
الانتخابات التشريعية الفلسطينية .. هل تملك الفصائل حق تعطيل الاستحقاق الدستوري؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي
في الأنظمة الديمقراطية، لا تُقاس قوة الحياة السياسية بكثرة الحوارات والتوافقات، بل بمدى احترام الدستور، والالتزام بالاستحقاقات الانتخابية، والاحتكام إلى إرادة الشعب بوصفه مصدر السلطات وصاحب الحق الأصيل في اختيار ممثليه.
ومن هنا، يبرز سؤال جوهري في المشهد الفلسطيني: هل تملك الفصائل السياسية، مهما بلغت مكانتها الوطنية، الحق في إلغاء الانتخابات التشريعية أو تأجيلها بمجرد التوافق فيما بينها؟
إن الإجابة تقتضي التمييز بين الدور السياسي للفصائل والصلاحيات الدستورية للجهات المختصة. فالحوار الوطني ضرورة، والتوافق السياسي وسيلة مشروعة لمعالجة الأزمات، لكنه لا يتحول تلقائيا إلى قرار قانوني نافذ، ولا يمنح الفصائل صلاحيات تتجاوز أحكام القانون الأساسي والتشريعات المنظمة للانتخابات.
فالانتخابات ليست منحة تقدمها الأحزاب للشعب، ولا استحقاقا يخضع لحسابات القيادات ومصالح القوى السياسية، بل هي حق دستوري وآلية لتجديد الشرعيات، وتمكين المواطنين من اختيار ممثليهم ومحاسبة من يتولون مسؤولية الحكم.
وقد أكد القانون الأساسي الفلسطيني أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن النظام السياسي يقوم على أسس ديمقراطية وتعددية. ومن هذا المنطلق، فإن احترام الإرادة الشعبية يقتضي عدم التعامل مع الانتخابات باعتبارها خيارا قابلا للتعطيل كلما تعقدت الحسابات السياسية.
التوافق السياسي ليس تفويضا دستوريا
لا يمكن تجاهل التحديات الاستثنائية التي يواجهها الفلسطينيون، وفي مقدمتها تداعيات الحرب والدمار في قطاع غزة، والقيود المفروضة على القدس الشرقية، وصعوبة توفير بيئة انتخابية آمنة ونزيهة وشاملة.
فهذه العقبات تستوجب معالجة جادة، ولا يصح إجراء انتخابات شكلية لا تتوافر فيها شروط الحرية والنزاهة. لكن الاعتراف بالصعوبات لا يعني منح الفصائل تفويضا مفتوحا لتعليق الحياة الديمقراطية.
إن الاتفاق الفصائلي على التأجيل، إن حصل، يظل توافقا سياسيا لا يكفي وحده لتغيير الموعد الانتخابي قانونيا. فذلك يتطلب إجراء يصدر عن الجهة المختصة، ويستند إلى أساس قانوني واضح، مع بيان الأسباب والضمانات التي تحول دون استمرار التأجيل إلى أجل غير معلوم.
الانتخابات استحقاق وليست ورقة تفاوض
إن أخطر ما يهدد الحياة السياسية الفلسطينية هو ترسيخ الاعتقاد بأن الاستحقاقات الانتخابية تخضع لموازين القوى والتفاهمات المغلقة، لا لقواعد دستورية واضحة وإرادة شعبية حرة.
فالانتخابات ليست مكافأة لفصيل، ولا تهديدا لفصيل آخر، ولا ورقة تفاوض تستخدمها القيادات لتحسين مواقعها السياسية؛ إنها حق للمواطن ومسؤولية على المؤسسات المختصة.
وإذا تعذر إجراؤها في موعدها لأسباب موضوعية وقاهرة، فإن الواجب يقتضي إعلان هذه الأسباب بشفافية، وتحديد السند القانوني للتأجيل، وتوضيح البدائل والضمانات الزمنية والمؤسسية التي تمنع تحوله إلى تعطيل مفتوح.
الشرعية للشعب والقانون للجميع
إن التوافق الوطني ضرورة لحماية المشروع الوطني الفلسطيني، لكن احترام الإرادة الشعبية ضرورة لحماية شرعية النظام السياسي نفسه. ولا ينبغي أن يصبح الالتزام بالدستور خاضعا لمزاج القوى السياسية أو حساباتها.
فالفصائل تملك حق الحوار والتوافق، لكنها لا تكتسب بمجرد توافقها سلطة دستورية مطلقة على حقوق الشعب. والانتخابات لا تُلغى بإرادة سياسية مجردة، كما أن تأجيلها لا يصبح مشروعا لمجرد الاتفاق عليه.
فلسطين بحاجة إلى توافق يحمي الديمقراطية، لا إلى توافق يحل محلها.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.