
قرية أطفال غزة.. حين تجد نساء الخيام مساحة للبوح والتعافي، بقلم : شريف الهركلي
على مشارف بحر غزة، في مواصي خانيونس، وتحديدًا في فش فرش، قادتني خطواتي إلى المركز النسائي التابع لقرية أطفال غزة، حيث تحاول الحياة استعادة شيء من دفئها بين الخيام، وتجد النساء مساحة آمنة لالتقاط الأنفاس بعد أن أنهكتهن الحرب وأثقلت أرواحهن أوجاع النزوح والفقد والحرمان.
هناك، في مكتب متواضع داخل خيمة، التقيت الدكتورة شيماء أبو حمره، مديرة المركز النسائي، وتحدثنا عن البرامج والأنشطة التي يقدمها المركز للنساء، في محاولة لترميم ما خلّفته الحرب من جروح نفسية واجتماعية، وإعادة بناء جسور التواصل والأمل.
وجلست في الخيمة مع الأستاذة هيام، الإنسانة التي يليق بها وصف الملاك؛ تحلّق بروحها في فضاءات المراكز النسائية، حاملةً رسالة العطاء والاحتواء، ومؤمنةً بأن المرأة التي أنهكتها الحرب تحتاج إلى قلب يسمعها، ويد تمتد إليها، ومساحة تستعيد فيها شيئًا من ذاتها. كان في حضورها ما يتجاوز الكلمات؛ دفء إنساني يخفف قسوة المكان، ويمنح الحكايات الموجوعة فرصة لأن تُروى دون خوف أو خجل.
استوقفني برنامج أسبوعي يحمل اسم «حلقات نسائية»، وهو مساحة إنسانية دافئة، تجتمع فيها النساء داخل خيمة ذات قبة، وتدير جلساته الدكتورة شيماء أبو حمره، لتمنح المشاركات فرصة للتعبير بحرية عن مشاعرهن وتجاربهن. هنا، تتكلم الذاكرة، وتخرج الشكوى من صمتها، وتجد الدموع طريقها إلى العيون، فيما تتقاطع الحكايات بين وجع الماضي وقسوة الحاضر وأحلام المستقبل.
إنها جلسات للتفريغ النفسي والفضفضة، وتبادل الخبرات والمشورة، وتقديم ما يتاح من مساعدة ودعم. وفي هذا الفضاء، لا تكون المرأة مجرد مستمعة، بل شريكة في الحكاية، تجد من يصغي إليها ويشعر بمعاناتها، ويمنحها إحساسًا بأنها ليست وحدها في مواجهة الحياة.
والأجمل أن بعض النساء يغادرن الحلقة بابتسامة أكثر اتساعًا، وكأنهن أزحن عن صدورهن شيئًا من ثقل الأيام. تخرج إحداهن وقد استعادت قدرتها على الحديث والضحك، وتقول: «شكرًا»، في كلمة تختصر قيمة الاحتواء حين يصبح الإصغاء فعلًا إنسانيًا، وتغدو المشاركة بابًا نحو التعافي.
وفي قلب هذه التجربة، تقف رينا (Rina)، مسؤولة المركز النسائي، ومنظِّمة دقات قلب برامجه؛ تتابع تفاصيل العمل وتنسج خيوط التواصل بين النساء، لتبقى الحلقات نابضة بالحياة رغم قسوة الواقع. إنها لا تدير مكانًا فحسب، بل تسهم في صناعة مساحة تشعر فيها المرأة بأن صوتها مسموع، وأن حكايتها تستحق الإصغاء، وأن خلف ستائر الخيمة قلبًا يتسع لوجعها وأحلامها.
وفي خلفية هذا العمل، يبرز الدكتور ديفيد حسن، الطبيب والإنسان الفلسطيني المقيم في أمريكا، الذي يعزف على أوتار قرية أطفال غزة ومراكزها النسائية الأربعة وأكاديمية الأمل التعليمية، واضعًا الإنسان واحتياجاته في صدارة الاهتمام، ومؤمنًا بأن العطاء الإنساني لا تحدّه المسافات، وأن دعم أطفال غزة ونسائها استثمار في الحياة والأمل، ومحاولة لترميم ما خلّفته الحرب من جراح في النفوس والذاكرة.
إن هذه المبادرات ليست أنشطة عابرة في حياة النازحات؛ إنها نوافذ يطللن منها على الحياة بعيدًا عن ضوضاء الحرب، ومساحات تعيد إلى الروح بعض توازنها وإلى القلب شيئًا من طمأنينته.
فالحرب لا تدمّر البيوت وحدها، بل تترك ندوبًا في النفوس والذاكرة. ومن هنا، تصبح حلقات النساء أكثر من جلسات للبوح؛ إنها رسالة تقول إن التعافي يبدأ حين نجد من يسمعنا، وإن الأمل قد يولد حتى في خيمة، ما دام هناك من يؤمن بأن الإنسان يستحق الحياة والكرامة والأمان.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.