
دروس من كنيست العدو : كيف تقيد رئيس وزرائك قبل أن يقيدك ؟ ، بقلم : أ . منال رمضان الصفدي
في العُرف العربي المتوارث ، العدو هو كائنٌ يُشتم في افتتاحيات الصحف ، وتُحرق صوره في الميادين ، وتُلعن سياساته على المنابر ثم يُحظر تماماً التفكير في “كيف نجح هذا الملعون في إدارة عصابته كل هذه العقود ؟” .
ثقافة الإنكار هذه جعلتنا نكتفي بشتم الكنيست الإسرائيلي من الخارج ، بينما نمارس في الداخل طقوساً سياسية تجعل من اي مجلس برلماني عربي مجرد كورال جماعي “مهمته الوحيدة التصفيق للزعيم حتى تلتهب الأكف” .
لكن إذا نحينا الشتائم جانباً للحظة ومارسنا فضيلة ” الوقاحة التحليلية ” : ماذا لو نظرنا إلى ماكينة الخصم لنرى كيف تُدار ؟ الحقيقة الصادمة أن اسرائيل لم تبن تفوقها بأسلحة واشنطن وحدها بل بنظام سياسي برلماني صارم ومحكم ، بحول دون أن يستقيظ رئيس وزرائها يوماً ليقرر بمزاجه الشخصي حل البرلمان أو نفي المعارضة أو تمديد ولايته إلى يوم يبعثون .
قد يبدو العنوان للوهلة الأولى صادماً أو مستفزاً للقارئ ، وربما يثير استهجاناً مشروعاً حول جدوى الالتفات إلى مؤسسات كيان نخوض معه صراعاً وجودياً .
غير أن المتابع الحصيف لما شهدته الأشهر السابقة من استعدادات داخل معسكر الخصم لخوص الانتخابات ، والمدقق في نصوص قوانين الأساس ” يٌقصد بالدستور ” ولوائح الكنيست الإسرائيلي ، يكتشف مفارقة يصعب تجاهلها ؛ فالنظام السياسي للعدو لم يُبنَ ليترك رقبة الدولة ومصيرها رهينة لنزوات شخص واحد .
بل على العكس تماماً كشفت القراءة الهادئة لتلك المنظومة عن شبكة بالغة التعقيد من القيود والاشتراطات الدستورية التي تقيد يد رئيس الوزراء منذ لحظة ترشيحه وتجرده من رفاهية الاستفراد بالقرار وتلزمه بالعودة الغجبارية إلى البرلمان في كل خطوة ومفصل استراتيجي .
إن دراسة ماكينة الخصم التنظيمية ليست ترفاً نظرياً ولا انبهاراً به ، بل هي ضرورة لتفكيك أسباب قدرته على إدارة أزماته ، في مقابل اخفاقاتنا المتكررة في بناء مؤسسات حكم تقيد السلطة التنفيذية بدل أن تُطلق يدها على بياض
“الخصم التنظيمية ليست ترفاً نظرياً ولا انبهاراً به، بل هي ضرورة لتفكيك أسباب قدرته على إدارة أزماته، في مقابل إخفاقاتنا المتكررة في بناء مؤسسات حكم تقيّد السلطة التنفيذية بدل أن
تطلق لها العنان بلا رادع .
الكنيست : السيرك الذي يحكم القبيلة
يبدو الكنيست من الخارج كانه سوق خضار صاخب ؛ نواب يصرخون ، ائتلافات تولد في الصباح وتُدفن في المساء ،وأحزاب ٌمجهريةتبتز رؤساء حكومات عتاة . ومع ذلك يعمل هذا السيرك وفق معادلة قاتلة : التمثيل النسبي الصارم .
في هذا النظام ، الدولة دائرة انتخابية واحدة ولاصوت يُرمى في البحر .
النتيجة ؟ لا يستطيع أي جنرال أو زعيم تاريخي أن يدّعي أنه “يمثل الشعب بأكمله ” . الجميع يعرف وزنه بالمليمتر البرلماني .
المفارقة المضحكة المبكية تظهر حين نقارن هذا بالواقع الفلسطيني والعربي ؛ حيث يُعامل المجلس التشريعي إما كمعضلة يجب تفاديها ، أو كأداة يتم تعطيلها بمرسوم ، أو كحلبة صراع صفري ينتهي بانقسام جغرافي وسياسي دامٍ .
في دولة الخصم ، يكره السياسيون بعضهم حتى النخاع ، لكنهم مرغمون على الجلوس تحت سقفٍ واحد ؛ لأن أحداً منهم لايملك تفويضاً إلهياً ولان بقاء رئيس الحكومة معلق بورقة تصويت قد يسحبها نائب مغمور في أي لحظة .
“فن تقييد رئيس الوزراء ” : لا ثقة حتى تُثبت العكس
في نظامنا السياسي التقليدي ، يأتي رئيس الوزراء كهدية من السماء (أو بمرسوم رئاسي محصن ) ويبقى جاثماص على صدور العباد حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا .أما عند الخصم : فإن منصب رئيس الوزراء يشبه الجلوس على كرسي كهربائي مربوط بمؤقت زمني دقيق فلا أحد يحكم بمفرده : لايوجد شيء اسمه ” أنا ربكم الأعلى ” على المرشح أن يطوف على الأحزاب طالباً الرضا ، ليجمع 61 صباً برلمانياً يضمنون له مجرد الدخول إلى مكتبه .
سيف التوقيت : أمام المكلف 28 يوماً ، فإن تلعثم أو فشل ، يُسحب منه التفويض ويًلقى به على قارعة الطريق اسياسي ليُكلف غيره أو يُحل البرلمان تلقائياً وتُعاد الانتخابات . تخيلوا هذا المشهد لدينا : مسؤول يُعطى شهراً واحداً للإنجاز أو يرحل ، بدلاً من عقود من دراسة الملفات المشتركة !
حجب الثقة البنَّاء : لا تسقط حكومة لمجرد النكاية ، بل بشرط أن يمتلك الخصوم بديلاً جاهزاً بالأغلبية ذاتها . أنها ديمقراطية الشك المتبادل ؛ حيث الجميع يراقب الجميع ، والرقابة البرلمانية على الأمن والمال ليست مجرد رفاهية ، بل خناق حول عنق السلطة التنفيذية.
لجان الرقابة : أين يرتجف الجنرالات؟
أخطر مافي الكنيست ليس خطابات نوابه الاستعراضية ، بل لجنة الخارجية والامن في تلك الغرف المغلقة ، يجلس قادة الجيش وأجهزة الاستخبارات والموساد كالتلاميذ أمام نواب قد لا يفقهون في العسكرة شيئاً ، ليجيبوا عن كل قرش أنفق ، وكل خطة وُضعت ، وكل إخفاق ميداني أُرتكب وإذا ما قارنا هذا بمجالسنا التي لا تجرؤ على سؤال أصغر ضابط أمن عن سبب شراء سيارة دفع رباعي جديدة ، ناهيك عن مساءلته عن استرايجية مواجهة أو إخفاق وطني .
لقد جعل العدو برلمانه جهاز تدقيق ومحاسبة لا يرحم، بينم حوَّلنا نحن مؤسساتنا التمثيلية إلى ملحقات إدارية تُستدعى فقط للمباركة وإعلان الولاء .
الدرس المحرم: نزع السلاح السياسي للخصم
ليست الدعوة لدراسة نموذج الكنيست إعجاباً بكيان استعماري قائم على سلب الحقوق بل إدراكاً لقاعدة حربية قديمة : إذا أردت هزيمة عدوك ، فلا تقاتله بأدواتك التي فشلت بل افهم كيف بنى أدواته التي تفوقت.
إن تأسيس مجلس تشريعي حقيقي يستلهم فكرة التمثيل النسبي الصارم وآليات التكليف البرلماني ليس ترفاً نظرياً بل هو العلاج الوحيد لمرض الاستئثار بالسلطة الذي ينخر الجسد الوطني فمن دون برلمان يملك صلاحية إسقاط رؤساء الحكومات وإجبارهم على التوافق ستظل ساحتنا تدور في فلك الانقسام وتوريث المناصب ، وسيبقى العدو متفوقاً في معركة المؤسسات ، بينما نكتفي نحن بتسجيل بلاغات الشجب والاستنكار .
إن تفكيك بنية الخصم ليس انبهاراً به بل استيعابا لنواميس الصراع ؛ فالشعوب لا تنتصر بالندب بل ببناء مؤسسات تفوق مؤسسات عدوها صلابة ولعل المفارقة الأكثر بلاغة أن إخواننا عرب الداخل كانوا أكبر مثال لممارسة الديمقراطية الواعية بأدوات برلمانية صلبة داخل عقر دار العدو بينما لا نزال نُحرم نحن من مجرد الاقتراع ومساءلة حكامنا .
لقد بنى الخصم قفصاً مؤسسياً يحبس فيه غرور قادته ويُخضع جنرالاته للمحاسبة ، بينما نصنع نحن عروشاً يُعامل فيها المسؤول كقدر محتوم وإن أردنا يوماً كسر قيود الاحتلال فأول الدرب يبدأ بكسر قيود الاستبداد الذاتي .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.