5:51 مساءً / 7 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

بورصة المقاعد على رصيف الصقيع ! بقلم أ. منال رمضان الصفدي

بورصة المقاعد على رصيف الصقيع ! بقلم أ. منال رمضان الصفدي

تخيل مشهدا سريالياً بامتياز : خيمة تقتلعها ريح كانون الأول العاتية ، طفلٌير تجف بأطرافٍ زرقاء تحت بطانية رطبة تفوح منها رائحة الطين والمطر ، وعلى بُعد كيلو مترات قليلة – أو ربما خلف شاشات مكيفة في عواصم التيه – يجلس طاقم حملة انتخابية يناقش بخبث : “ هل نضع ابن العائلة الفلانية أو ابن التنظيم الفلاني ثانياً أم ثالثاً في القائمة لنضمن أصوات الجنوب ؟

هذا ليس فصلاُ من رواية عن نهاية العالم ؛ إنه واقع غزة اليوم .

شتاءٌ قارس يدق عظام النازحين كالمطارق ، بينما تنشغل النخب والماكينات الحزبية بإحصاء أصوات الموتى الأحياء ، في بورصة سياسية تبدو فيها دماء أطفالنا وشبابنا وصقيعهم مجرد “ رافعة تفاوضية “ لاأكثر من ذلك .

تجارة الأمل في موسم الوحل

في بلاد أكلت الحرب لحمها حتى العظم ، تخرج علينا القوائم الانتخابية ببدلاتها الأنيقة وشعاراتها المصقولة بعناية ، لتقدم للشعب المعجون بالقهر وجبة مكررة من الوعود : إعادة الإعمار أم حكومة الإنقاذ أم الأخيرة الأكثر وطنية تثبيت الصمود .

لكن مهلاً : بأي وقاحةٍ يُطلب من إنسان يغرق في فراشه بمياه الصرف الصحي ومياه المطر أن يكترث بماهية أو شكل المجلس التشريعي القادم ؟ بأي منطق يُدعى رجل خسر منزله وفقد أولاده ليمنح شرعيته لقائمة لاتملك حتى الآن خطة عمل واضحة لإدخال كرفان ٍ واحد أو مدفأة غاز أو حتى قبس ضوءٍ يؤنس ليل الخيام المتجمدة ؟

إن البرامج الانتخابية المطروحة اليوم تكشف عن عورٍ أخلاقي فادح ؛ فهي تتعامل مع مأساة الشتاء كأنها أزمة طقسٍ عابرة ستحلها البيانات الصحفية ، متجاهلة ً أن الصقيع في غزة لا ينتظر إغلاق صناديق الاقتراع ولا يقرأ بيانات التنديد .

البرد في غزة يا سادة لا يحتاج ديمقراطية معلبة بل يحتاج قراراً سياسياً ينتزع حق الناس في الحياة من فكي الحصار والخذلان .

ثلاث خطايا ترتكبها القوائم في حق غزة المتجمدة

الاستثمار الرخيص في الوجع : تحويل صور الخيام الغارقة إلى خلفيات درامية لحملات الدعاية الانتخابية ،واستجداء تعاطف الشارع بصوت يتباكى على الشاشات بينما تدار المعارك الحقيقية خلف الأبواب المغلقة لاقتسام الحصص والتمويل .

شيزوفرينيا الأولويات : أن تُهدر ملايين الدولارات والجهود اللوجيستية على ترتيب المؤتمرات وطباعة البوسترات ، وحملات الترويج الرقمي ، بينما ثمن لفة نايلون عازل للمطر يعجز عنها شرائه رب أسرة نازح يقف عاجزاً أمام بكاء رضيعه.

الوهم المريح والتنصل من الواقع : كل قائمة تعد بأنها ستفعل وتفعل متناسقةً أن الاحتلال الذي يمنع دخول الخيام ومعدات الشفط يملك أيضاً مفتاح منع العملية السياسية برمتها . بيع الوهم للغارقين في الوحل ليس مجرد سذاجة سياسية ؛ انه تواطؤ ضمني في تمديد المعاناة.

رسالة من تحت أوتاد الخيمة المتطايرة

إن الشرعية الحقيقة لاتأتي بختم ورقة اقتراع ، بل بوقف ارتعاش طفل واحد في مواصي خانيونس أو ركام جباليا .

أذا كانت هذه القوائم عاجزة عن تشكيل وفد وطني موحد يفرض إدخال مقومات النجاة الشتوية الآن ودون إبطاء ، فما حاجتنا إليها في الغد ؟

على من يخطبون ود الشارع أن يدركوا : أهل غزة لايأكلون شعارات ولا يتدفأون ببياناتكم الانتخابية .

ومن لا يستطيع أن يكون خيمةً تقي أهله من زمهرير الشتاء ، فليس جديراً بأن يكون سقفاً سياسياً لهم تحت قبة أي برلمان! .

صندوق الاقتراع الذي لايًنقذ الغزي من الموت برداً ، يستحق أن يُكسر ويًشعل حطباً للتدفئة

شاهد أيضاً

المؤسسة الفلسطينية للإقراض الزراعي تبحث مع سلطة جودة البيئة تعزيز الاقتصاد الأخضر

المؤسسة الفلسطينية للإقراض الزراعي تبحث مع سلطة جودة البيئة تعزيز الاقتصاد الأخضر

شفا – بحث رئيس المؤسسة الفلسطينية للإقراض الزراعي، الدكتور عبد المنعم وهدان، مع رئيس سلطة …