
تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية أمام مفترق الطرق ، بقلم: آمنة الدبش
لم تكن الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مجرد موعد انتخابي عابر في المشهد السياسي الفلسطيني بل شكلت منذ الإعلان عنها اختباراً حقيقياً لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على استعادة شرعيته المتجددة وإنهاء حالة الجمود التي أصابت مؤسساته وإعادة الاعتبار لصوت المواطن الفلسطيني الذي طال انتظاره أمام صناديق الاقتراع.
لكن مع اقتراب الموعد عادت احتمالات التأجيل إلى الواجهة وسط تعقيدات سياسية وأمنية واقتصادية وعراقيل إسرائيلية وانقسام فلسطيني مستمر ومخاوف من أن تتحول الانتخابات من استحقاق وطني يفترض أن يفتح باب التغيير إلى ملف مؤجل مرة أخرى تدار حوله التفاهمات والحوارات من دون ضمانات واضحة للوصول إلى صناديق الاقتراع.
وفي تطورات 8 و9 تشرين الأول/أكتوبر 2026م تحدثت قيادات فلسطينية وتقارير إعلامية عن تفاهمات فصائلية باتجاه التأجيل فيما أفادت وكالة رويترز بأن القيادة الفلسطينية أبلغت الجانب الفرنسي بتوجه لتأجيل الانتخابات إلى موعد لاحق قد يصل إلى أيلول/سبتمبر 2027م وحتى لحظة إعداد هذا المقال ينبغي التمييز بين هذه التفاهمات والتوجهات المعلنة وبين صدور مرسوم رسمي نهائي يحدد مصير الاستحقاق وموعده الجديد.
▪︎ العراقيل الإسرائيلية
لا يمكن النظر إلى الانتخابات الفلسطينية بمعزل عن الواقع السياسي والأمني المعقد الذي يعيشه الفلسطينيون فإجراء انتخابات في ظل الانقسام والحرب وتداعياتها في قطاع غزة والقيود الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية يضع العملية الانتخابية أمام تحديات استثنائية.
ولهذا شكلت القدس الشرقية إحدى أبرز العقبات أمام إجراء الانتخابات في ظل التعقيدات المرتبطة بضمان مشاركة المقدسيين بما يكفل حقهم في الانتخاب والترشح ويمنع عزل المدينة عن الاستحقاق الديمقراطي الفلسطيني أو التعامل معها كاستثناء انتخابي يمس مكانتها السياسية والوطنية بوصفها عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة.
كما يشكل قطاع غزة تحدياً مختلفاً بالغ التعقيد أمام إجراء الانتخابات لا على الناحية اللوجستية وإنما من حيث البيئة الأمنية والإدارية والسياسية التي تحيط بالعملية الانتخابية وما تفرضه من صعوبات تتعلق بإعادة تأهيل البنية التحتية وتجهيز مراكز الاقتراع وضمان حرية حركة المواطنين وتمكين المؤسسات المعنية من أداء دورها في تنظيم انتخابات حرة ونزيهة وآمنة.
وقد أظهرت التقارير المتعلقة بالتحضيرات الانتخابية أن العقبات في القدس وغزة إلى جانب الانقسام الداخلي كانت من أبرز الأسباب التي دفعت باتجاه التأجيل لكن الاعتراف بخطورة هذه العقبات لا يعني التسليم بتحويلها إلى ذريعة مفتوحة لتعطيل الحياة الديمقراطية الفلسطينية أو تأجيل الاستحقاقات الانتخابية دون أفق واضح فالمطلوب هو تحرك فلسطيني سياسي ودبلوماسي وقانوني يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته ويطالب بضمان مشاركة الفلسطينيين في جميع أماكن وجودهم ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة.
▪︎ الانقسام معضلة الانتخابات
منذ الانتخابات التشريعية عام 2006م لم ينجح الفلسطينيون في تجديد المجلس التشريعي عبر انتخابات عامة جديدة بينما تحولت الانقسامات السياسية والجغرافية والمؤسساتية إلى واحدة من أعمق أزمات النظام السياسي الفلسطيني.
لم يعد الانقسام مجرد خلاف بين حركتين سياسيتين بل أصبح واقعاً مأساوياً ينعكس على مؤسسات الحكم وآليات اتخاذ القرار والعلاقة بين السلطة والمجتمع وقدرة القوى السياسية على الاتفاق على برنامج وطني جامع وفي ظل هذا الواقع لا يمكن التعامل مع الانتخابات بوصفها عملية فنية تنتهي بفتح الصناديق وفرز الأصوات فهي تحتاج إلى حد أدنى من التوافق على قواعد المنافسة واحترام النتائج وضمان الحريات السياسية وتوفير الظروف التي تسمح للفلسطينيين بالتعبير عن خياراتهم بعيداً عن الإكراه والتخويف والإقصاء.
ومن هنا يبرز موقف الداعين إلى التأجيل باعتبار أن الحوار الوطني قد يكون مدخلاً لمعالجة الخلافات وتوفير شروط مشاركة أوسع ومنع إنتاج أزمة سياسية جديدة في حال جرت الانتخابات من دون تفاهمات أساسية.
لكن هذا الطرح يواجه سؤالاً جوهرياً لماذا لا يكون الحوار الوطني مساراً موازياً للتحضير للانتخابات بدلًا من أن يصبح شرطًا مفتوحًا لتعليقها..؟
▪︎ الموقف الدولي
يتباين الموقف الدولي من الانتخابات الفلسطينية بين الدعوات إلى تجديد الشرعية الديمقراطية والتأكيد على ضرورة توافر الظروف السياسية والأمنية الملائمة لإجرائها وتبرز هنا مسؤولية المجتمع الدولي حيث يشكل عاملاً مساعداً في إنجاح الانتخابات لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الإرادة الفلسطينية أو وسيلة لفرض خيارات سياسية من الخارج.
المطلوب شراكة دولية تحترم الإرادة الفلسطينية وتساعد في إزالة العقبات من دون أن تفرض على الفلسطينيين شكلًا من أشكال التمثيل أو التسوية السياسية يتعارض مع حقوقهم الوطنية.
▪︎ من يدفع ثمن
لا يمكن قياس تداعيات تأجيل الانتخابات من خلال مواقف القيادات السياسية وحدها فهناك فئات واسعة من المجتمع الفلسطيني تنتظر أن تتحول المشاركة السياسية إلى وسيلة فعلية للتأثير في السياسات العامة.
فالنساء الفلسطينيات اللواتي يتحملن أعباء اجتماعية واقتصادية ونفسية ويواجهن تداعيات الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل يحتجن إلى مؤسسات تشريعية تضمن مشاركتهن الفاعلة في صنع القرار وتدافع عن حقوقهن وتضع قضايا الحماية الاجتماعية والعدالة والمساواة ضمن الأولويات الوطنية.
والشباب الذين يواجهون البطالة وانسداد الأفق يحتاجون إلى نظام سياسي يتيح لهم المنافسة على أساس البرامج والكفاءة لا أن تبقى أدوارهم محصورة في النشاطات الموسمية أو التعبئة خلال الأزمات.
أما العمال الذين يشكلون إحدى أكثر الفئات تعرضاً لتقلبات الاقتصاد الفلسطيني وللحصار والقيود الإسرائيلية وفقدان فرص العمل فهم بحاجة إلى مجلس تشريعي منتخب يضع قضايا التشغيل والأجور والحماية الاجتماعية والحقوق النقابية في صلب عمله الرقابي والتشريعي.
إن غياب المجلس التشريعي لا يعني فقط تأجيل انتخابات النواب بل يعني أيضًا تأخير فرصة المجتمع لإعادة ترتيب أولوياته عبر التمثيل السياسي والمساءلة العامة.
ولهذا فإن أي تأجيل لا يتضمن ضمانات لتوسيع مشاركة النساء والشباب والعمال والفئات المهمشة سيخاطر بإطالة أمد الفجوة بين الحياة السياسية والواقع الاجتماعي الذي يعيشه الفلسطينيون.
▪︎ تأجيل الانتخابات
إن التأجيل قد يكون مبرراً إذا كان محدداً وضرورياً ومصحوباً بخطة واضحة قابلة للقياس والمساءلة لكنه يتحول إلى خطر سياسي وديمقراطي حين يصبح قراراً مفتوحًا بلا ضمانات أو مدخلًا لترحيل الاستحقاقات الوطنية إلى أجل غير معلوم فالشعب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال والحرب والفقر والنزوح لا يحتاج فقط إلى إدارة أزماته بل إلى استعادة حقه في اختيار ممثليه وتجديد شرعية مؤسساته.
وتتعزز هذه المخاوف في ضوء التجربة الفلسطينية السابقة حين أُجلت الانتخابات العامة عام 2021م بذريعة عدم توافر شروط إجرائها في جميع الأراضي الفلسطينية من دون أن يحدد موعد جديد آنذاك لتبقى الانتخابات معطلة حتى اليوم وهي تجربة تعيد طرح السؤال حول الضمانات التي تحول دون تكرار السيناريو ذاته وتضع القوى السياسية أمام مسؤولية عدم تحويل العقبات القائمة إلى مبرر دائم لتعليق الحق الديمقراطي للشعب الفلسطيني.
وفي هذا السياق جددت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين رفضها لأي تأجيل جديد لانتخابات المجلس التشريعي محذرةً من أن مثل هذا القرار لن يعالج أزمة النظام السياسي بل سيعمّقها ويستبق نتائج الحوار الوطني الشامل ويهدد بترحيل استحقاقات وطنية ملحّة تتجاوز الانتخابات التشريعية إلى إعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة والتوافق الوطني.
ولا يقتصر رفض تأجيل الانتخابات على موقف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بل يمتد إلى مؤسسات أهلية ورقابية فلسطينية ترى في إجراء الانتخابات حقًا أصيلًا للمواطنين واستحقاقاً لا يجوز تعطيله بقرارات سياسية.
في المحصلة إن تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية دون جدول زمني ملزم وضمانات واضحة لن يكون سوى تكريس لأزمة الشرعية وإطالة أمد الانقسام فالعقبات القائمة مهما بلغت صعوبتها يجب أن تكون مدخلاً لإيجاد الحلول لا ذريعة لتعطيل الحق الديمقراطي والمطلوب اليوم موقف وطني حاسم يضمن إجراء الانتخابات ويضع حداً لسياسة ترحيل الاستحقاقات فالانتخابات ليست منحة من أحد بل حق للشعب الفلسطيني وتجديد الشرعية لم يعد خياراً مؤجلاً بل ضرورة وطنية لا تحتمل مزيداً من التسويف.
آمنة الدبش – صحفية وكاتبة من قطاع غزة
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.