3:10 مساءً / 30 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

انتخابات الكنيست تكشف عمق الأزمة في دولة تبحث عن هوية ، بقلم : تيسير خالد

انتخابات الكنيست تكشف عمق الأزمة في دولة تبحث عن هوية ، بقلم : تيسير خالد

جاءت الانتخابات الأخيرة للكنيست تطرح على المجتمع اليهودي في اسرائيل تحديات لم يعهدها من قبل ، تحديات تعكس صراعا متصاعداً بين معسكرات لكل منها رؤيته لنظام الحكم وهوية الدولة . لم يعد من المسلم به ان هوية دولة اسرائيل ليبرالية وديمقراطية (على الأقل لليهود من سكانها) وهي هوية يدافع عنها معسكر الوسط واليسار ( الصهيونيين ) والشرائح العلمانية ، الذين يرون أن مستقبل الدولة يعتمد على الحفاظ على مؤسسات القضاء، وفصل السلطات، والمساواة المدنية ، بصرف النظر طبعا عن التشريعات التمييزية ضد مواطني الدولة من الفلسطينيين . لفترة طويلة، كان هذا هو القاسم المشترك ، الذي يوحد مؤسسات المجتمع الإسرائيلي (الأمن، الجيش ، والمؤسسات الرسمية). هذه الأيام كشفت الانتخابات والاستقطاب الحاد عن تفتت هذا الإجماع ، حيث برز على الساحة وفرض نفسه بقوة عليها معسكر جديد بتوجهات جديدة يدفع بها اليمين القومي والديني المتشدد (الحريديم والصهيونية الدينية)، وهو يمين يعتبر أن مصلحة ” أرض وشعب إسرائيل ” على حد تعبيره ، تفوق أي اعتبارات أخرى، وبدأ يترجم ذلك في تشريعات تعزز الطابع الديني والقومي ( الزائف ) للدولة ، ويرى في النخب القضائية والأمنية والعلمانية “دولة عميقة” تُعطل إرادة الأغلبية على حد تقديره ، فيما يرى معسكر اليسار والوسط الصهيوني ومعم العلمانيون غير الصهيونيين في صعود هذا اليمين المتطرف والحريديم خطراً يقود الدولة نحو ” الثيوقراطية ” ( الحكم الديني ) والفاشية في آن واحد ، ويهدد الاقتصاد والأمن القومي

هذا الاستقطاب الحاد لم يأت فجأة ولم يأت من فراغ ، هو عملية تراكمية كانت تجري على امتداد أعوام ، وظهر بوضوح في أزمة التعديلات القضائية ، التي بدأها نتنياهو بعد انتخابات الكنيست الخامس والعشرين عام 2022 . أزمة التعديلات القضائية تلك لم تكن مجرد خلاف قانوني حول صلاحيات المحكمة العليا، بل كانت محاولة لإعادة صياغة هوية الدولة، ونزع الشرعية عن آخر معاقلها الليبرالية (القضاء) ، الأمر الذي دفع إلى احتجاجات غير مسبوقة وانقسام عميق وصل إلى صفوف الجيش والأجهزة الأمنية . وبالفعل جاءت انتخابات الكنيست الأخيرة قبل أيام تؤكد أن الأزمة في إسرائيل تتجاوز بكثير كونها أزمة نظام حكم أو صراعاً تقليدياً على السلطة بين الأحزاب، لتلامس جوهر “هوية الدولة” ومستقبل عقدها الاجتماعي والعلاقة بين مؤسساتها الرسمية .

وبالعودة قليلا الى الوراء ، لا بد من التذكير بأن الازمة عاشت سنوات في حالة من الكمون بين المكونات الديموغرافية والاجتماعية القائمة في اسرائيل . وقد جاءت الانتخابات تعكس صراعاً بين “قبائل” مجتمعية مختلفة ، على حد تعبير الرئيس الإسرائيلي الأسبق رؤوفين ريفلين في خطاب له في مؤتمر هرتسليا السنوي الخامس عشر للمناعة القومية والسياسية ،عام 2015 قسّم فيه المجتمع إلى “قبائل” رئيسية تتصارع حول هوية الدولة ، بين العلمانيين والليبراليين ، الذين يتركزون في المركز الاقتصادي (تل أبيب) ويتحملون العبء الأكبر من الضرائب والخدمة العسكرية ، وبين الحريديم (المتدينون المتشددون الأرثوذكس) الذين يشهدون نمواً ديموغرافياً سريعاً، ويطالبون بالاستثناء من الخدمة العسكرية وبالمزيد من الدعم المالي الحكومي لمدارسهم الدينية ، يضاف إليهم ” الصهيونية الدينية/المستوطنون ” الذين يحملون أيديولوجيا توسعية ويريدون حسم الصراع مع الفلسطينيين وضم الضفة الغربية. وإلى جانب هذه ” القبائل ” على حد وصف رؤوفين ريفلن ، هناك المواطنون العرب (فلسطينيو الداخل) الذين يجدون أنفسهم يعيشون في هامش دولة تعرّف نفسها رسمياً بأنها “دولة قومية للشعب اليهودي” (وفق قانون القومية لعام 2018)، الأمر الذي زاد في تعميق أزمة الهوية والمواطنة لديهم .

هذا على المستوى الحقوقي والقانوني ، الأزمة واضحة . كما هي واضحة كذلك أزمة العقد الاجتماعي والديمقراطية . هنا لم تعد الصراعات مجرد برامج اقتصادية أو أمنية، بل تحولت إلى نقاش جذري حول شكل المؤسسات القضائية، وصلاحيات الكنيست، وطبيعة الدولة (دينية أم مدنية/يهودية ديمقراطية بمفهومها الليبرالي التقليدي)، خاصة بعد التعديلات الدستورية والصراعات التي سادت السنوات الأخيرة. وبدأت تتشكل في الأفق على هذا الأساس بوادر الأزمة المركبة بتصدع التماسك الوطني وهجرة الكفاءات . وقد أظهرت عديد التقديرات والتقارير أن نسبة ملحوظة من الناخبين الإسرائيليين باتت تفكر في الهجرة ومغادرة البلاد نتيجة تفاقم الانقسامات السياسية والشعور بانعدام اليقين الأمني وتصدع العقد الاجتماعي ، الذي حاولت الدولة الحفاظ عليه على امتداد سنوات مضت .

من داخل هذا الإطار وليس من خارجه يمكن النظر بموضوعية في الأزمة ، التي تعصف بإسرائيل والتي جاءت الانتخابات الأخيرة للكنيست تقدمها ، ليس باعتبارها أزمة سياسية عابرة أو أزمة نظام حكم أو حتى أزمة تشكيل حكومة ، بقدر ما هي أزمة دولة تتخبط وتبحث عن هوية . موقع الليكود في هذه الأزمة يدعو للرثاء ، بعد ان تحول إلى وعاء يحتوي ليس فقط اتجاهات علمانية كما كان حاله في عهد بيغن وشامير وشارون وأولمرت ، بل وكذلك ، وعلى يد نتنياهو ، إتجاهات قريبة للغاية من ” الصهيونية الدينية ” بعد أن غزت بعملية التفافية احتيالية مؤسسات حزب الليكود . يعرف الجميع درجة ” القرابة ” السياسية بين عدد من برلمانيي حزب الليكود وبرلمانيي حزبي سموتريتش وبن غفير ، هؤلاء البرلمانيين في حزب الليكود يصلون الى الكنيست بفعل انتساب أعداد كبيرة من قواعد الصهيونية الدينية وقوة يهودية الى صفوف الليكود على أبواب انتخاباته التمهيدية للكنيست ، هذه الأعداد تشارك في هذه الانتخابات التمهيدية ولكن عند صندوق الاقتراع في الانتخابات تعود الى قواعدها الأصلية . نتنياهو يدرك ذلك ويتعايش معه ، ويتعايش كذلك مع سموتريتش وبن غفير في حكومة توفر له حصانة مؤقتة من المساءلة والمحاسبة .

سياسة التحالف مع زعماء الفاشية العارية مثل سموتريتش وبن غفير ، لا تشكل مصدر قلق بالنسبة لنتنياهو ، طالما أن هذه السياسة توفر له البقاء في السلطة والتهرب من المساءلة والمحاسبة . كما لا تشكل له مصدر حرج سياسة التحالف مع أحزاب الحريديم ، حتى لو الحقت هذه السياسة ضررا بما يسمى العقد الاجتماعي للدولة مع مواطنيها . والأخطر من ذلك ، فإن سياسة التمييز العنصري في علاقته مع المجتمع العربي ومكوناته السياسية والاجتماعية تحولت الى ركن رئيسي في تفكيره وسلوكه ، ولهذا يتمسك بكل قوة بسياسة تدعو الى إقصاء ممثليهم في الكنيست عن المشاركة في الحياة السياسية ، فهو يريدهم مجرد ” ديكور ” للدولة ” الديمقراطية الوحيدة ” في الشرق الأوسط ، ويفرض على دورهم في هذه الحياة السياسية ” فيتو ” ويضغط بكل قواه لتحويل ذلك الى سياسة رسمية معلنة على جميع القوى السياسية اليهودية في الدولة الامتثال لها ، باعتبارها الوسيلة المفضلة للحفاظ على السلطة ، سلطته هو وليس غيره .

وفي هذا الصدد جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة للكنيست تضع العقدة في المنشار . بقي حزب الليكود اكبر الاحزاب في الكنيست ، ولكنه خسر عددا من المقاعد التي كان يحتلها في الكنيست السابق وهبط تمثيله من 32 الى 27 مقعدا ، مثلما هبط تمثيل معسكره من 68 الى 53 مقعدا . في الدول الطبيعية تتشكل الحكومات بتحالفات بين الكتل البرلمانية تحكمها اعتبارات سياسية ، أما في اسرائيل فتشكيل الحكومات لا تحكمه الاعتبارات السياسية وحدها ، بل اعتبارات من نوع مختلف ، من بينها اعتبارات تقوم على الاقصاء من الحياة السياسية لقسم وازن يشكل 20 بالمئة من السكان اعطته نتائج الانتخابات 19 مقعدا في الكنيست . وقد نجح نتنياهو حتى الآن في ذلك وفرض حتى على المعارضة بكل أطيافها ، باستثناء حزب ” الديمقراطيون ” الدخول في لعبة الإقصاء هذه .

ولكن ماذا يعكس رفض المعسكرين اي تحالف مع القوائم العربية من الناحيتين السياسية والقانونية إن رفض المعسكرين السياسيين الرئيسيين في إسرائيل ( حتى الآن ) الإئتلاف مع القوائم العربية يعكس بوضوح عمق أزمة الهوية التي تواجهها الدولة، ويحمل دلالات بنيوية عميقة من الناحيتين السياسية والقانونية . فمن الناحية السياسية يعكس هذا الرفض تحولات جوهرية في المشهد السياسي، تتركز حول مفهوم “الشرعية السياسية” حيث يُظهر الرفض أن الصوت العربي لا يزال يعامل في الفضاء السياسي الإسرائيلي كصوت “غير شريك” في صياغة السياسة ، وهذا يمثل تراجعاً وارتداداً عن المقاربة البراغماتية الينيمة ، التي كانت في حكومة (بينيت-لابيد) السابقة، والتي شاركت فيها “القائمة العربية الموحدة” (الحركة الإسلامية الجنوبية) وهذا بحد ذاته يضع المواطنين العرب وقوائمهم أمام خيارات سياسية صعبة ، خاصة إذا نجح نتنياهو في تحويل المشاركة في الانتخابات البرلمانية إلى أداة للاحتجاج دون القدرة الفعلية على التأثير في السياسات ، الأمر الذي من شأنه إذا اختلت الحسابات ان يدفع الى الاحباط ، فحسب تقديرات نتنياهو ، فإن الإحباط السياسي يمكن أن يدفع شرائح من فلسطينيي الداخل نحو مقاطعة الانتخابات ، وهو امر في غاية الخطورة ولا أظن ان القوى السياسية العربية لا تدرك خطورة ذلك ، خاصة بعد النجاحات الباهرة التي حققتها في الانتخابات .

أخيرا ، فإن رفض المعسكرين الائتلاف مع القوائم العربية يلخص جوهر أزمة الدولة التي تبحث عن هوية؛ فهو يثبت أن النظام السياسي ، الذي يريده نتنياهو يستسهل العيش في شلل دستوري وانتخابات تتكرر واستقطاب داخلي مأوزم ، ولا يقبل بصيغة سياسية تمنح الأقلية العربية دوراً سياسيا من خلال الانتخابات . على ان هذا السلوك من شأنه أن يضع الحكومات الغربية التي تدافع عن إسرائيل تحت حرج شديد أمام برلماناتها وشعوبها ، إذ يصبح من الصعب تسويق الدعم لدولة تقصي خمس سكانها علناً من دائرة ” الشرعية السياسية ” ، كما أنه يصعب على الدول العربية (المطبعة أو التي تفكر في التطبيع) تبرير علاقاتها مع منظومة سياسية تتبنى خطاباً يمينياً صريحاً في عدائه للعرب .

شاهد أيضاً

مستوطنون يعتدون على قاطفي الزيتون شمال بروقين

مستوطنون يعتدون على قاطفي الزيتون شمال بروقين

شفا – اعتدى مستعمرون، اليوم الجمعة، على مزارعين من قاطفي الزيتون في منطقة الودات شمال …