3:11 مساءً / 19 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

قراءة نقدية لـقصيدة” انقلاب الزَّمان” للشاعر عبد الرحمن طلب الريماوي ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قراءة نقدية لـقصيدة" انقلاب الزَّمان" للشاعر عبد الرحمن طلب الريماوي ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قراءة نقدية لـقصيدة” انقلاب الزَّمان” للشاعر عبد الرحمن طلب الريماوي

نجح الشاعر في توظيف المقابلات البديعية لإظهار حجم “الانقلاب” في معايير البشر

شعر الحكمة يحتل مكانة بارزة في تجربته الشِّعرية القائمة على ثلاث دوائر متداخلة: العلم الذي بنى العقل، والتعليم الذي خدم به الإنسان، والشعر الذي عبّر به عن الوطن والوجدان


بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي


بين العلم والشعر تقوم خصوصية تجربة الشاعر “عبدالرحمن طلب الريماوي” على اجتماع مسارين قد يبدوان مختلفين في الظاهر: العلوم الفيزيائية والشعر. فقد أمضى جانبًا مهمًا من حياته في تعليم العلوم، والتعامل مع قوانينها ومفاهيمها الدقيقة، وفي الوقت نفسه وجد في الشعر مجالًا للتعبير عن الإنسان والوطن والذاكرة والروح. وهذا الجمع بين الدقة العلمية والحس الأدبي يمثل ملمحًا مميزًا في شخصيته؛ فالعلم عنده وسيلة لفهم العالم، والشعر وسيلة للتعبير عن أثر هذا العالم في الإنسان.


استطاع أن يجمع في مسيرته بين التكوين العلمي والتجربة التربوية من جهة، والشغف باللغة العربية والشعر من جهة أخرى، فكانت تجربته نموذجًا للقاء العلم بالأدب، والعقل بالوجدان.


لقد بدأت مسيرته الشعرية منذ أربعين سنة إلى جانب عمله العلمي والتربوي، فقد كتب الشعر النثري لمدة (15) سنة ثم توقف عن كتابته، ليبدأ في الثمانينيات من القرن الماضي بكتابة القصائد العمودية الجزلة حتى الآن. عرف عبدالرحمن طلب الريماوي نفسه شاعرًا يكتب الشعر العربي الفصيح، ويحرص على أن تكون القصيدة محافظة على أصولها الفنية واللغوية


من خلال متابعتي لشعره المنشور من روائع شِعر الحِكمة، لاحظت مدى تنوع موضوعات شعره بين: الوطن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى،الحرية والكرامة، والقضايا الإنسانية، والحنين إلى الأرض والجذور”بيت ريما” وذاكرة المكان والطفولة، والغربة والفقد والوفاء،والقيم والأخلاق والتأملات الإيمانية. المديح النبوي والشعر الديني، و النقد الاجتماعي والهم العربي، ويحاول في كثير من نصوصه الجمع بين حرارة العاطفة وقوة العبارة، مع المحافظة على البناء الشعري العربي.
شاعر الحِكمة


يُعد شعر الحكمة من الجوانب البارزة في تجربة الشاعر “عبدالرحمن طلب الريماوي” فقد امتد حضوره في هذا اللون الشعري، وشارك من خلال منتدى روائع الشعر والحكم في تقديم نصوص تقوم على التأمل في الحياة والإنسان، واستخلاص العبر من التجارب، والدعوة إلى مكارم الأخلاق والقيم الفاضلة، ولا تأتي الحكمة في شعره منفصلة عن تجربته الإنسانية، بل تتداخل فيها خبرة الحياة مع التأمل والوعظ الرشيد، فيحرص على صياغة المعنى في أبيات ذات إيقاع شعري واضح ولغة فصيحة مباشرة، بحيث تجمع الحكمة بين جمال العبارة وعمق الدلالة وقربها من المتلقي.


من خلال هذا المسار، أصبح شعر الحكمة أحد الملامح التي يمكن التوقف عندها في تجربته، إلى جانب الشعر الوطني والوجداني والديني والاجتماعي، وهو ما يعكس اتساع اهتمامه بأغراض الشعر العربي وتنوعها.


من الملاحظ أن شعر الحكمة يحتل مكانة بارزة في تجربة الشاعر “عبدالرحمن الريماوي”، إذ له فيه باع طويل وتمكّن واضح، ويُعد هذا اللون من أبرز المجالات التي تجلت فيها قدرته على التأمل وصياغة التجربة الإنسانية في أبيات تجمع بين عمق المعنى وجمال المبنى. وقد برع “الريماوي” في تناول الحكمة بوصفها خلاصةً لتجارب الحياة ومواقفها، فاستخلص من أحوال الناس وتقلبات الزمن دروسًا وعبرًا، وصاغها في لغة عربية فصيحة، تميل إلى قوة العبارة ووضوح الدلالة، وتستند إلى رصيد من التأمل والنظر في النفس والمجتمع والحياة. وله حضور متواصل في منتدى روائع الشعر والحكم، حيث برز في هذا الميدان من خلال نصوصه الحِكمية التي تتناول تقلبات الدنيا، وطبائع البشر، والوفاء والغدر، والصبر، والكرامة، والأخلاق، والزهد، وقيمة العمل، وتجارب العمر.


تتميز حكمته الشعرية بأنها لا تأتي في صورة مواعظ مجردة، وإنما تنبع من رؤية شاعر خَبِر الحياة وتأملها، فجاءت أبياته حاملةً خلاصة تجربة، ونصيحةً، وعبرةً، وموقفًا إنسانيًا.


من هنا، يمكن القول: إن شعر الحكمة يمثل أحد أعمدة التجربة الشعرية لـ”عبدالرحمن الريماوي” وأن له فيه باعًا طويلًا وحضورًا متميزًا، استطاع من خلاله أن يوظف أصالة الشعر العربي في التعبير عن تجارب الإنسان وقيمه ومواقفه من الحياة. والدليل على ذلك، نجده في قصيدته” انقلاب الزَّمان” ….

انقلاب الزَّمان

عجبا لأيام مضت بقطارها
فيها مفاهيم الزّمان تدور
صارا لنَّقاء جريمة في عصرنا
وغدا الخبيث بيننا مشهور
مساؤهم بات الصباح بزيفه
والقبح في عين العَمَى مبرور
قرّبت عُهرا بعدما أبعَدتَهُ
والطُّهر صار مهمشا مهجور
جهروا بذنب لم يعد يخفى على
عين البصير وكلهم مغرور
والعمر يجري شهرُهم كدقيقة
والكلُ خلف زمانه مجرور
يا فطرة الإنسان ضاع دليلنا
والمرءُ في هذا البلاء مجبور


من أجل إضاءة قصيدة “انقلاب الزَّمان”، ركَّزت في نقدي الأدبي على: المضمون، والبناء الفني، واللغة، والإيقاع..


من حيث المضمون والفكرة، تنتمي القصيدة إلى شعر الحكمة والشكوى من الزمان، وهو غرض شعري عريق في الأدب العربي اشتهر به كل من: أبو العتاهية والمتنبي، وأن فكرتها المحورية تدور حول صدمة الشاعر من “انقلاب المفاهيم” وانتكاس الفطرة الإنسانية في العصر الحديث. ويعقد الشاعر المقارنات والمفارقات بين ما يجب أن يكون “الطهر، النقاء” وما هو كائن “الخبث، العهر”، حيث تحولت القيم الإيجابية إلى جرائم أو تهميش، وتحولت الرذائل إلى شهرة ومفخرة.


نرى هنا كيف استطاع شاعرنا ببراعته الربط بين السوداوية والواقعية؟. كما ربط بين فساد الأخلاق وتسارع الوقت “شهرهم كدقيقة”، وينتهي بنبرة جبرية حزينة تشير إلى أن الإنسان بات مسلوب الإرادة ومجبوراً في هذا البلاء.


لقد وظَّف “الريماوي” في شعره البعد الفلسفي (الزمن)، مما جعل النص يتحوّل من مجرد سرد أو عاطفة، إلى تساؤل عميق حول معنى، الحياة والوطن والإغتراب، خاصة وأنه يعيش حياة الاغتراب عن الوطن منذ عام 1966م.


أما من ناحية البنية الفنية والأسلوب، فنجد أن الشاعراعتمد أولا بشكل مكثف على أسلوب المفارقة والمقابلة لإبراز الخلل الاجتماعي، ومن أمثلتها:”النقاء ، جريمة” مقابل “الخبيث ، مشهور”، “مساؤهم” مقابل “الصباح بزيفه”،”القبح” مقابل “مبرور”، “قرّبت عُهراً” مقابل “أبعدتهُ”، “الطهر” مقابل “مهمشاً مهجوراً”. هذا التضاد يخدم المعنى بقوة، لأن “الضد يظهر حُسنه الضد”، ويبرز حالة الفوضى الأخلاقية التي يعيشها مجتمع القصيدة. ثانياً، لقد تنوعت الصورالبيانية في القصيدة بين الاستعارات والتشبيهات الموفقة، أورد لكم بعضا منها فهو يقول:”مضت بقطارها” استعارة مكنية، شبّه الأيام بقطار يمر سريعاً، وهي صورة حديثة موفقة تدل على السرعة والآلية، “مفاهيم الزمان تدور” صورة حركية تدل على عدم الثبات والاضطراب. “عين العَمَى مبرور”، استعارة مكنية متميزة، حيث جعل للعمى عيناً، وهي مفارقة بلاغية جميلة تعبر عن عمى البصيرة، “شهرُهم كدقيقة”، تشبيه مرسل مجمل، يوضح مدى تسارع الزمن ونزع البركة من الوقت.


من يقرأ القصيدة، يلاحظ أن شاعرنا استخدم لغة وألفاظا واضحة ومباشرة، وبذلك أضحت لغة القصيدة، قريبة من لغة الوعظ، تمتاز بالوضوح والجزالة، وليس فيها غموض أو إبهام، كما استخدم معجما أخلاقيا بتكراره الألفاظ ذات الطابع القيمي “النقاء، الخبيث، القبح، مبرور، عهراً، الطهر، ذنب، البصير، الفطرة”، مما يعكس الهوية الإصلاحية للشاعر. وأيضا لجأ في كتابة قصيدته هذه، إلى البحر البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن)، وهو بحر يمتاز بالوقار والاتساع، ويناسب جداً قصائد الحكمة والنقد الاجتماعي، لما يعطيه من مساحة للتدفق الفكري. وأيضا اعتمد حرف الراء قافية و رويّاً للقصيدة، ونحن نعلم بأن حرف الراء من الحروف المَجهورة التكرارية التي تمنح النص رنيناً قوياً يعبر عن الألم والصرخة في وجه الواقع.


في الختام استطيع القول: إن القصيدة ” الريماوي” جاءت تعبيرا صادقا ونبيلا عن أزمة القيم في العصر الحالي، و نجح الشاعر في توظيف المقابلات البديعية لإظهار حجم “الانقلاب” في معايير البشر. النص متماسك الفكرة، واضح الرسالة، ويمتلك موسيقى عذبة ومتزنة، تظل قطعة شعرية مميزة تلامس واقعاً يعيشه الكثيرون.

ملاحظة : الشاعر عبد الرحمن طلب الريماوي هو أستاذ متقاعد، يحمل شهادة البكالوريوس في العلوم الفيزيائية والكيمياء من جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا في عام 1981م بالجزائر، كما تابع دراسات وتكوينات عملية في معاهد فرنسية بمدينة تور (Tours) في عام1985م، في إطار تخصصه العلمي.

وقد امتدت مسيرته المهنية في مجال التعليم في معاهد تكوين الأساتذة، كما مارس التدريس في العلوم الفيزيائية في المدارس الثانوية الجزائرية، قبل أن يُحال إلى التقاعد بعد مسيرة تربوية وعلمية وما زال يقيم في الجزائر منذ عام1977م حتى الآن.

من الجدير ذكره، أنه ولد في مسقط رأسه بلدة”بيت ريما” في عام 1958م، وتعلم في الصف الأول والثاني والثالث الإبتدائية في مدرسة بني زيد الثانوية ثم غادر مع أسرته إلى الأردن في عام 1966م قبل النكسة، وأنهى شهادة الثانوية العامة “التوجيهي” هناك في عام1976م، بعد ذلك، سافر إلى الجزائر لتكملة تعليمه العالي كما ذكرت آنفا، وتزوج هناك.

حظي الشاعر بعدد من التكريمات والشهادات من المجامع والمنتديات الشعرية تقديرًا لمشاركاته وإسهاماته الأدبية. من أبرز ما ناله “الدكتوراه الفخرية في الإبداع الشعري” من مجمع شعراء الفصحى، و بتكريمات من بيت الشعراء العرب، إلى جانب تكريمات أخرى من منتديات ومجالس وجهات شعرية وأدبية، تتجدد بصورة دورية. وتعكس هذه التكريمات حضوره في عدد من البيئات والمنتديات التي تعنى بالشعر العربي والإبداع الأدبي.

شاهد أيضاً

جامعة برشلونة تطلق أول كرسي للدراسات الفلسطينية

جامعة برشلونة تطلق أول كرسي للدراسات الفلسطينية

شفا – أطلقت جامعة برشلونة الإسبانية أول كرسي جامعي متخصص بالدراسات الفلسطينية في إسبانيا، بمشاركة …