغيرها من النقابات تعبر عن حجم التوترات الاجتماعية التي كان سببها ارتفاع الأسعار واستفحال الغلاء.
ولكن هناك دوافع وأسباب أخرى ليست أقل أهمية، وهو الشعور المتنامي بغياب العدالة الاجتماعية ولجوء السلطة والحكومة إلى تحميل المواطن أعباء الأزمة المالية والاقتصادية، وتعميق الفجوة الاجتماعية بين القلة الثرية والأغلبية الفقيرة، في الوقت الذي يفتقر فيه المواطن للحد الأدنى من الحقوق مثل الحد الأدنى للأجور والتأمينات الاجتماعية والصحية وخفض كلفة التعليم الجامعي الباهظة، وغيرها من الحقوق التي تمس مصالح فئات وقطاعات أخرى مثل المعلمين الحكوميين، وسائر قطاعات المهنيين العاملين في مؤسسات القطاع الحكومي.
لجأت السلطة والحكومة إلى مواجهة هذه التحركات المطلبية والاحتجاجات الشعبية التي من المتوقع أن تشهد استمراراً واتساعاً في الأيام القادمة، بخطاب تبريري وتوصيفي لما آل إليه الوضع من تدهور وانكماش وتراجع اقتصادي، ووعود غامضة بدراسة وفحص الحلول الممكنة قبل أن تتقدم بالخطوة الأولى المطلوبة بهذا الاتجاه والمتمثلة بالإعلان عن إلغاء الزيادات على أسعار السلع والمحروقات وخفض ضريبة القيمة المضافة: والمطلوب اعتماد سياسة جديدة لتنمية إيرادات الخزينة تقوم على العدالة في توزيع الأعباء وتخفيف العبء عن كاهل العمال وذوي الدخل المحدود، باعتماد ضريبة تصاعدية على الدخول وأرباح الشركات والمؤسسات (بعضها أرباحها المعلنة بعشرات ملايين الدولارات) وتمكين المواطن من تأمين احتياجاته الأساسية بإقرار الحد الأدنى للأجور، وبالمقابل تحديد الحد الأقصى للأجور وإقرار تخفيض على الرواتب العالية كرواتب الوزراء وأعضاء التشريعي وشريحة كبار موظفي السلطة.
لم يعد خطاب السلطة والحكومة التبريري كافياً لإقناع المواطن بأسباب افتقاد الحكومة لخطة تنموية اقتصادية واجتماعية تؤمن تعزيز وتوسيع الإنتاج الوطني ودعمه في مواجهة المنافسة غير المتكافئة مع السلع الإسرائيلية، وكذلك لغياب سياسة تشجيع وقروض للمشاريع المتوسطة والصغيرة ذات العمالة الكثيفة، وتنويع مصادر الاستيراد وخاصة للوقود ومشتقاته وللقمح وغيرها من السلع الأساسية من دول عربية مختلفة وبأسعار أقل بكثير من تلك التي تفرضها إسرائيل.
لم يعد الحديث عن الضغوط السياسية والاقتصادية، وهي قائمة بالفعل، كافياً لتبرير تفاقم التدهور الاقتصادي والمعيشي، فهذه الضغوط متوقعة ويجب أن لا تسقط من حساب كل قيادة رشيدة لها خياراتها الوطنية والمستقلة، ما يثير الاستغراب هو هذا التلكؤ والتردد لدى قيادة السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية في إعادة النظر في اتفاق باريس، والاملاءات الإسرائيلية المفروضة بموجبه والتي أدت إلى حجز نمو الاقتصاد الفلسطيني وإلحاقه من موقع التبعية بالاقتصاد الإسرائيلي، إن وقف العمل باتفاق باريس بات المخرج الوحيد لانعتاق الاقتصاد الفلسطيني ولنجاح أي سياسة تنموية مستدامة، علماً أن اتفاق باريس في أساسه باطل وفاقد للشرعية ومخالف للقانون الدولي لأنه اتفاق مفروض من دولة احتلال على شعب محتل أرضه، ويشكل أحد أدوات السيطرة الاستعمارية ومساعي الضم للدولة القائمة بالاحتلال. ما يتطلب خطوة جريئة بالإعلان عن وقف العمل بهذا الاتفاق، وفحص جميع البدائل والخيارات المطروحة لبناء اقتصاد صمود.
خطوة أخرى لا بد منها وتتمثل بتخلي السلطة والحكومة عن حيادها السلبي إزاء السوق والأسعار، وعدم الانصياع لوصفات البنك الدولي المنحازة لصالح رأس المال والقطاع الخاص، واستعادة دورها ومصداقيتها بالتمسك بحقها وواجبها في التدخل بتنظيم السوق ودراسة احتياجات التنمية، ومنع الاحتكار والرقابة على الأسعار، ووضع حد للتهرب والاحتيال الضريبي الذي يمارسه رأس المال بتواطؤ مع أصحاب الامتيازات وبعض الجهات المتنفذة في السلطة، لوضع حد لتدهور مستويات المعيشة لأوسع الطبقات والشرائح الاجتماعية وللتقدم بحلول فعلية لمشكلات الشباب وآلاف الخريجين العاطلين عن العمل.
إن الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تمارسها سلطات الاحتلال ليست جديدة، بل تبرز في كل منعطف وبحدة أكبر الآن، مع التمسك بموقف الإجماع الوطني الفلسطيني بالذهاب إلى الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين وحدودها على جميع أراضيها المحتلة عام 67 وعاصمتها القدس العربية، وللمطالبة بالاعتراف بعضويتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنها خطوة ضرورية لتدويل حقوقنا الوطنية وحشد الدعم الدولي الضاغط على حكومة الاحتلال لإنهاء احتلالها لأراضي الدولة الفلسطينية، ولتصعيد المقاومة الشعبية لمخططات الاحتلال، والتي يجب أن تترافق مع توفير عوامل الصمود للمجتمع الفلسطيني وهو يخوض معركة الحرية والاستقلال.
ذلك هو الهدف وتلك هي الوظيفة الأساس التي ينبغي أن تتكيف معها السلطة والحكومة وتستعد لها في قادم الأيام.
*عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ـ رام الله

شاهد أيضاً

سوريا ستكون مقبرة الديكتاتور التركي بقلم : يوسف أيوب

سوريا ستكون مقبرة الديكتاتور التركي بقلم : يوسف أيوب كما كانت مصر دوماً مقبرة للغزاة، …