
مراكب الموت… أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان بين حلم أوروبا وغياب المشروع الوطني ، بقلم: أحمد سليمان
أيّ مأساة أشدّ من أن يصبح البحر، بكل ما يحمله من مخاطر الموت، أملًا أخيرًا لأبناء شعب ما زال ينتظر العودة إلى وطنه؟
من المخيمات الفلسطينية في لبنان، يخرج شباب وعائلات نحو المجهول، يحملون أحلامهم على مراكب متهالكة، هربًا من الفقر وانسداد الأفق. إنها مفارقة موجعة أن يجد أحفاد الذين هُجّروا من فلسطين عام 1948 أنفسهم أمام خطر الغرق بحثًا عن حياة كريمة في أوروبا، بينما تتراجع أوضاع المخيمات ويغيب المشروع الوطني القادر على حماية مستقبل أجيالها.
المخيمات وغياب المشروع الوطني
لم تكن المخيمات الفلسطينية مجرد أماكن للجوء، بل شكّلت على مدى عقود حاضنة للهوية الوطنية، ورافدًا أساسيًا للحركة الوطنية الفلسطينية، وشاهدًا حيًا على النكبة وحق العودة.
لكن تراجع الاهتمام بأوضاع اللاجئين وغياب رؤية وطنية واضحة تجاه مستقبلهم أضعفا دور المخيمات، وحوّلا معاناة سكانها إلى ملف يُستحضر في المناسبات ويغيب عن الأولويات العملية.
فلا يمكن الحديث عن مشروع وطني فلسطيني متكامل بينما يُترك جزء أساسي من الشعب الفلسطيني يواجه الفقر والبطالة والتهميش دون برامج جدية تحمي مستقبله.
مراكب الموت… نتيجة لانسداد الأفق
لا تقتصر أسباب الهجرة على الأزمة الاقتصادية اللبنانية والقيود المفروضة على العمل والتملك، بل تمتد إلى ضعف البرامج الفلسطينية الموجهة للشباب وغياب البدائل الاقتصادية والاجتماعية.
ومع كل حادثة غرق، تتكرر بيانات التعزية والإدانة، فيما تبقى الأسباب التي تدفع العائلات إلى البحر دون معالجة. فشبكات التهريب تستغل اليأس، لكن مواجهة المهربين وحدها لن تمنع تكرار المأساة.
إن مراكب الموت ليست مجرد أزمة هجرة، بل إنذار بفقدان جيل فلسطيني ثقته بمستقبله.
الهجرة لا تلغي حق العودة
إن البحث عن الأمان في أوروبا لا يعني التخلي عن فلسطين. فالهوية الوطنية لا ترتبط بمكان الإقامة، وحق العودة لا يسقط بالهجرة أو اكتساب جنسية أخرى.
لكن استمرار رحيل الشباب والكفاءات يهدد بإضعاف الدور الاجتماعي والوطني للمخيمات، ويجعل الحفاظ على ارتباط الأجيال الجديدة بقضيتها ضرورة ملحّة.
فالمخيم ليس وطنًا بديلًا، والتمسك بحق العودة لا يعني مطالبة اللاجئ بتحمل الحرمان إلى ما لا نهاية.
المطلوب قرارات لا بيانات
تقع على منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل والمؤسسات المعنية مسؤولية إعادة المخيمات إلى صلب الأولويات، من خلال تخصيص موازنة واضحة لدعم الشباب والعائلات الأكثر احتياجًا، وإنشاء صندوق لتمويل المشاريع الصغيرة والتأهيل المهني، يخضع للرقابة والمساءلة.
كما ينبغي تشكيل لجنة فلسطينية تضم ممثلين عن المخيمات والمؤسسات والفعاليات الشبابية، تتولى إعداد خطة تنفيذية خلال ستة أشهر، بمشاريع محددة وجداول زمنية معلنة.
ويتطلب الأمر حوارًا جديًا مع الدولة اللبنانية لتحسين الحقوق المدنية والاقتصادية للاجئين، وضمان استمرار خدمات الأونروا، وتوسيع المنح الدراسية وفرص التدريب والعمل، إلى جانب إشراك الجاليات الفلسطينية في أوروبا في دعم هذه البرامج.
لا يكفي أن نطالبهم بالصمود
إن المخيمات ليست عبئًا على المشروع الوطني الفلسطيني، بل جزء أصيل من تاريخه ومستقبله. وإهمال سكانها لا يهدد أوضاعهم المعيشية فحسب، بل يضعف إحدى الركائز الأساسية للقضية الفلسطينية.
لقد آن الأوان لمحاسبة السياسات التي أبقت قضية اللاجئين حاضرة في الخطابات وغائبة عن خطط التنمية والحماية الاجتماعية.
فلا يجوز أن نطالب أبناء المخيمات بالتمسك بحق العودة، ثم نتركهم يواجهون الموت بحثًا عن الحياة.
المطلوب أن تتحمل القيادة الفلسطينية مسؤولياتها بقرارات وموازنات وبرامج قابلة للتنفيذ، لا بمزيد من الوعود. فحق العودة لا يتعارض مع حق اللاجئ في الكرامة، وحماية المخيمات تبدأ بحماية الإنسان الفلسطيني فيها.
أحمد سليمان
رئيس المركز السويدي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.