
من الشائعة إلى الجنازة… أوقفوا الكلمة قبل أن تصبح رصاصة، بقلم : م. عصام أبو دقة
في غزة، لا تبدأ كل جنازة بصوت الرصاص. أحيانًا تبدأ برسالة صوتية مجهولة المصدر، أو كلمة نُقلت ناقصة، أو منشور كُتب في لحظة غضب، أو شخص قال لآخر: «العائلة كلها يجب أن ترد». وخلال دقائق، يتحول خلاف بين شخصين إلى تحشيد بين عائلتين، ويظهر السلاح، وعندها لا يعود الاعتذار قادرًا على إعادة من قُتل.
ما يجري لم يعد يسمح لنا بالتعامل مع النزاعات المسلحة باعتبارها حوادث عابرة. ففي السابع عشر من آب/أغسطس 2026، بدأ خلاف بين مواطنين أثناء تعبئة مياه الشرب في منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، ثم تطور إلى إطلاق نار أدى إلى مقتل مواطن يبلغ 52 عامًا وإصابة ثلاثة آخرين بجروح حرجة. وقبل ذلك بأيام، أدى إطلاق نار في حي الشيخ رضوان إلى مقتل شابين نازحين وإصابة آخرين. لم تبدأ هذه الوقائع بمعركة كبيرة، بل بخلافات وجدت السلاح جاهزًا، والغضب أسرع من صوت العقل.
وتكشف بيانات الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح حجم الضغط الذي يعيشه المجتمع؛ فقد عالجت لجان الإصلاح 1585 قضية خلال شباط/فبراير 2026، و1966 قضية في نيسان/أبريل، و1295 قضية في حزيران/يونيو. وتشمل هذه القضايا مشاجرات ومشكلات عائلية ومالية، وقضايا قتل وسرقة ونزاعات على الأراضي. كما يعمل في قطاع غزة أكثر من 90 لجنة إصلاح، تضم أكثر من 850 رجل إصلاح، تمكنت من معالجة نسبة كبيرة من القضايا المعروضة عليها.
هذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا: المجتمع ما زال يمتلك رجالًا ونساءً قادرين على الإصلاح ومنع الدم، لكن المشكلة أن كثيرًا من التدخلات تبدأ بعد أن يكبر الخلاف، وأحيانًا بعد سقوط الضحية. المطلوب هو نقل دور الوجهاء وقادة المجتمع من إطفاء الحريق بعد اشتعاله إلى منع الشرارة الأولى.
ولا يمكن فصل تصاعد الاحتكاكات عن واقع غزة؛ فالنزوح والاكتظاظ وفقدان البيوت والدخل، ونقص الماء والغذاء، والضغط النفسي الطويل، كلها جعلت الناس أكثر توترًا وأقل قدرة على الاحتمال. لكن فهم هذه الظروف لا يعني تبرير القتل. الحرب تفسر حجم التوتر، لكنها لا تمنح أحدًا حق تحويل غضبه إلى رصاصة، ولا تعفي من حرّض أو سلّح أو أخفى المعتدي من المسؤولية.
الخطر اليوم أن الكلمة نفسها أصبحت سلاحًا. تسجيل صوتي بلا مصدر قد يشعل حيًا، وصورة قديمة قد تُنشر وكأنها وقعت اليوم، واتهام غير موثق قد يحول عائلة كاملة إلى هدف. وفي مجتمع متعب ومزدحم، تنتقل الشائعة أسرع من وصول رجل الإصلاح، ويبدأ الناس بالرد قبل أن يعرفوا أصل الحكاية.
لهذا نحتاج إلى ما يمكن تسميته «بروتوكول الساعة الأولى»: عند وقوع أي خلاف، يجب أن يتواصل وجهاء الطرفين فورًا، وأن يصدر موقف واضح بأن المشكلة فردية ولا تمثل أي عائلة، وأن تتوقف المنشورات والرسائل التحريضية، ويُمنع تجمع المسلحين، وتُؤمَّن حماية الأبرياء، ويُسلَّم المعتدي والسلاح المستخدم إلى الجهات المختصة.
فالساعة الأولى قد تكون الفاصل بين خلاف ينتهي بالصلح ونزاع يمتد إلى جنازات وثأر لسنوات.
ويجب تثبيت قاعدة لا تقبل النقاش: خطأ الفرد يبقى خطأً فرديًا، ولا تتحول عائلته إلى متهم جماعي. لا يجوز الاعتداء على أب أو أخ أو طفل بسبب جريمة ارتكبها قريب لهم. والعائلة لا تحمي كرامتها بإخفاء مطلق النار، بل تحمي اسمها عندما ترفض الجريمة وتسلمه إلى العدالة.
وفي الرابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2026، أطلقت وزارة الداخلية في غزة حملة «إلا الدم»، في رسالة تؤكد أن الخلافات قد تقع، لكن الوعي قادر على منع تحولها إلى كارثة. ويجب ألا تبقى «إلا الدم» مجرد وسم على مواقع التواصل، بل أن تتحول إلى ميثاق مجتمعي واضح: لا حمل للسلاح في الخلافات، لا إخفاء لمتهم، لا تعطيل للعدالة، لا تحشيد، لا ثأر، ولا نشر لأسماء واتهامات قبل التحقق.
غزة لم يعد فيها بيت يحتمل مأتمًا جديدًا. لقد دفع الناس من دمهم وأبنائهم وبيوتهم ما يفوق قدرة البشر، ولا يجوز أن تضيف الشائعة والتحريض ونقل الكلام مزيدًا من اليتامى والأمهات المفجوعات.
لا تنتظروا صوت الرصاص حتى تتحركوا. أوقفوا الكلمة التي تشعل الغضب، وحاصروا الشائعة، وامنعوا التحشيد، وقولوا الحقيقة قبل أن تملأ الأكاذيب الفراغ.
«إلا الدم» ليست جملة عاطفية، بل عقد لحماية المجتمع. فالكلمة المسؤولة في وقتها قد تنقذ إنسانًا، أما الكلمة التي تشعل الفتنة فقد تنتهي بجنازة، وحين يسيل الدم يخسر الجميع.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.