11:54 صباحًا / 10 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

اليوم العالمي للصحة النفسية: ما لا نراه خلف الابتسامة ، بقلم : هنادي طلال الدنف

اليوم العالمي للصحة النفسية: ما لا نراه خلف الابتسامة ، بقلم : هنادي طلال الدنف

في اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف العاشر من أكتوبر من كل عام، نتذكّر أن وراء الصمت حكايات، وخلف التماسك تعبًا لا يُرى، وأن من حق كل إنسان أن يجد من يسمعه ويحتويه دون أحكام.

ليس كل من يقول أنا بخير يكون بخير فعلًا. أحيانًا، تكون هذه العبارة أقصر طريقة لإنهاء الحديث، وأحيانًا أخرى تكون محاولة لإخفاء تعب لا يعرف صاحبه كيف يشرحه، أو مشاعر يخشى أن يُساء فهمها. فليس كل ألم واضحًا للعين، وليس كل من يبتسم يعيش أيامًا سهلة؛ هناك أشخاص يواصلون أعمالهم ودراستهم وحياتهم بصورة تبدو طبيعية، بينما يخوضون في داخلهم معارك صامتة لا يعرف عنها أحد شيئًا.

الإنسان ليس جسدًا يؤدي مهامه فحسب، بل هو أيضًا مشاعر وأفكار وذكريات ومخاوف واحتياجات إنسانية تستحق الاهتمام. ومع تسارع الحياة وتزايد المسؤوليات، قد ننسى أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا: كيف نشعر حقًا؟ وهل نمنح أنفسنا المساحة الكافية للتعبير عن مشاعرنا، أم أننا اعتدنا إخفاءها حتى أصبح التظاهر بالقوة جزءًا من حياتنا اليومية؟

نعيش في مجتمعات كثيرًا ما تربط القوة بالتحمّل المستمر، وتعتبر الصمت علامة على النضج، وتنتظر من الإنسان أن يتجاوز الصعوبات بسرعة، وأن يعود إلى حياته وكأن شيئًا لم يحدث. وقد يسمع الشخص المتعب عبارات مثل كن قويًا، أو هناك من يعاني أكثر منك، أو لا تفكر كثيرًا. وهي عبارات قد تُقال بنية طيبة، لكنها أحيانًا تجعل الإنسان يشعر بأن ألمه غير مفهوم، أو أن التعب الذي يعيشه لا يستحق أن يُعبّر عنه. والحقيقة أن معاناة الآخرين لا تُلغي معاناتنا، وأن الاعتراف بالألم ليس ضعفًا، كما أن طلب المساعدة لا ينتقص من قيمة الإنسان أو قدرته على مواجهة الحياة.

تختلف التجارب النفسية من شخص إلى آخر، حتى عندما يمرّ الأشخاص بالظروف نفسها. فقد يستطيع أحدهم الحديث عمّا يؤلمه، بينما يفضّل آخر الصمت. وقد يحتاج شخص إلى بعض الوقت ليستعيد توازنه، في حين يحتاج غيره إلى دعم مستمر. وهناك من تظهر عليه آثار التعب في صورة قلق أو أرق أو تشتّت في التركيز، بينما يواصل آخرون أداء مسؤولياتهم رغم ما يشعرون به من إرهاق داخلي. ولا توجد طريقة واحدة صحيحة للتعامل مع المشاعر، ولا ينبغي أن نقيس قدرة الإنسان على التحمّل من خلال مظهره الخارجي أو مقدار ما يتحدث عنه من معاناته.

وفي واقع تتزايد فيه الضغوط وتتراكم فيه المسؤوليات، قد ينسى الإنسان نفسه وهو يحاول تلبية احتياجات الآخرين، أو يعتاد تأجيل راحته حتى يجد وقتًا مناسبًا لا يأتي. وقد يشعر بالذنب عندما يأخذ استراحة، أو يظن أنه يجب أن يكون قويًا طوال الوقت حتى لا يثقل على من حوله. لكن الحقيقة أن الإنسان لا يستطيع أن يمنح الآخرين الدعم باستمرار إذا كان يتجاهل احتياجاته الخاصة. فالراحة ليست كسلًا، والتعب ليس فشلًا، والاعتراف بالحاجة إلى المساندة خطوة واعية نحو العناية بالنفس.

ومن هنا تبرز أهمية التعاطف مع الذات؛ أي أن نتعامل مع أنفسنا باللطف والتفهّم اللذين قد نقدّمهما لشخص نحبه عندما يمرّ بوقت صعب. فبدلًا من لوم أنفسنا لأننا لم ننجز ما خططنا له، يمكننا أن نسأل: ما الذي جعل هذا اليوم صعبًا؟ وبدلًا من وصف أنفسنا بالضعف لأننا شعرنا بالحزن أو الخوف، يمكننا أن نتذكر أن هذه المشاعر جزء من التجربة الإنسانية، وليست دليلًا على نقص فينا. ولا يعني التعاطف مع الذات تجاهل المسؤوليات أو الاستسلام للصعوبات، بل يعني أن نواجهها دون أن نضيف إلى أعبائنا قسوة اللوم المستمر.

كما أن الاهتمام بالصحة النفسية لا يقتصر على التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، بل يشمل عادات يومية بسيطة تساعدنا على الحفاظ على توازننا، مثل الحصول على قسط كافٍ من النوم، وممارسة النشاط البدني، وتنظيم الوقت، والحفاظ على التواصل مع أشخاص نشعر معهم بالأمان، وتخصيص مساحة للراحة بعيدًا عن الضغوط المتواصلة. وقد يساعدنا أيضًا أن نعبّر عن مشاعرنا بالكتابة أو الحديث مع شخص موثوق، بدلًا من تركها تتراكم في داخلنا. ومع ذلك، لا ينبغي أن نختزل الصحة النفسية في هذه العادات وحدها؛ فبعض الصعوبات تحتاج إلى مساعدة متخصصة، ولا يكفي معها أن يحاول الإنسان تغيير روتينه اليومي فحسب.

ولعلّ من أهم أشكال الدعم النفسي أن نتعلّم كيف نستمع إلى بعضنا بعضًا. فليس كل شخص يتحدث عن ألمه بحاجة إلى نصيحة، وليس كل صمت يعني أن صاحبه لا يريد المساعدة. أحيانًا، يحتاج الإنسان إلى من يصغي إليه دون مقاطعة، ويمنحه فرصة للتعبير دون أن يقلّل من مشاعره أو يقارنه بالآخرين. وقد يكون السؤال البسيط كيف حالك فعلًا؟ بداية لحديث مهم، إذا كان وراءه اهتمام حقيقي واستعداد للاستماع. فالكلمات الداعمة لا تحتاج إلى أن تكون مثالية، بل إلى أن تكون صادقة، وأن تمنح الآخر شعورًا بأنه ليس مضطرًا إلى إخفاء ضعفه كي يكون مقبولًا.

ومن الضروري أيضًا أن نتعامل مع طلب المساعدة النفسية بوصفه خطوة طبيعية نحو الرعاية، لا أمرًا يدعو إلى الخجل أو الوصمة. فعندما يستمر الحزن أو القلق، أو يؤثر التعب النفسي في النوم أو الدراسة أو العمل أو العلاقات، فقد يكون من المفيد التحدث إلى أخصائي نفسي أو أحد مقدمي خدمات الصحة النفسية. ولا يعني ذلك أن الإنسان عاجز عن مواجهة حياته، بل إنه يدرك أهمية فهم ما يمر به والحصول على الدعم المناسب. وينبغي أن تكون خدمات الصحة النفسية متاحة وآمنة ومحترمة، وأن يتمكن كل شخص من الوصول إليها دون خوف من الأحكام أو التمييز.

ولا يقتصر الاهتمام بالصحة النفسية على الوعي الفردي، بل يشمل أيضًا مراجعة الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان المتعب من حولنا. نحتاج إلى أن نخفف من الأحكام السريعة، وأن نتوقف عن مطالبة الجميع بأن يكونوا أقوياء طوال الوقت، وأن ندرك أن وراء كل شخص قصة لا نعرف تفاصيلها كاملة. فربما يكون زميلنا الذي يبدو هادئًا مثقلًا بالقلق، وربما يكون الشخص الذي يضحك كثيرًا بحاجة إلى من يسأله عن حاله بصدق، وربما يكون من اعتدنا الاعتماد عليه بحاجة هو الآخر إلى أن يجد من يعتمد عليه.

إن الاهتمام بالصحة النفسية لا يبدأ دائمًا بخطوات كبيرة؛ فقد يبدأ بكلمة طيبة، أو باستماع صادق، أو باحترام حاجة شخص إلى الراحة، أو بالاعتذار عن حكم متسرّع، أو بمنح أنفسنا الإذن لنكون بشرًا بما نحمله من قوة وتعب وأمل وخوف. فالمجتمع الأكثر وعيًا ليس المجتمع الذي يخلو أفراده من الألم، بل المجتمع الذي لا يترك الإنسان وحيدًا بسببه، والذي يرى في الرعاية النفسية ضرورة إنسانية، لا رفاهية يمكن الاستغناء عنها.

وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، لعلّ الرسالة الأهم التي نحتاج إلى تذكّرها هي أننا لسنا مطالبين بأن نكون بخير طوال الوقت، ولسنا مضطرين إلى إخفاء مشاعرنا كي نبدو أقوياء. من حقنا أن نتعب، وأن نطلب المساعدة، وأن نأخذ الوقت الذي نحتاج إليه، وأن نجد من يسمعنا دون أن يحاكمنا. فالقوة الحقيقية لا تعني أن نتحمّل كل شيء بصمت، بل أن نعرف متى نحتاج إلى الراحة، ومتى نمدّ أيدينا طلبًا للدعم، ومتى نمنح أنفسنا والآخرين مساحة أكبر من الرحمة والتفهّم.

لأن الصحة النفسية لا تعني ألّا نتألم، بل ألّا نُترك وحدنا في مواجهة الألم.

شاهد أيضاً

الصين والاتحاد الأوروبي

الصين والاتحاد الأوروبي يتفقان على الحفاظ على استقرار العلاقات التجارية الثنائية

شفا – اتفقت الصين والاتحاد الأوروبي على الحفاظ على استقرار العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية وجعلها …