11:38 صباحًا / 13 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

الاشتراكية بين نقد التجربة وأفق التجدد ، بقلم : محمد علوش

الاشتراكية بين نقد التجربة وأفق التجدد ، بقلم : محمد علوش

لم تكن الاشتراكية، في جوهرها، مجرد صيغة اقتصادية أو تجربة تاريخية محددة، وإنما كانت قبل ذلك تعبيراً عن سؤال إنساني وسياسي عميق: كيف يمكن بناء مجتمع أكثر عدالة، تتحول فيه الثروة والإنتاج والتنمية من أدوات للهيمنة إلى وسائل لخدمة الإنسان والمجتمع؟


ومن هذه الزاوية، فإن نقد التجارب الاشتراكية التي عرفها القرن العشرون لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على الفكرة الاشتراكية نفسها، كما لا ينبغي أن يقود التمسك بالماضي إلى تجاهل ما كشفته تلك التجارب من اختلالات وتناقضات، فالاشتراكية، إذا أرادت أن تكون مشروعاً للمستقبل، تحتاج إلى مراجعة نقدية شجاعة، تميز بين المبادئ التي ما زالت تحتفظ بقيمتها الإنسانية وبين الآليات والنماذج التي أثبت التاريخ محدوديتها.


لقد كشفت تجارب عديدة أن ملكية الدولة لوسائل الإنتاج، بحد ذاتها، لا تكفي لإقامة مجتمع اشتراكي. فالملكية العامة تحتاج إلى ديمقراطية ومساءلة ومشاركة اجتماعية، وإلى مؤسسات قادرة على منع تحول الدولة من أداة لتنظيم المجتمع إلى قوة منفصلة عنه، وفي المقابل، فإن الديمقراطية السياسية تفقد جزءاً كبيراً من مضمونها عندما تتسع الفوارق الاقتصادية والاجتماعية إلى درجة تجعل الحقوق والحريات متفاوتة عملياً بين المواطنين.


ومن هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى اشتراكية القرن الحادي والعشرين: كيف يمكن الجمع بين الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، وبين الحرية والمساواة، وبين كفاءة الاقتصاد وضرورة حماية المجتمع؟


أرى أن الاشتراكية الديمقراطية تمثل أحد المسارات الفكرية القادرة على إعادة صياغة هذا التوازن، شريطة ألا تتحول هي الأخرى إلى وصفة جامدة، فهي ليست مجرد تسوية بين الاشتراكية والرأسمالية، وإنما محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع والملكية والتنمية على أساس أن الاقتصاد يجب أن يخضع للإنسان والمصلحة العامة، لا أن يصبح الإنسان تابعاً لمنطق السوق وحده.


وعلى المستوى العالمي، أصبحت هذه المراجعة أكثر إلحاحاً. فالعالم الذي أنتج النماذج الاشتراكية الكبرى في القرن العشرين لم يعد قائماً بالشروط نفسها، حيث تغيرت بنية الاقتصاد والعمل، وتقدمت التكنولوجيا، وظهرت الشركات العابرة للقوميات والمنصات الرقمية، وأصبحت المعرفة والبيانات والتكنولوجيا جزءاً أساسياً من مصادر القوة الاقتصادية، ولذلك لا يمكن أن تكون اشتراكية القرن الحادي والعشرين إعادة إنتاج لنماذج الماضي، بل مشروعاً متجدداً يجيب عن أسئلة جديدة تتعلق بتوزيع الثروة، والملكية، والعمل، والتكنولوجيا، والتنمية والاستدامة، فالسؤال لم يعد فقط: من يملك المصنع؟ بل أيضاً: من يملك المعرفة والتكنولوجيا؟ ومن يحدد اتجاه التنمية؟ ومن يستفيد من ثمار التقدم الاقتصادي؟


وفي هذا السياق، فإن الدولة والسوق لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما نقيضين مطلقين، فكلاهما أداة، وتكمن المسألة في طبيعة القواعد والمؤسسات التي تنظّم عملهما، وفي مدى خضوعهما للمصلحة الاجتماعية، فالدولة القوية لا تعني بالضرورة دولة بيروقراطية، والسوق المنظم لا يعني بالضرورة التخلي عن العدالة الاجتماعية.
يمكن للاقتصاد الاشتراكي الديمقراطي أن يقوم على قطاع عام استراتيجي، وقطاع خاص منتج ومسؤول اجتماعياً، وتعاونيات ومؤسسات اقتصادية تشاركية، إلى جانب نظام ضريبي عادل وسياسات اجتماعية تضمن تكافؤ الفرص وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، وفي هذه الصيغة تصبح الملكية وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية وتنموية، وليست غاية في ذاتها.


ومن المهم هنا التوقف عند التحولات الفكرية التي شهدتها جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، والتي قادت إلى تبني الاشتراكية الديمقراطية بوصفها اتجاهاً فكرياً وسياسياً، فهذا التحول لم يكن قطيعة مفاجئة مع الجذور الفكرية والنضالية للجبهة، ولا استجابة ظرفية لتحولات سياسية عابرة، وإنما جاء نتيجة مسار طويل من المراجعة النقدية للتجارب السابقة، والاستفادة من دروسها، وقراءة التحولات التي طرأت على الاقتصاد والمجتمع والعمل والسياسة.


الاشتراكية الديمقراطية بالنسبة إلى الجبهة ليست قطيعة مع جذورها الفكرية والنضالية، وإنما تطوير نقدي لها، وتجديد لأدواتها، واستجابة واعية لمتطلبات مرحلة تاريخية جديدة، وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، تكتسب هذه الرؤية خصوصية إضافية، لأن النضال الوطني لا يمكن فصله عن قضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية والحقوق الاقتصادية والتنمية، كما لا يمكن اختزال التحرر الوطني في بعد سياسي منفصل عن بناء مجتمع فلسطيني أكثر عدلاً وتماسكاً.


وتقدم التجربة الصينية، في هذا السياق، حالة تاريخية تستحق الدراسة المتأنية، لا التقديس ولا الرفض المسبق، فمنذ الإصلاح والانفتاح، عملت الصين على تطوير نموذجها الخاص، ودمجت التخطيط طويل المدى مع آليات السوق، ووسعت مجالات الملكية المختلفة، مع الحفاظ على دور مركزي للدولة في توجيه الاقتصاد والتنمية، وما يهم في التجربة، من منظور فكري، ليس استنساخ النموذج الصيني في مجتمعات أخرى، وإنما فهم منهجية التجربة: القدرة على المراجعة، والتجريب، والتعديل، والاستفادة من نتائج السياسات بدلاً من التعامل مع الأفكار باعتبارها قوالب نهائية.


وهنا تكمن إحدى أهم القضايا التي تحتاج الاشتراكية المعاصرة إلى الإجابة عنها: كيف تحافظ على هدف العدالة الاجتماعية دون أن تفقد القدرة على الإنتاج والتجديد والمنافسة؟ وكيف تضمن التنمية الاقتصادية دون أن تسمح بتحول النمو إلى تراكم غير عادل للثروة والقوة؟


كما أن المستقبل يفرض قضية الاستدامة بوصفها جزءاً أصيلاً من أي مشروع اشتراكي جديد. فلا يمكن فصل العدالة الاجتماعية عن حماية البيئة، ولا يمكن الحديث عن التنمية من دون النظر إلى حقوق الأجيال القادمة، فالاشتراكية التي تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين ينبغي أن تربط بين العدالة الاقتصادية، والديمقراطية، والإنتاجية، والحريات، والاستدامة، وبذلك، فإن تجديد الاشتراكية لا يبدأ من البحث عن نموذج جاهز، وإنما من إعادة طرح الأسئلة الأساسية: ما طبيعة الدولة التي نريد؟ وما حدود السوق؟ وما أشكال الملكية الأكثر قدرة على خدمة المجتمع؟ وكيف نضمن توزيعاً عادلاً لثمار الإنتاج والتكنولوجيا؟ وكيف نحمي الحرية والديمقراطية من أن تتحولا إلى امتياز اقتصادي، كما نحمي العدالة الاجتماعية من أن تتحول إلى ذريعة لتقييد الحريات؟


إن الاشتراكية التي تستحق المستقبل هي التي تمتلك شجاعة نقد تجربتها، دون أن تتخلى عن جوهرها الإنساني؛ وتستفيد من السوق دون أن تستسلم لمنطقه؛ وتؤمن بالدولة دون أن تجعلها بديلاً عن المجتمع؛ وتدافع عن العدالة دون أن تنتقص من الحرية، ومن هنا، فإن مهمة اليسار اليوم ليست الدفاع عن الماضي كما كان، وإنما استعادة قدرته على التفكير والتجديد وصياغة مشروع تاريخي جديد، يربط التحرر بالعدالة، والديمقراطية بالتنمية، والاقتصاد بالإنسان، فالاشتراكية ليست تاريخاً مغلقاً، وإنما سؤال مفتوح يتجدد بتجدد العالم، وهنا لا تنتهي الاشتراكية؛ هنا تبدأ من جديد.

⦁ أمين سر المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

شاهد أيضاً

الاحتلال يعتقل 28 مواطنا من قرى وبلدات في نابلس

شفا – اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الثلاثاء، 28 مواطنا من قرى وبلدات جنوب …