
ما وراء “الفولاذ القابل للتمزيق باليد”.. كيف تعيد الصين تعريف التصنيع؟ بقلم : تيان جيانينغ
لو كتب تاريخ تطور الصناعة في كتاب، لتغير عنوان الفصل الخاص بالصين بهدوء.
في مصنع للصلب بمدينة تاييوان، بمقاطعة شانشي، يضغط العمال لفائف الصلب حتى تصبح أرق فأرق – 0.4 مم، 0.1 مم، 0.03 مم، حتى تصل في النهاية إلى 0.015 مم، وهو سُمك كافي لتمزيقه باليد، ومن هنا جاءت تسمية “الفولاذ القابل للتمزيق باليد”. هذا الفولاذ باهظ الثمن كالذهب. ليس الأمر تقنية سرية ثورية، ولكنه يكشف بدقة عن التغيرات التي يشهدها قطاع الصناعة الصيني: فقد تحول مفتاح المنافسة من “الكمية” إلى “الدقة”.
لعقود، ربط العالم عبارة “صُنع في الصين” بـ”مصنع العالم” و”القدرة الإنتاجية الهائلة”. هذا الوصف ليس خاطئا تماما، ولكنه أصبح قاصرا بشكل متزايد. فقد احتلت القيمة المضافة للصناعات الصينية المرتبة الأولى عالميا لمدة 16 عاما متتالية، حيث تمثل ما يقرب من 30% من الإجمالي العالمي. لكن الأمر الجدير بالملاحظة حقا هو التحول الهيكلي الكامن وراء هذا الحجم الهائل؛ ففي الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، ارتفعت القيمة المضافة للصناعات التحويلية عالية التقنية بأكثر من 14% على أساس سنوي، مع نمو الاستثمار في القطاعات المتطورة، مثل الدوائر المتكاملة وبطاريات الليثيوم، بنسبة 12% و20.6% على التوالي. وبينما يبقى الحجم ضخما، فإن معدل النمو يتجه نحو المراحل الأولى من سلسلة القيمة.
ويتمثل الدليل الأوضح على هذا التحوّل في الكشف المكثف عن العديد من الإنجازات البارزة: فقد أكمل قطار CR450، أسرع قطار فائق السرعة في العالم، اختباراته الكاملة؛ وحقق صاروخ “لونغ مارش-10 بي” أول عملية استعادة محكومة للمرحلة الأولى من صاروخ حامل؛ وبرزت صناعة الروبوتات الشبيهة بالبشر كحصان أسود؛ ويحلق الطراز الصيني من الطائرات التجارية C919 في الأجواء. وفي المؤتمر العالمي للتصنيع، الذي اختتم في مدينة خفي الشهر الماضي، كان 708 من أصل 790 مشروعا موقعا في مجال التصنيع المتقدم، باستثمارات إجمالية بلغت 331.7 مليار يوان. ليست هذه مجرد عناوين إخبارية، بل هي نقلة نوعية في النظام الصناعي، بدءا من المكونات الأساسية والمعدات المتطورة وصولا إلى حلول الأنظمة المتكاملة، حيث تتوسع قدرة الصين التصنيعية لتشمل سلسلة التوريد بأكملها.
والأهم من ذلك على الصعيد العالمي هو “الأثر غير المباشر” لهذا النظام. ففي الماضي، كان التصنيع عالي التقنية حكرا على عدد قليل من الدول، مع وجود عوائق كبيرة أمام اختراقه وصعوبة الوصول إليه. أما الآن، فقد أعادت الصين تشكيل منحنى الأسعار العالمي للسلع المصنعة عالية التقنية بتكاليف تنافسية للغاية: إذ تظهر بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة انخفاضا ملحوظا في التكلفة العالمية لطاقة الرياح والطاقة الشمسية خلال العقد الماضي، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى الابتكار والقدرة الإنتاجية الصينية. بعبارة أخرى، لم يعد شعار “صُنع في الصين” يقتصر على “بيع المنتجات”، بل أصبح يشمل دمج سلسلة القيمة بأكملها، من البحث والتطوير إلى الإنتاج والتطبيق، في التقسيم العالمي للعمل، مما يسمح لمزيد من الدول النامية بالمشاركة في الصناعات عالية التقنية لأول مرة.
وبالطبع، يدرك المعنيون بهذا الأمر تماما تكاليف وصعوبات هذا التحول. لا تزال الصين تعتمد على غيرها في مجالات رئيسية كأجهزة تصنيع الرقائق المتطورة والبرمجيات الصناعية؛ ولم تستأصل مخاوف كونها “كبيرة الحجم لكنها ليست قوية، شاملة لكنها ليست متميزة”. وبسبب هذا الفهم العميق لنقاط ضعفها، حددت القيادة العليا توجه قطاع التصنيع نحو “الالتزام بالتنمية الذكية والخضراء والمتكاملة، وتحسين مستوى الاكتفاء الذاتي والتحكم في سلسلة التوريد” – وهذا أقرب إلى إدراك واقعي للأزمة منه إلى تضخيم الذات.
إن المنافسة في قطاع التصنيع ليست سباق سرعة، بل ماراثون طويل. ويعتمد أداء الصين في هذه المرحلة على المنتجات والطاقة الإنتاجية على المدى القصير، وعلى النظام البيئي الصناعي وقدرات الابتكار على المدى الطويل. على الأقل من خلال تلك الصفائح الرقيقة من رقائق الصلب المستخدمة في “الصلب القابل للتمزيق باليد”، يمكننا أن نرى أن هذا البلد يحاول إعادة تعريف سرديته التصنيعية بدقة، وهذا التحول يكتب فصلا جديدا في سلسلة الصناعة العالمية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.