8:35 مساءً / 2 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

المسيحيون الفلسطينيون: الواقع المعاش في مواجهة الرواية السياسية للاحتلال ، بقلم : السفيرة فيرا بابون

المسيحيون الفلسطينيون: الواقع المعاش في مواجهة الرواية السياسية للاحتلال ، بقلم : السفيرة فيرا بابون

من يتحدث بإسم المسيحيين الفلسطينين ؟!”

في كلمته أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن المسيحيين في إسرائيل ” يتزايد عددهم ويزدهرون ويحققون النجاح” ، في حين تراجع عدد السكان المسيحيين في بيت لحم في ظل الإدارة الفلسطينية.

غير أن هذه المقارنة تتجاهل الواقع الأوسع الذي يواجهه المسيحيون الفلسطينيون.


ففي بيت لحم، وفي مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة، يتقاسم المسيحيون الظروف ذاتها التي تؤثر في مجمل السكان الفلسطينيين، بما في ذلك القيود المفروضة على حرية الحركة والوصول إلى الأراضي، والتوسع الاستيطاني، وعنف المستوطنين، والتجزئة الجغرافية للأراضي، والقيود الاقتصادية، وانعدام الأمن.

وعليه، فإن فهم أسباب تراجع أعداد المسيحيين الفلسطينيين يتطلب النظر في هذه الظروف السياسية والاقتصادية والجغرافية في سياق الاحتلال الإسرائيلي. كما يتطلب فهماً للكيفية التي تؤثر بها هذه الظروف في قدرة المسيحيين الفلسطينيين على البقاء والصمود والازدهار وبناء مستقبل لهم في وطنهم الفلسطيني.

وبما أن نتنياهو وضع المسيحيين الفلسطينيين في صلب حجته، فإن التحول الديموغرافي لا بد من تحليله في ضوء الظروف التي تحدده وتؤثر فيه. والسؤال المحوري هنا هو: ما الذي يمكّن المسيحيين من البقاء والازدهار في ظل واقع شكّله الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، وهو واقع يؤثر في المسيحيين والمسلمين الفلسطينيين على حد سواء؟

غير أن المسألة الأعمق تتمثل في تحديد المنظور الذي ينبغي أن تُفهم من خلاله تجربة المسيحيين الفلسطينيين: هل هو منظور نتنياهو، بصفته رئيس حكومة القوة القائمة بالاحتلال، أم منظور المسيحيين الفلسطينيين أنفسهم الذين يعيشون تحت الاحتلال؟


وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم إدوارد سعيد حول «الإذن بالسرد» أهمية خاصة. وكما أشار سعيد، فإن «الوقائع لا تتحدث من تلقاء نفسها على الإطلاق»، بل تكتسب دلالتها من خلال السرديات التي تحيط بها وتفسرها. ومن هنا، لا يمكن فصل تجربة المسيحيين الفلسطينيين عن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الأوسع للشعب الفلسطيني.

فالحاجز العسكري لا يصبح أقل تقييداً لحرية الحركة لأن من يعبره مسيحي، كما أن المستوطنة لا يكون تأثيرها على الأرض مختلفاً لأن مالك تلك الأرض مسيحي. إن الإيمان يميز المسيحيين الفلسطينيين من حيث هويتهم الدينية، لكنه لا يفصلهم عن واقعهم الفلسطيني.

ينبغي فهم واقع المسيحيين الفلسطينيين، قبل كل شيء، من خلال أصوات أولئك الذين يعيشون هذا الواقع وتجاربهم اليومية. فقد وثّق قادة الكنائس الفلسطينية والمؤسسات المسيحية اعتداءات ومضايقات نُسبت إلى مستوطنين إسرائيليين وجماعات يهودية متطرفة، استهدفت كنائس ومقابر ورجال دين وسكاناً وأراضي وممتلكات. ومن القدس الشرقية والطيبة إلى بيرزيت وعين عريك وبيت لحم، تصف هذه الشهادات ضغوطاً تؤثر في أمن المجتمعات المسيحية وسبل عيشها وقدرتها على البقاء في أرضها. كما تمتد هذه الضغوط لتطال مؤسساتها، التي أدت، على مدى أجيال، دوراً أساسياً في الحفاظ على الهوية المسيحية الفلسطينية واستمرار الحياة المجتمعية.

وفي عام 2026، رفضت السلطات الإسرائيلية منح تصاريح، أو امتنعت عن تجديد تصاريح، لموظفين فلسطينيين من الضفة الغربية يعملون في المدارس المسيحية في القدس الشرقية، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الدراسة والإضراب عن العمل. وتزيد مثل هذه القيود من الضغوط الواقعة على المؤسسات المسيحية التي اضطلعت، على مدى أجيال، بدور محوري في الحفاظ على الهوية المسيحية الفلسطينية ودعم استمرارية الحياة المجتمعية.

وتكشف الجغرافيا بُعداً آخر من أبعاد هذا الواقع. فبالنسبة إلى المسيحيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، يتطلب الوصول إلى كنيسة القيامة دخول القدس الشرقية عبر منظومة إسرائيلية من التصاريح والحواجز ونقاط التفتيش وجدار الفصل.

كما يثير المشروع الاستيطاني E1 مخاوف مماثلة فيما يتعلق بالوصول إلى بيت لحم وكنيسة المهد. وقد حذّرت الأمم المتحدة من أن تنفيذ مشروع E1 من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من تفتيت التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.


ومن شأن تنفيذ هذا المشروع أن يعمّق العزل الجغرافي للمجتمعات المسيحية الفلسطينية، ولا سيما تلك الموجودة في رام الله والمناطق الواقعة إلى الشمال منها، وأن يزيد من صعوبة وصولها إلى بعض أقدس المواقع المسيحية في القدس الشرقية وبيت لحم.

في نهاية المطاف، من يتحدث باسم المسيحيين الفلسطينيين؟ إن المسيحيين الفلسطينيين أنفسهم، بوصفهم جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ومن تجربته في ظل الاحتلال، هم الأقدر على رواية الواقع الذي يعيشونه، وليس القوة القائمة بالاحتلال، التي لا يمكن لسرديتها أن تحل محل تجارب أولئك الذين يعيشون تحت وطأة سياساتها.

وقد شدّد الملك عبد الله الثاني على هذا الترابط الوثيق بين التجربة المسيحية والواقع الفلسطيني في كلمته أمام الجمعية العامة ذاتها. وفي معرض رفضه تصوير الصراع باعتباره مواجهة دينية، وضع قضية المسيحيين والمسلمين الفلسطينيين في إطار مسألة الحقوق، قائلاً: ” إن المسألة تتعلق بما إذا كان الفلسطينيون، مسلمين ومسيحيين، يتمتعون بالحق في الحقوق ذاتها التي يتمتع بها الآخرون” .كما أن دعوته إلى حماية الوجود المسيحي ” في مجتمعاته وتراثه، وفي وطنه وأرضه التاريخية” تؤكد هذا المبدأ من جديد.

إن الحفاظ على الوجود المسيحي في فلسطين يعني حماية مجتمعات حية ومتجذرة في أرضها، وضمان قدرة الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين على حد سواء، على البقاء والازدهار وبناء مستقبل يسوده السلام وتصان فيه الكرامة ,

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم الجمعة 2 أكتوبر كالتالي :عيار 22 86.400 دينارعيار 21 …