11:34 صباحًا / 13 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

كلُّ الطرق تؤدّي إلى غيابكِ ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

كلُّ الطرق تؤدّي إلى غيابكِ ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

سأبحث عنكِ في الوجوه،
وفي الأصوات،
وفي العابرين والمسافرين.
سأفتّش عنكِ في كل نصٍّ أدبيٍّ عميق،
وفي فنجان القهوة السمراء،
وفي خطوط اليد المتعرّجة،
وفي غابات الصنوبر وأشجارها،

وبين أحجار المرمر والكهرمان،
وفي رائحة العود والريحان،
وفي ظلال السنديان،

وعلى شُرفاتٍ ما زالت تذكرني بكِ.
وفي كل ما يتركه الغياب
على الأشياء من ملامحكِ،
كأنكِ مررتِ من هنا،
وتركتِ بعضكِ في كل شيء.

سأفتّش في الأشياء التي لا تقول شيئًا،
لكنها تترك في الروح أثرًا يشبهكِ،
وفي الذين يحملون حقائبهم
ويرحلون دون أن يلتفتوا،
كأنهم يعرفون سرّ الغياب.

وفي كل مدينةٍ لا أعرفها،
في المقاهي التي لا تعرف اسمي،
وفي محطات القطار،
في المطارات،
حيث الوداع أكثر من الوصول.

سأراقب الوجوه القادمة،
وأتمنى أن تكوني أنتِ.
سأصغي إلى صوتٍ يشبه صوتكِ،
فألتفت…
ثم أعود وحدي.

وأمضي في الطرق التي لم نمشِها،
إلى الأماكن التي لم نصل إليها،
وأتأمل الصور التي لم نلتقطها،
وأتساءل عن أعمارٍ كان يمكن أن تكون لنا.

حتى الذين لا يشبهونكِ
سأمنحهم لحظةً من الشكّ؛
لعلّ اختلافهم يخفي شيئًا منكِ.
وسأظل أقول:
ربما تكونين هناك…
خلف ذلك الباب،
في آخر الطريق،
في قريةٍ مهجورة،
في مدينةٍ بعيدة،
في طائرةٍ قادمة،
أو في قطارٍ غادر منذ دقائق.
وفي كل ما يمرّ ولا يعود،
وفي كل ما يلوّح من بعيد ثم يختفي،
وفي كل نافذةٍ مضاءة،
خلفها حياةٌ لا أعرفها.

وربما، ذات مساء،
سأسمع صوتكِ في مكانٍ لا أعرفه،
فألتفت…
وأراكِ للحظة،
تأتين من آخر العمر؛
كأن الغياب أخطأ الطريق،
وكأن كل هذا السفر
كان يقودني إليكِ.
سأبحث عنكِ أكثر.
سأمدّ يدي…
ثم لا ألمس إلا الهواء.
وأرسل نظري أبعد…
فلا أرى إلا السراب.
وأعود بذاكرتي أعمق…
فلا أجد إلا الغياب.

ثم أفهم، متأخرًا،
أنني لم أكن أبحث عنكِ في هذا العالم.
كنت أبحث عنكِ
في الجزء مني
الذي أخذتِه معكِ.

ومنذ رحيلكِ،
وأنا أسافر…
من وجهٍ إلى وجه،
ومن مدينةٍ إلى مدينة،
ومن غيابٍ إلى غياب.
وفي كل شيء،
وفي كل مكان،
وفي كل زمان،
أترك احتمالًا صغيرًا لعودتكِ.
حتى لا يبقى مني
إلا هذا البحث،
وهذا الطريق.

ثم ألتفت إلى نفسي…
فلا أجدني.
فأفهم أنني،
منذ رحيلكِ،
لم أكن أصل إليكِ…
كنتُ أبتعد عنّي.
حتى لم يبقَ مني
إلا الطريق.
ولا أصل.

شاهد أيضاً

استشهاد طفل متأثرا بإصابته بقصف إسرائيلي وسط قطاع غزة

استشهاد طفل متأثرا بإصابته بقصف إسرائيلي وسط قطاع غزة

شفا – استشهد الطفل أسامة أحمد عابد (4 سنوات)، متأثرا بإصابته قبل نحو ثلاثة أسابيع …