
الثقة التي لم يحرسها الوعي ، بقلم : هدى زوين
في الحياة، لا تكون الخسارة دائمًا نتيجة ضعفٍ واضح، ولا تأتي الأخطاء بالضرورة من سوء النية. أحيانًا تبدأ الخسارة من مكان يبدو نقيًا: ثقةٌ مُنحت بحسن نية، ووعدٌ صُدّق، ومساحةٌ من الأمان فُتحت لمن لم يكن جديرًا بها. وبين صدق النوايا وتعقيدات الواقع، تتشكل واحدة من أكثر المفارقات قسوة: أن يتحول ما نعتقد أنه فضيلة إلى نقطة ضعف، عندما لا يرافقه الوعي.
لم تكن الثقة يومًا عيبًا، كما أن حسن النية ليس خطأً ينبغي الاعتذار عنه. الإنسان يحتاج إلى أن يثق، وأن يمنح الآخرين فرصة، وأن يؤمن بإمكانية التغيير. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقة من اختيار واعٍ إلى تسليم كامل، وعندما يصبح الاعتقاد بحسن الآخرين أقوى من القدرة على قراءة أفعالهم.
فاللغة وحدها لا تكشف الحقيقة، والوعود لا تكفي لإثبات النوايا. قد تبدو الكلمات صادقة، وقد تحمل العبارات معاني جميلة عن السلام والتعاون والاحترام، لكن الاختبار الحقيقي يبقى في السلوك والمواقف والنتائج. الإنسان لا يُقاس بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله عندما تتعارض مصالحه مع ما يدّعيه.
وهنا تكمن أهمية الوعي. فالوعي لا يعني سوء الظن بالآخرين، ولا يدعو إلى العيش في حالة من الشك الدائم، بل يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الثقة العمياء والثقة المسؤولة. أن تثق لا يعني أن تغلق عينيك، وأن تمنح فرصة لا يعني أن تتخلى عن حدودك، وأن تختار السلام لا يعني أن تتنازل عن حقك في الحذر.
السلام الذي لا تحميه البصيرة قد يتحول إلى مساحة لاستغلال الطيبة. والتسامح الذي لا ترافقه حدود واضحة قد يتحول إلى تكرار للأذى. وحتى العلاقات التي تبدأ بالنوايا الحسنة يمكن أن تنتهي بالخسارة عندما يغيب التوازن بين القلب والعقل.
تتكرر هذه الصورة في السياسة، حين تُصدَّق الوعود دون ضمانات، وفي الإعلام، حين يُمنح الخطاب مساحة أكبر من الحقيقة، وفي العلاقات الإنسانية، حين تُفسَّر المجاملات على أنها التزام، والكلمات الجميلة على أنها دليل كافٍ على صدق النوايا. وفي كل هذه الحالات لا تكون المشكلة في الرغبة بالخير، بل في منح الثقة قبل أن تثبت الأفعال استحقاقها.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يجعل نقاءه سببًا لتعطيل وعيه. فالنقاء لا يعني السذاجة، والطيبة لا تعني غياب الحدود، والتسامح لا يعني قبول تكرار الخطأ. يمكن للإنسان أن يكون طيبًا دون أن يكون ساذجًا، وأن يكون متسامحًا دون أن يسمح لأحد باستغلاله، وأن يؤمن بالسلام دون أن يتخلى عن أدوات حمايته.
الثقة الحقيقية ليست أن نصدق كل ما يُقال، بل أن نمنح الثقة بقدر ما تسمح به الوقائع. وليست القوة في أن نشك بالجميع، بل في أن نعرف متى نثق، ومتى نتريث، ومتى نضع حدودًا واضحة.
فالوعي لا يقتل النقاء، بل يحميه. ولا يفسد العلاقات، بل يمنحها أساسًا أكثر صدقًا. ولا يجعل الإنسان أقل إنسانية، بل أكثر قدرة على حماية إنسانيته من الاستغلال.
وفي عالم تتقن فيه الكلمات أحيانًا إخفاء الحقائق، يصبح الوعي ضرورة لا ترفًا. لأن الثقة حين لا يحرسها الوعي قد تتحول إلى خسارة، أما الثقة التي تقوم على البصيرة، فتظل قيمة إنسانية قادرة على بناء العلاقات وحماية الكرامة وصناعة السلام الحقيقي.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.