
أشباهك الأربعون ، بقلم : غدير حميدان الزبون
الساعة الآن تشير إلى الثامنة مساءً، والمصابيح المتأرجحة في الخارج تفرض ظلالاً مشوهة على الجدران المقشرة لـ “مقهى العدم”، وهو قبو تفوح منه رائحة البُنّ المحروق وكتب الفلسفة الرطبة.
يظهر الشاب كريم غارقا في سوداوية عبثية، مرتديا معطفاً صوفياً رمادياً فضفاضاً يحتمي به من الوجود، وشعره أشعث يشبه عشّ طائر مهجور، وعيناه غائرتان تحدقان في الفراغ، يحمل قلماً يقرع به الطاولة بإيقاع جنائزي منتظم.
بينما يجلس سامر الرجل الخمسيني الأصلع يرتدي بدلة رسمية أنيقة لكنها مهترئة عند الأكمام.
ملامحه هادئة لدرجة مخيفة، ويحمل حقيبة جلدية سوداء لا يفارقها، وابتسامته باردة أشبه بشفرة حلاقة.
يقلّب كريم فنجان قهوته المرة، ويسعل بسوداوية مسلّطا نظره على سامر الجالس أمامه.
يتنهّد كريم ويقول: يا سامر، يقول المثل الشعبي: “يخلق من الشبه أربعين”، لكنني أظنها نبوءة مرعبة.
تخيل أنّ هناك تسعة وثلاثين نسخة أخرى من بؤسي تتجول الآن في هذا الكوكب البائس.
يبتسم سامر ابتسامة خفيفة ويعدل نظارته قائلا: ولماذا تفترض أنهم بائسون مثلك؟ الفلسفة تقول إنّ الاحتمالات لانهائية.
ربما أحد أشباهك الآن هو ملياردير في نيويورك، والآخر بوذي وجد السلام النفسي الذي تبحث عنه في سيجارتك هذه.
ينفث كريم الدخان بسخرية: مستحيل، فالجينات لا تكذب.
لو كان لي أربعون شبيهاً، فالحتمية البيولوجية تفرض أنْ يكونوا جميعاً مصابين بذات اللعنة.
أراهم الآن: أحدهم يسقط في بالوعة مفتوحة في المطر، والآخر يُرفض طلب توظيفه للمرة المئة، وثالثهم يجلس في مقهى رديء يشرح لشخص ما فلسفة أشباهه الأربعين.
نحن مجرد نسخ كربونية مشوهة لخطأ وجودي أول.
سامر: هذه كوميديا سوداء بامتياز، فأنت تحول التعددية الوجودية إلى مأساة شخصية.
ماذا لو التقى هؤلاء الأربعون في غرفة واحدة؟
يضحك كريم ضحكة جافة: سيكون ذلك المشهد الأكثر إثارة للسخرية في تاريخ البشرية، وسينظر كل منا إلى الآخر، ونكتشف أننا جميعاً نملك نفس الندبة خلف الأذن، ونفس الخيبة في العينين.
سنبدأ بالشكوى الجماعية، ثم نتقاسم فواتيرنا بالتساوي.
إنها فكرة مريحة ومقززة في آن واحد بأنْ تكون تافهاً لدرجة أنّ هناك 39 تكراراً منك.
يأخذ سامر رشفة من شاي الأعشاب الخاص به: حسناً يا كريم، لقد أفرطت في التحليل الفلسفي الليلة، لكن ماذا لو أخبرتك أنّ حساباتك الرياضية خطيرة، وأنّ النظام العام لا يحتمل هذا الفائض من البؤس؟
كريم: ماذا تقصد؟ الكون يبتلع المجرات، فهل تضيق مساحته بأربعين شخصاً يؤجلون التزاماتهم يومياً؟
يضع سامر فنجانه ببطء، ويفتح حقيبته الجلدية السوداء: في الواقع نعم، فالضغط البيروقراطي هائل، ولهذا السبب هناك وظائف سرية في هذا العالم لا يُعلن عنها في الصحف.
يعقد كريم حاجبيه بسخرية: وظائف؟ مثل ماذا؟ مصفف شعر للنسخ المشوهة؟
يخرج سامر من الحقيبة ملفاً سميكاً يحتوي على وثائق رسمية وصور فوتوغرافية، ويضعها على الطاولة: مثل وظيفتي أنا.
أنا أعمل مصححًا وجوديًّا لصالح سكرتارية التوازن العام، ومهمتنا هي إلغاء السجلات المدنية للفائض الوجودي عندما تصبح طاقة البؤس للأربعين مهددة لاستقرار الميزانية العامة للكون.
شخصت عينا كريم وهو ينظر إلى الأوراق الملقاة أمامه، ثمّ التقط الوثيقة الأولى، فكانت شهادة شطب قانونية لشخص في اليونان يملك تماماً نفس ملامحه، ونفس الشامة على الخد الأيسر، ومكتوب عليها: تمّ تحويله إلى كائن افتراضي غير فعال.
أمّا الوثيقة الثانية فكانت قرار إلغاء هُوية لشخص في مدريد نسخة طبق الأصل منه.
والوثيقة الثالثة، فالرابعة، والخامسة…كلها وثائق إلغاء رسمية لأشخاص يشبهونه تماماً في مدن مختلفة من العالم، وعلى كلّ ورقة ختم أحمر بعبارة: تَمَّ الشَّطْبُ النِّهَائِيُّ.
تصلّب كريم في مكانه، وسقط القلم من يده ليحدث رنيناً وحيداً في المقهى الصامت.
تطلّع إلى سامر بذهول حقيقي تداخل مع ضحكة هستيرية مكتومة، وقال بصوت يرتجف: ما هذا؟ هل هذه دعابة؟ هل تمّ إلغاء وجودهم قانونياً؟
يخرج سامر بهدوء ختماً رسمياً ضخماً وحبراً أحمر من حقيبته، ويضعه على الطاولة، ويقول بنبرة هادئة للغاية:
أبداً يا كريم، لقد كنت أبحث عنك منذ شهرين لتوقيع الورقة الأخيرة.
في الواقع إنّ الفلسفة التي تحدثت عنها صحيحة جداً، فأنت النسخة رقم 40 والأخيرة في السجلات.
وبتوقيعك الليلة على هذا الإقرار سيتم شطب ملفك الوجودي تماماً، وتتحول قانونياً إلى مجرد وهم، وتنتهي لعنة هذا الشبه إلى الأبد من دفاتر الدولة.
ينظر كريم إلى الختم، ثم إلى فنجان قهوته الفارغ، وتتسع ابتسامته الساخرة لتتحول إلى ضحكة منخفضة: ههههههه هل هذا يعني أنني من الناحية القانونية لم أعد موجوداً، ولن أضطر لدفع الضرائب أو حساب المقهى الليلة؟
يغمز سامر له ببرود ويختم الورقة بعنف: بالتأكيد، اعتبر حسابك الليلة خارج نطاق الوجود.
انطلق صوت الختم القوي على الطاولة، وتنهد كريم بارتياح تامّ وهو يسند رأسه إلى الخلف، بينما تبرع المذياع الصغير في زاوية المقهى ببث أغنية مسائية هادئة عن فوائد التخلص من الالتزامات اليومية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.