
«شالوم».. حين يصبح الإنسان سؤال الرواية..قراءة في رواية «اسمي شالوم» للروائية الفلسطينية الغزية إيمان الناطور، بقلم : شريف الهركلي
ليست القدس في رواية «اسمي شالوم» مجرد مكان تجري فيه الأحداث، كما أن «شالوم» ليس مجرد اسم اختارته الكاتبة لشخصية روائية. كلاهما يبدو جزءًا من بناء رمزي أكبر، أرادت من خلاله إيمان الناطور أن تضع الإنسان في مواجهة أكثر أسئلته تعقيدًا: من نحن عندما تسقط عنّا كل التصنيفات؟.
وربما تزداد أهمية هذا السؤال لأن الرواية خرجت من غزة؛ من المدينة التي عاشت الحرب والحصار والدمار، ومن مكان يعرف الإنسان فيه، أكثر من أي مكان آخر، كيف يمكن للصراع السياسي والعسكري أن يتحول إلى تفاصيل يومية في حياة الناس.
لذلك لا تبدو «اسمي شالوم» مجرد رواية عن السلام كتبَتها كاتبة من خلف نافذة بعيدة، بل محاولة أدبية للخروج من قلب التجربة نفسها، والبحث عن معنى الإنسان وسط عالم أنهكته الحروب.
تذهب الرواية إلى المستقبل، نحو عام 2050، لتصنع عالمًا متخيلًا تتغير فيه خرائط السياسة والجغرافيا، وتصبح الحدود أقل حضورًا أمام عالم أعلن وحدته. لكن الكاتبة لا تجعل المستقبل هو مركز الحكاية، بل تعود إلى السؤال الأقدم: هل يستطيع الإنسان أن يرى الإنسان الآخر بوصفه إنسانًا أولًا؟
من هنا يأتي «شالوم»، الشخصية اليهودية الإسرائيلية، التي تبحث عن حقيقتها الخاصة، وتحاول الخروج من أسر الحقائق المقولبة التي ورثها الإنسان عن الدين والجغرافيا والعرق والتاريخ.
وحول شالوم، تتشكل دائرة من الأصدقاء المسلمين والمسيحيين واليهود، لتتحول الشخصيات إلى ما يشبه مختبرًا إنسانيًا تختبر فيه الرواية إمكانية العيش المشترك، وحماية المختلف، ومواجهة الشر دون تحويل الاختلاف إلى كراهية.
لكن قوة الفكرة الروائية لا تأتي فقط من دعوتها إلى السلام، فهذه الفكرة مطروحة في الأدب والفكر منذ زمن طويل، وإنما من اختيار القدس مسرحًا لها.
فهنا تلتقي غزة والقدس، كل منهما بطريقتها، في ذاكرة مثقلة بالحرب والخوف والانقسام. ومن هذا التقاطع تطرح الرواية سؤالها: إذا كان الإنسان قد ورث كل هذه الجدران، فهل يستطيع يومًا أن يبني جسرًا؟
الرواية لا تقول إن الاختلاف يجب أن يختفي، بل تذهب إلى فكرة أكثر جرأة: أن الاختلاف يمكن أن يبقى، من دون أن يتحول إلى جدار بين إنسان وإنسان.
وهنا يبرز مفهوم «الإنسانية الواحدة» الذي تتحرك حوله أحداث الرواية؛ فالإنسان، وفق الرؤية التي تطرحها الكاتبة، لا ينبغي أن يُختزل في جنسيته أو دينه أو عرقه أو لونه، كما لا ينبغي أن يصبح انتماؤه سببًا في إلغاء إنسانية الآخر.
وفي قلب هذه الفكرة يطل السؤال الأكثر إيلامًا: عندما تتصارع الأحزاب والتيارات والمشاريع السياسية، وتشتد الحروب بين اليمين واليسار وسائر القوى والاتجاهات، أين يقف الإنسان العادي؟ وما ذنب الفلسطيني والإسرائيلي الذي يجد نفسه وسط صراع أكبر من حياته اليومية؟
هذا السؤال يصبح أكثر قسوة عندما يأتي من كاتبة عاشت في غزة، المدينة التي دفعت، وما زالت تدفع، أثمانًا هائلة للحروب. فغزة هنا ليست خلفية لسيرة الكاتبة فقط، وإنما جزء من الوجع الذي يجعل سؤال الرواية عن الإنسان سؤالًا حقيقيًا لا مجرد تمرين فكري.
وقد تبدو رؤية «اسمي شالوم» مثالية أو حالمة، خصوصًا إذا نظرنا إليها من واقع القدس والمنطقة، لكنها في الأدب ليست مشكلة.
فالرواية ليست مطالبة بأن تكون تقريرًا عن الممكن، بل يحق لها أن تطرح المستحيل وتسألنا: ماذا لو حاولنا؟
وهنا تكمن قيمة «اسمي شالوم» بوصفها رواية تحمل فكرة قبل أن تحمل حكاية.
فالكاتبة القادمة من غزة، المكان الذي عايش الحرب والاقتلاع والخوف، تختار أن تدخل إلى القدس من بوابة الأدب، لا لتكتب صراعًا آخر، بل لتختبر إمكانية الخروج منه.
وربما يكون أجمل ما في التجربة أن القارئ لا يُطلب منه أن يوافق على الفكرة منذ البداية، وإنما أن يدخل معها في الحوار.
فالأدب الحقيقي لا يوزع الإجابات جاهزة، بل يترك في رأس القارئ سؤالًا طويل العمر.
وسؤال «اسمي شالوم» في جوهره ليس: من هو شالوم؟
بل: هل يستطيع الإنسان الذي خرج من قلب الحرب أن يحلم بعالم لا تكون فيه الحرب قدرًا للإنسان؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.