2:46 مساءً / 30 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك في ضوء مبادرة الحضارة العالمية ، بقلم : جيانغ يينغ

بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك في ضوء مبادرة الحضارة العالمية ، بقلم : جيانغ يينغ

تتمحور مبادرة الحضارة العالمية حول “الدعوات المشتركة الأربع”، وهي: الدعوة إلى احترام تنوع الحضارات في العالم، وإعلاء القيم المشتركة للبشرية جمعاء، وإيلاء الأهمية لاستمرارية الحضارات وابتكارها، وتعزيز التبادلات والتعاون الدولي في المجالات الثقافية والإنسانية. وتشكل هذه المبادرة حكمة نظرية ومنتجا عاما تقدمهما الصين للعالم بعد طرحها مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي. وتُعدّ الدول العربية شريكا مهما للصين في دفع ممارسة مبادرة الحضارة العالمية. بعد أن طرح مفهوم المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك لأول مرة في عام 2014، ارتقت العلاقات الصينية العربية من علاقات التعاون الاستراتيجي إلى علاقات الشراكة الاستراتيجية، وأصبحت نموذجا رائدا لدول الجنوب العالمي في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

أولا، تقدّم مبادرة الحضارة العالمية توجيها قيميا للمجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك:

تقدم مبادرة الحضارة العالمية توجيها نظريا لبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك، ويرجع ذلك جوهريا إلى أنها حققت تجاوزا منهجيا للنموذج الغربي المهيمن في السرد الحضاري. تفكّك مبادرة الحضارة العالمية التفكير الثنائي القائم على مبدأ “إما هذا أو ذاك”، وتوفّر سندا نظريا للحوار المتكافئ بين الحضارتين الصينية والعربية. فمنذ انتهاء الحرب الباردة، ظلّت “نظرية صراع الحضارات” مهيمنة على الخطاب الغربي، إذ شوّهت تنوع الحضارات وفسرته بأنه تصادم الحضارات. لكن هذا الطرح زائف في جوهره، فالصراع لا ينبع من الحضارات ذاتها، وما يُسمّى اليوم بـ “صراع الحضارات” غالبا ما يكون صراع مصالح بين تكتلات جيوسياسية. إنّ التفاعل السلمي الطويل الأمد بين الحضارتين الصينية والعربية دليل على أنّ الحضارات لا تتصادم حتما. فضلا عن ذلك، تقوم مبادرة الحضارة العالمية على التوازن والتناغم بين الذاتية الثقافية والقيم المشتركة للبشرية جمعاء. تُعدّ الذاتية الثقافية جذور الأمة، ويشكّل التمسك بها ضمانة لحماية الأمة من الاستعمار الثقافي وصون سيادتها الثقافية. وتدعو المبادرة إلى الانتقال من “لكل جماله الخاص” إلى “الجمال المشترك للجميع”، وتحث على بلورة توافق قيمي وصون تنوع الحضارات، عبر الحوار المتساوي والتبادلات والاستفادة المتبادلة بين الحضارات المختلفة. وعلاوة على ذلك، تضفي مبادرة الحضارة العالمية على التنمية العالمية دفء التعاون. ويقتضي بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك تعاون الجانبين في مجالات عدة، من بينها التنمية والأمن والحضارة والحوكمة. ويسهم الحوار الحضاري في تضييق الفجوة المعرفية، وإرساء قاعدة متينة من الثقة للتعاون العملي.

ثانيا، تشكل تقاليد التبادل الصيني العربي دعما عميقا للمجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك:

إن المنطق التاريخي لبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك يتجذر بعمق في مسيرة التفاعل بين الأمتين على مدى أكثر من ألفي عام. وقد عاشت الأمتان الصينية والعربية فترات طويلة من الازدهار عبر التاريخ، إذ قادت الحضارة الصينية شرق آسيا حتى آسيا كلها، كما أسهمت الحضارة العربية الإسلامية إسهاما عميقا في دفع مسيرة التاريخ العالمي، ثم عانتا في العصر الحديث من إذلال وطني. وقد شكلت هذه التجارب المتشابهة والتطلعات إلى النهضة أعمق دافع تاريخي للمجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك. وفي العصور القديمة، أثمر التفاعل والاستفادة المتبادلة بين الأمتين عبر طريقي الحرير البري والبحري عن روح طريق الحرير القائمة على “السلام والتعاون، والانفتاح والتسامح، والتبادل والاستفادة المتبادلة، والمنفعة المتبادلة، والكسب المشترك”. وقد تجلّت الصداقة العميقة القائمة على التضامن والتعاضد بين الأمتين الصينية والعربية بوضوح في الاحترام المتبادل والمساعدة المتبادلة بين الجانبين الصيني والعربي خلال نضالهما ضد الاستعمار والإمبريالية في العصر الحديث، وفي الدعم المتبادل في مؤتمر باندونغ، وفي دعم الدول العربية لاستعادة الصين مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة عام 1971. مع دخول القرن الـ 21، ظل التعاون الصيني العربي في مختلف المجالات يتعمق باستمرار، مجسدا على نحو متزايد سمته البارزة القائمة على المساواة والمنفعة المتبادلة. وفي سياق بناء مجتمع صيني عربي أكثر تماسكا للمستقبل المشترك، يتمسك الجانبان الصيني والعربي بالاستقلال والاعتماد على الذات، ويصونان المصالح المشتركة، ويركزان على التنمية الاقتصادية، ويدفعان التعاون والكسب المشترك، ويحافظان على السلام الإقليمي، ويحققان الأمن المشترك، ويعمقان التبادلات الحضارية، ويعززان التفاهم والثقة، بما يدفع المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك إلى الانتقال من تشابك المصالح إلى التبادل والاستفادة المتبادلة بين الحضارات.

ثالثا، يعدّ التبادل والاستفادة المتبادلة بين الحضارات مسارا عمليا لدفع بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك:

تكمن حيوية مبادرة الحضارة العالمية في التطبيق العملي. وفي السنوات الأخيرة، يواصل الجانبان الصيني والعربي استكشافهما في إنشاء آليات التبادل الثقافي والإنساني، وإنشاء المنصات، وتربية الكفاءات، بما يحوّل فكرة الاستفادة المتبادلة بين الحضارات إلى قوة واقعية لبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك. وفي أكتوبر 2024، انطلقت أعمال “خطة التعاون 10+10 بين الجامعات الصينية والعربية” في شانغهاي ليدفع التعاون بين الجامعات الصينية والعربية نحو المسار المؤسسي. وفي نوفمبر 2025، انعقدت الدورة الـ11 لمؤتمر الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية في بكين، بمشاركة نحو 150 شخصا من قادة الأحزاب والمنظمات السياسية، وممثلي مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام من 22 دولة عربية، إلى جانب ممثلين صينيين. وإلى جانب ذلك، تتزايد منصات التبادل الثقافي والإنساني تنوعا؛ فـ”العام الثقافي الصيني السعودي” و”مشروع المئة مدرسة” لتعليم اللغة الصينية في الإمارات ومشروع الترجمة والنشر المتبادل للكتب الكلاسيكية الصينية والعربية تتقدّم بوتيرة منظمة، كما تتوالى فعاليات “البحث عن سفراء الثقافة الشباب الجزائريين في الصين” ومهرجان شعر الشباب 2026 (الدورة الخاصة بالصين والدول العربية). وهكذا يتحول التبادل الثقافي والإنساني بين الصين والعالم العربي من الدفع الرسمي إلى البناء الشعبي المشترك، بما يحقق التواصل الحقيقي بين قلوب الشعبين. وإن هذه الممارسات العملية الراسخة في مجال الاستفادة المتبادلة بين الحضارتين الصينية والعربية لا ترسّخ فقط القاعدة الشعبية لبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك، بل توفّر أيضا نموذجا حيا لتطبيق مبادرة الحضارة العالمية على أرض الواقع.

خاتمة:

تتسم العلاقة بين مبادرة الحضارة العالمية، والتبادل والاستفادة المتبادلة بين الحضارات، وبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك، بترابط عميق. فالمبادرة توفّر للمجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك إطارا قيميا، فيما يحوّل الجانبان الصيني والعربي فكرة التبادل والاستفادة المتبادلة بين الحضارات إلى قوة واقعية تدفع بناء هذا المجتمع من خلال استكشافاتهما العملية المتواصلة. وفي ظل التحولات غير المسبوقة منذ مئة عام، لا يقتصر بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك على رفاهية شعبي الصين والعالم العربي، اللذين يمثلان نحو ربع سكان العالم، بل يوفّر أيضا لدول الجنوب العالمي نموذجا جديدا ومثالا رائدا للتعاون فيما بين بلدان الجنوب في تحقيق التضامن والتعاون، ومواجهة الصدمات الخارجية، وتعزيز التنمية المشتركة، وسيسهم بمزيد من الحكمة والقوة الصينية العربية في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

*المؤلف: جيانغ يينغ، دكتوراه، محاضر في معهد الدراسات الدولية بجامعة الدفاع الوطني للعلوم والتكنولوجيا.

التمويل: هذا المقال إحدى النتائج المرحلية لمشروع صندوق العلوم للابتكار الذاتي بجامعة الدفاع الوطني للعلوم والتكنولوجيا لعام 2025 (رقم المشروع: 25-ZZCX-ZX-RWSK-28).

نقلاً عن CGTN

شاهد أيضاً

مستوطنون يعتدون على قاطفي الزيتون شمال بروقين

مستوطنون يعتدون على قاطفي الزيتون شمال بروقين

شفا – اعتدى مستعمرون، اليوم الجمعة، على مزارعين من قاطفي الزيتون في منطقة الودات شمال …