12:03 مساءً / 17 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

خسارة مضاعفة، بقلم د. محمود عبد المجيد عسّاف

خسارة مضاعفة، بقلم د. محمود عبد المجيد عسّاف

هذه المرة لم ننتظر طويلًا حتى نقرر النزوح، بعدما فقدت ثقتي بفكرة العودة، وقررت منذ البداية ألا يكون نزوحنا إلى المخيمات أو تجمعات الخيام، فقد كانت التجربة السابقة كافية لأن تجعلني أستعيد، كلما تذكرتها، تفاصيل الأيام الأولى والليالي الطويلة التي قضيتها بجوار بعض الساقطين، وما حملته تلك الأيام من خوف وإذلال وتعب.

نزحنا في البداية إلى منزل ابن عمي الذي يبعد عن منزلنا كيلومترا باتجاه الشمال، وبقينا هناك نحو أسبوع، بينما كنت أبحث عن مكان أوسع يمكن أن يأوينا. كان الخطر يقترب، والقصف يشتد، والروبوتات الإسرائيلية تزرع في الشوارع القريبة.

في تلك الأثناء، كان ابني الأوسط يتواصل مع أصدقائه في دير البلح، يبحث معهم عن مكان يمكن أن نجد فيه شيئًا من الأمان. وبعد أيام من البحث، وجدوا لنا قطعة أرض عبارة عن ارتداد لمنزل، يمكن أن ننصب فيها خيمتنا بعيدًا عن الطرق وتكدس الخيام.

تحركنا نحو دير البلح بكل ما تحمله كلمة النزوح من خواء وشتات. وهذه المرة أخذنا معنا من مقتنياتنا أكثر مما أخذناه في المرة الأولى: (فرشات، أغطية، اسطوانة غاز)، وبعض الأشياء التي نعرف أننا قد لا نجدها بسهولة. ففي المرة الأولى لم نأخذ معنا شيئًا تقريبًا؛ هربنا بملابسنا فقط، ثم عدنا لنشتري أثاثًا جديدًا بأسعار تجاوزت عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.

وصلنا إلى المنطقة المحددة ونحن نجر خلفنا خيبتنا الجديدة. كان صاحب المنزل الذي تقع الأرض في ارتداد منزله قد رحّب بنا، بعدما كان ابني قد دفع له نصف أجرة شهر مقدمًا. استضاف زوجتي وبناتي في منزله، وساعدنا في نصب الخيمة وحفر بئر الصرف الصحي. وللحقيقة، لم نرَ منه إلا الخير.

كان موقع نزوحنا هذه المرة أفضل من السابق؛ أقرب إلى السوق والمواصلات، وأكثر قدرة على تلبية احتياجاتنا اليومية. لكنه كان يحمل لنا في المقابل أخبارًا سيئة عن حارتنا؛ البيوت هناك تتساقط واحدًا تلو الآخر، والقصف يقترب من منزلنا.

كنت خلال وجودنا عند ابن عمي قد علمت أن الطابق العلوي من منزلي قد تضرر، ثم بعد نحو أسبوعين من نزوحنا إلى دير البلح، جاءت الأخبار التي كنت أخشاها: لقد قُصف البيت الملاصق لمنزلي، وتضرر الطابق الثاني أيضا منه.

بدأت الاتصالات بين ابني وأصدقائه من أبناء الجيران. كانوا يقولون له إن الوضع أصبح هادئًا نسبيًا، وإن بإمكاننا العودة لفترة قصيرة لإنقاذ بعض الأشياء من المنزل قبل أن تصل إليها أيدي اللصوص واللقطاء.

لم أجرؤ على منعه من الذهاب. لكنني قررت أن أذهب معه، حتى لا يواجه وحده ما كنت أعرف أنه ينتظره هناك. مشيتُ بجانبه بخطواتٍ تحاول أن تبدو متماسكة، أراقب صمته المطبق وأعرفُ كيف يبتلع خوفه كي لا يفيض على السير. كانت الطريق طويلة، وكل خطوة نطؤها كانت تقتطع جزءاً من أملٍ قديم. لم نتبادل الكثير من الكلام؛ ففي المواقف التي تضعك أمام مصيرك مباشرة، يصبح الحديث ترفاً لا يتسع له الصدر. كان كافياً أن يلتفت بين الحين والآخر فيجدني إلى جواره، يلمح في عينيّ أن المجهول مهما كان قاسياً، فلن يفرّد به، وأن اليد التي خلت من كل متاع الدنيا، ما زالت تملك قوة الإمساك بيده حتى النهاية.

كان الطريق إلى غزة سهلًا في بدايته. وصلنا إلى موقف (السرايا)، ثم اضطررنا إلى السير مسافة طويلة باتجاه الحارة التي لم يعد يسكنها إلا الأشباح، ولم يكن هناك أكثر من عشرة أشخاص تقريبًا يتفقدون ما تبقى من بيوتهم.

دخلنا منزلنا والخوف يحاصرنا، وبدأنا نجمع بعض الأشياء التي كانت قد اختفت من الأسواق أو أصبحت أسعارها تفوق الخيال: (مكنسة، بعض الدفاتر، زجاجات عطر)، وأشياء صغيرة لم نكن نتخيل قبل الحرب أنها ستصبح يومًا من الأشياء التي نخشى فقدانها، وبعنا بعضها في أسواق دير البلح.

لم تمضِ سوى لحظات حتى بدأ أحد الجيران ينادي الجميع بأعلى صوته بضرورة إخلاء المنطقة، حيث كان قد تلقى اتصالًا من ضابط مخابرات إسرائيلي، أخبره فيه بأن بعض المنازل القريبة ستُقصف، وذكر له أسماءها واحدًا واحدًا.

تركنا كل شيء، وهممنا بالخروج نتعثر في خطواتنا، ونصطدم بكتل الإسمنت المتساقطة في الطرقات. ابتعدنا مسافة عن المنزل، ووقفنا نراقب المكان. وفي اللحظة التي كنا نستعد فيها للابتعاد أكثر، تذكر ابني أنه نسي هاتفه في البيت.

انطلق بسرعة ليعود إليه، واختار طريقًا التفافيًا حتى لا يمر من المكان المكشوف.

لا أعرف كيف يمكن للإنسان أن يصف الموت عندما يقترب من ابنه؛ تخيلوا معي تلك اللحظة، حين يصبح الطريق كله احتمالًا للموت، وحين لا يعود الأب قادرًا على التفكير إلا في وجه ابنه. كم موتًا حاصرني في تلك الثواني؟ وكم غصّة صعدت إلى قلبي؟ كيف يمكن للنبض أن يتحول فجأة إلى خوف، وللجسد أن يبقى واقفًا بينما الروح تركض خلف طفلها؟ أردت أن أناديه، أن أصرخ، أن أفعل أي شيء، لكن لساني عجز عن كلمة واحدة. في تلك اللحظة لم أكن أخاف الموت على نفسي، بل كنت أخاف أن يسبقني الموت إلى ابني، وأن أصل إليه متأخرًا بثانية واحدة فقط. كنت أراه يعود باتجاه المنزل، والطائرة في السماء.
ثم جاءت اللحظة.
قصفت الطائرة المنزل المستهدف.
انفجر المكان، وتصاعد الغبار، وتناثرت كتل الإسمنت في كل اتجاه، حتى إن بعضها سقط على بعد أمتار منا.
بضع دقائق فقط كانت كفيلة بأن تحبس أنفاسي، ولا أعرف كيف يمكن لثوانٍ قليلة أن تغيّر معنى الحياة كلها.
ثم جاء الاتصال: أنا بخير، سأنتظر حتى تهدأ عاصفة الغبار، ثم أعود.
عدنا نحمل ما جمعناه من مقتنيات، وسرنا بها على أقدامنا حتى وصلنا إلى الموقف العام (السرايا). انتظرنا أكثر من ساعتين حتى وجدنا وسيلة نقل تعيدنا إلى مكان نزوحنا، وبأجرة تعادل عشرين ضعفا.
كنت قد حسمت أمري.
لن أعود.
ولْتكن الخسارة مضاعفة.

شاهد أيضاً

نائب رئيس مجلس الدولة الصيني يشارك في المؤتمر العالمي لتطوير التعليم المهني والتقني

نائب رئيس مجلس الدولة الصيني يشارك في المؤتمر العالمي لتطوير التعليم المهني والتقني

شفا – شارك دينغ شويه شيانغ، نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، في المؤتمر العالمي لتطوير …