
شفا – شجون القوافي في ظلال الجنوب.. حوار إنساني مع الشاعرة والإعلامية سحر نصار حول ديوانها “فؤادة” والمشهد الثقافي في بني سويف
حوار عطا درغام
تظل الأقاليم المصرية منبعاً لا ينضب للمواهب الحقيقية التي تصقلها تفاصيل الأرض، وتمنحها بيئتها الصعيدية خصوصية فريدة وثراءً إبداعياً خالصاً. وفي هذا اللقاء، نلتقي بصوت شعري وإعلامي مميز استطاع أن يجمع بين وعي الرسالة الإعلامية وعذوبة الكلمة المغناة؛ الشاعرة والإعلامية سحر نصار، لنبحر معها في عوالم ديوانها الأحدث “فؤادة”، ونناقش ملامح المشهد الأدبي والحركة الثقافية في محافظة بني سويف. نفتح أوراق هذا الحوار لنتلمس واقع الإبداع النسوي في الجنوب، وتحديات النشر، ورؤيتها لدور نوادي الأدب في جذب الأجيال الجديدة، في حديث يمتد من البدايات الأولى وحتى التطلعات والخطط المستقبلية.
•س1كيف شكلت بيئة بني سويف ملامح وعيك الأدبي الأول؟
وُلدت في حلوان، لكن بني سويف هي المكان الذي نشأت فيه وتشكلت فيه ملامح تجربتي. ولا شك أن البيئة المحيطة بالكاتب تؤثر في وعيه ورؤيته للأشياء، لكنني أؤمن بأن لكل شاعر بصمته الخاصة ولونه المختلف، وأن التجربة الإنسانية هي التي تمنح النص صدقه وخصوصيته.
س2: متى اكتشفتِ موهبتك الشعرية؟ وما أول قصيدة كتبتِها؟
كتبت أول قصيدة في حياتي عن أمي، وكانت بعنوان أو مطلع «أمي حبيبتي يا ضي عنيا»، وكتبتها وأنا في الثلاثين من عمري. أشعر أنني تأخرت كثيرًا في الالتفات إلى موهبتي، لكن الكتابة جاءت في وقت أصبحت فيه أكثر قدرة على التعبير عن إحساسي ورؤيتي للحياة. وبعد ذلك كتبت لابنى الكبير،ثم ابنى الاصغروزوجى بدأت أنشر كتاباتي في المجلات والصحف قبل صدور دوانى الأول.
س3: مَن أبرز الشعراء الذين تأثرتِ بتجاربهم الأدبية؟
تأثرت بتجارب عدد من الشعراء الكبار، منهم سيد حجاب وصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم. لكل منهم تجربته وبصمته الخاصة، وقد تعلمت من تجاربهم الكثير، لكنني أؤمن بأن التأثر الحقيقي لا يعني التقليد؛ فلكل شاعر صوته الذي ينبغي أن يبحث عنه ويحافظ عليه.
س4: كيف توفقين بين تجربتك الشعرية ومسؤوليتك
أنا شاعرة، ولست شخصية إعلامية محترفة، لكنني أتولى المسؤولية الإعلامية عن نادي أدب بني سويف. وأحاول من خلال هذا الدور تسليط الضوء على أنشطة النادي والأدباء والمواهب الجديدة، والتعريف بما يقدمونه من إبداع. وأرى أن هذا الدور يخدم الحركة الثقافية، كما يمنحني فرصة أكبر للتواصل مع التجارب الأدبية المختلفة.
س5: ما أكبر التحديات التي واجهتك في بداية مشوارك الأدبي؟
كان من أبرز التحديات أنني أنتمي إلى بيئة صعيدية لها عاداتها وتقاليدها، ولم يكن من السهل في البداية أن تتقبل الأسرة فكرة أن تكون المرأة كاتبة وتشارك في الحياة الأدبية وتتعامل مع الأوساط الثقافية. لكن زوجي كان داعمًا لي وساعدني على الاستمرار، وكان لهذا الدعم أثر كبير في رحلتي.
س6: ماذا يمثل ديوان «فؤادة» في تجربتك الشعرية؟ ولماذا اخترتِ هذا الاسم؟
«فؤادة» هي أول ديوان صدر لي، واخترت لها هذا الاسم نسبة إلى قصيدة تحمل الاسم نفسه ولها مكانة خاصة عندي. كان صدور الديوان خطوة مهمة في رحلتي، لأنه نقل تجربتي من النشر في الصحف والمجلات
س7: كيف تختارين الوزن والقافية في قصائدك؟
أتعامل مع القصيدة باعتبارها حالة شعورية وفكرة تحتاج إلى التعبير عنها بالشكل الذي يناسبها. وأرى أن الموسيقى الشعرية عنصر مهم في النص، لكن الأهم أن يأتي الشكل منسجمًا مع التجربة، وألا يفقد النص صدقه أو روحه في سبيل الالتزام بشكل معين.
س8: هل لديك طقوس خاصة للكتابة؟ وما الذي يشعل شرارة القصيدة لديك؟
غالبًا ما تبدأ القصيدة من موقف أو إحساس أو فكرة تظل تشغلني حتى أجد نفسي أكتب عنها. فمثلًا، عندما قرر ابني السفر إلى محافظة بعيدة، شعرت بالقلق عليه وكتبت قصيدة «طائر وطاير في السما». وعندما كادت ابنتي تفوّت الامتحان بسبب استيقاظنا متأخرين، كتبت قصيدة «غفلة»، التي ارتبطت بموقف حقيقي عشته، ومنه جاءت عبارة «راحت عليك نومة وملحقتش الامتحان».
هذه المواقف تؤكد لي أن القصيدة قد تولد من تفاصيل الحياة اليومية، وأن الشاعر يستطيع تحويل موقف عابر إلى نص يحمل إحساسًا وتجربة.
وكان للحلم نصيب من الكتابة
فكتبت( فرصه تانى للحياة)
كان يعتبر كابوس مرعب وكان صعب جداً حالة الكتابه فيه
س9: هل تميلين في شعرك إلى التعبير عن الذات أم إلى تناول القضايا العامة؟
أرى أن التجربة الذاتية والقضايا العامة ليس بينهما تعارض. فقد يبدأ النص من إحساس شخصي، لكنه يصل إلى الآخرين لأنهم يجدون فيه شيئًا يشبه تجاربهم. كما أن القضايا العامة تصبح أكثر تأثيرًا حين تُكتب بصدق وإحساس. المهم عندي أن يكون النص حقيقيًا، وأن يحمل ما يستحق أن يُقال.
س10: كيف تتعاملين مع الآراء النقدية؟ وهل تتأثرين بالنقد الموجَّه إلى أعمالك؟
الآراء النقدية كثيرة، ولكل ناقد مدرسته الخاصة ورؤيته التي ينطلق منها. وأنا أهتم بالنقد، ولا أنزعج من أي نقد موجَّه إلى النص؛ لأنه في النهاية رؤية تستحق النظر. هناك نقد أتعلم منه وأستفيد به في تطوير تجربتي، وهناك نقد آخر لا أُعيره أي اهتمام. فليس كل رأي بالضرورة مناسبًا لي أو متوافقًا مع رؤيتي، ومن الطبيعي أن تختلف القراءات والتفسيرات من ناقد إلى آخر.
س11: كيف تقيّمين المشهد الأدبي والثقافي في بني سويف؟
بني سويف تضم مواهب أدبية تستحق الاهتمام، لكن هناك تحديات تواجه الكاتب في الأقاليم، منها طبيعة المجتمع، وبُعد المسافة عن المراكز الثقافية الكبرى، وأحيانًا عدم وجود مساحة كافية من الحرية والدعم. ومع ذلك، فإن وجود الموهبة والإصرار على تطويرها يمكن أن يصنعا تجربة أدبية مميزة.
س12: ما الدور الذي يقوم به نادي أدب بني سويف في دعم الحركة الثقافية؟
نحاول في نادي أدب بني سويف تكثيف الدعاية للأنشطة والفعاليات حتى تصل إلى أكبر عدد ممكن من المهتمين بالأدب، وخاصة الشباب والمواهب الجديدة. ونسعى إلى إتاحة الفرصة لهم للاستفادة من خبرات الأدباء الكبار، والتعرف على الأسس الصحيحة للكتابة والإبداع، والأدوات التي يحتاج إليها الكاتب في بداية طريقه.
س13: هل ترين أن أدباء بني سويف يعانون من التهميش الثقافي مقارنة بأدباء القاهرة؟
هناك فارق في الإمكانات وفرص الظهور والوصول إلى المؤسسات والفعاليات الثقافية الكبرى، كما أن المسافة قد تمثل عائقًا أمام أدباء الأقاليم. لكنني لا أرى أن الموهبة حكر على العاصمة، ولا أن قيمة الكاتب تتحدد بمكان إقامته. ما يحتاج إليه أدباء المحافظات هو فرص عادلة للظهور والانتشار، ومساحات حقيقية لعرض تجاربهم والتواصل مع الحركة الأدبية الأوسع.
س14: كيف أسهم الملتقى الأدبي في تنشيط الحركة الثقافية في بني سويف؟
كانت تجربة الملتقى ناجحة، لأنه كان بعيدًا عن قيود ميزانية الثقافة، التي أراها شبه معدومة، وعن إهدار حقوق الأدباء. لكن الملتقى جاء في فترة مقاطعة الثقافة لأسباب عدة، أهمها المطالبة بحق الأديب والحفاظ على كرامته.
ومع عدم وجود ميزانية كافية، وعدم وجود راعٍ للملتقى يدعم استمرار أنشطته، توقف النشاط، رغم نجاح التجربة وأهميتها في تنشيط الحركة الثقافية.
س15: كيف يمكن جذب الشباب إلى نوادي الأدب وتشجيعهم على المشاركة؟
أرى أن الدعاية الجيدة للأنشطة الأدبية خطوة مهمة للوصول إلى الشباب وتعريفهم بما تقدمه نوادي الأدب. ومن الضروري أيضًا إتاحة الفرصة للمواهب الجديدة للالتقاء بالأدباء أصحاب الخبرة، والتعلم منهم، والتعرف على الأدوات الصحيحة للكتابة والإبداع. فالموهبة تحتاج إلى من يكتشفها ويوجهها، وإلى بيئة تمنحها فرصة للنمو والتطور.
س16: كيف ترين وضع الأديبات والشاعرات في بني سويف؟
هناك تجارب نسائية تستحق التقدير والاهتمام، لكن الأديبة تحتاج إلى فرصة حقيقية لعرض تجربتها، وإلى بيئة تساعدها على الاستمرار والتطور. وأرى أن الحكم على المبدع يجب أن يكون من خلال ما يقدمه من نصوص وما يمتلكه من قدرة على التعبير، وليس من خلال كونه رجلًا أو امرأة.
س17: ما أبرز العقبات التي تواجه المرأة المبدعة في الأقاليم؟
من واقع تجربتي، قد تواجه المرأة صعوبة في تقبّل المجتمع والأسرة لفكرة الكتابة والمشاركة في الأنشطة الأدبية، خاصة في البيئات التي تحكمها عادات وتقاليد صارمة. كما أن بُعد المسافة عن المراكز الثقافية وقلة فرص المشاركة قد يضيفان أعباء أخرى. وقد واجهت بعض هذه الصعوبات في بداياتي، لكن دعم زوجي ساعدني على تجاوزها والاستمرار في مشواري.
س18: هل تؤمنين بوجود أدب نسوي يختلف عن أدب الرجل، أم أن الإبداع الإنساني لا يعرف هذا التصنيف؟
لا يوجد أدب نسوي وأدب رجالي؛ فالإبداع لا تحدده هوية الكاتب بقدر ما تحدده قدرته على التعبير عن التجربة الإنسانية. وأعظم ما كُتب عن المرأة كتبه رجال، واستطاعوا وصف أدق تفاصيل إحساسها وشعورها. وفي المقابل، كتبت المرأة عن الرجل، وأنا شخصيًا كتبت عن الرجل وكأنه هو من كتب النص.فالأدب الحقيقي لا يعرف الحدود بين الرجل والمرأة، وإنما يعرف الصدق في الإحساس والقدرة على التعبير عن الآخر بعمق ووعي.
س19: كيف ترين تناول قضايا المرأة في كتابات الشاعرات في صعيد مصر؟
أرى أن تجربة المرأة وما تعيشه من مشاعر ومواقف يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا للإبداع، لكنني لا أعتقد أن على الشاعرة أن تحصر كتابتها في قضايا المرأة وحدها. فالشاعرة تستطيع أن تكتب عن الرجل، وعن المجتمع، وعن الوطن، وعن أي تجربة إنسانية تستطيع التعبير عنها بصدق. المهم أن يكون النص نابعًا من إحساس حقيقي، لا من تصنيف مسبق يفرض على الكاتب موضوعات بعينها.
س20: ما النصيحة التي تقدمينها لفتاة تمتلك موهبة الكتابة لكنها تخشى نشر أعمالها؟
أنصحها بألا تسمح لأحد أن يحبطها أو يقلل من موهبتها إذا كانت تؤمن بها، لكن عليها في الوقت نفسه أن تعمل على تطوير نفسها بالقراءة والبحث والمعرفة. الموهبة وحدها لا تكفي؛ فالكاتب يحتاج إلى التعلم المستمر والاطلاع على التجارب المختلفة. ولا ينبغي أن تعتقد أن الوقت فات، فكل إنسان قد يكتشف موهبته في مرحلة مختلفة من حياته، والمهم أن يبدأ ويستمر.
س21: كيف تسهم مسؤوليتك الإعلامية في نادي أدب بني سويف في إبراز أدباء المحافظة؟
أحاول من خلال مسؤوليتي الإعلامية في نادي أدب بني سويف تسليط الضوء على أنشطة النادي، والتعريف بالأدباء والمواهب الجديدة، وإبراز ما يقدمونه من إبداع. فالدعاية الثقافية ليست مجرد إعلان عن موعد فعالية، بل هي وسيلة للتعريف بالمبدعين وإتاحة الفرصة أمامهم للوصول إلى جمهور أوسع، وتشجيع الشباب على المشاركة في الحياة الأدبية.
س22: ما مشروعك الأدبي القادم بعد «فؤادة»؟ وهل تعملين على إصدار جديد؟
بالفعل تم إصدار خمسة دواوين بعد فؤادة
مشوار العمر
حافية على جسر الاوهام
رياح الذكريات
منفوق جبين الضلمة
عزف الحروف
لدي مشروع شعري جديد أعمل عليه حاليًا، لكنني لم أستقر بعد على عنوان مناسب له. ، :
أما «مشوار العمر»، فله مكانة خاصة في قلبي، فقد كنت أريد أن يكون أول ديوان يصدر لي، لكن تأخر نشره، فسبقته «فؤادة» إلى الصدور.
س23: ما أكثر الأمسيات الثقافية التي تركت أثرًا إنسانيًا في نفسك؟
من أكثر الأمسيات التي أثرت فيّ أمسية خُصصت لفلسطين؛ فقد اجتمعنا في ذلك اليوم، وغلبنا التأثر حتى بكينا جميعًا. كانت لحظة إنسانية مؤثرة، وأكدت لي أن الأدب ليس مجرد كلمات تُلقى أو نصوص تُكتب، بل يمكن أن يكون تعبيرًا عن الوجع الإنساني والتضامن مع القضايا التي تمس ضميرنا.
س24: ما رؤيتك لفكرة المقاهي الثقافية ودورها في نشر الأدب؟
أرى أن أي مساحة تتيح للناس الالتقاء حول الأدب والفكر يمكن أن تسهم في تنشيط الحركة الثقافية، خاصة إذا أتاحت الفرصة للمواهب الجديدة لعرض أعمالها والتواصل مع الأدباء والقراء. فالمهم أن تتوافر أماكن حقيقية للحوار والتعلم وتبادل الخبرات، وأن يشعر المبدع بأن هناك من يستمع إليه ويمنحه فرصة للتعبير عن تجربته.
س25: لو أتيحت لكِ فرصة اتخاذ قرار واحد لتطوير الحركة الثقافية في بني سويف، فما القرار الذي ستبدئين به؟
سأبدأ بالاهتمام بالمواهب الجديدة، وتوفير فرص حقيقية لها للظهور والتعلم والاستفادة من خبرات الأدباء الكبار. أؤمن بأن الموهبة تحتاج إلى الرعاية والتوجيه، وأن اكتشاف الشباب مبكرًا ومساعدتهم على تطوير أدواتهم يمكن أن يصنع فارقًا في مستقبل الحركة الثقافية. وأتمنى أن يجد كل صاحب موهبة المساحة التي يستحقها، بعيدًا عن العوائق التي قد تمنعه من الاستمرار.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.