7:38 مساءً / 2 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

الطعام لغة بلا حدود.. المطاعم الصينية في الشرق الأوسط جسر لتعزيز التواصل الشعبي

الطعام لغة بلا حدود.. المطاعم الصينية في الشرق الأوسط جسر لتعزيز التواصل الشعبي

شفا – شينخوا – ظل الفيلم الصيني “مرحبا بكم في مطعم التنين” الذي تتوفر فيه العديد من العناصر العربية، ضمن المراتب المتقدمة في قائمة إيرادات شباك التذاكر في البر الرئيسي الصيني، حيث تجاوز إجمالي إيراداته 2.3 مليار يوان (حوالي 341.49 مليون دولار أمريكي) يوم 30 سبتمبر الماضي بعد 51 يوما من عرضه الرسمي، وفقا لمنصة بيع التذاكر “ماويان”.

وبالإضافة إلى العائد المادي، أثار هذا الفيلم أيضا نقاشات على نطاق واسع. وعلقت بعض وسائل الإعلام العربية قائلة إن أكثر العناصر حضورا في الفيلم هو الطعام، واصفة إياه بأنه اختيار ذكي من الناحية الدرامية والثقافية، فالمائدة في الثقافتين الصينية والعربية ترتبط بالضيافة والاجتماع، ولذلك يمكن للطعام أن يعمل كلغة مشتركة تتجاوز الفوارق.

ويدور الفيلم حول قصة الطاهي الصيني “شيوي فو” الذي كان يسافر إلى الشرق الأوسط للعمل في “مطعم التنين”. ومع اندلاع الحرب، يتحول من رجل يسعى إلى كسب المال إلى شخص يقرر المخاطرة بحياته لحماية أطفال أيتام من قسوة الحرب.

وفي نهاية الفيلم الصيني، يقدم نادل، يؤدي دوره في الفيلم شاب عراقي، معلومات حول طبق مميز في المطعم. وبالنسبة إلى هذا الشاب العراقي أمين منير محمد العبيدي، لا يعد الفيلم قصة سينمائية فقط.

يعيش أمين في الصين منذ 15 عاما ويحمل الاسم الصيني “فانغ هاو مينغ” ويعمل كمراسل مع قناة الصينية العربية (سي أيه تي في). وقال أمين: “الفيلم يحكي قصتنا ولكن الواقع كان أقسى من الأفلام بمائة مرة”.

ولد أمين في بغداد خلال نوفمبر عام 2000. وعندما كان عمره أقل من ثلاث سنوات، اندلعت حرب العراق. ومع تدهور الوضع، اضطر إلى أن يغادر وطنه مع عائلته في عام 2005 . ويتذكر أمين أن الناس كانوا قلقين ومتوترين طوال الوقت في خضم الحرب وكان يصعب عليهم الجلوس بهدوء لتناول وجبة بشكل جيد.

وصل أمين مع عائلته إلى الصين في عام 2011 ليعيش في منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوي بشمال غربي الصين. وبعد أيام قليلة من استقراره في مدينة يينتشوان، حاضرة المنطقة، حل عيد الربيع، وهو أهم عيد تقليدي في الصين تجتمع فيه العائلات للاحتفال ولم الشمل.

وفي الليل، فاجأت أصوات الألعاب النارية هذه العائلة العراقية التي شعرت بالخوف عند سماع هذه الأصوات. وقال أمين: “في بلدي، عندما يسمع الناس هذه الأصوات، يتوتر الجميع ويرغبون في الدخول إلى الملاجئ”. لكن ما رآه أمين في الخارج كان مختلفا: كان الأطفال يضحكون ويهللون ويطلقون الألعاب النارية الملونة مع عائلاتهم. وقال أمين: “كانت تلك هي المرة الأولى التي أدركت فيها أن مثل هذه الأصوات يمكن أن تجلب السعادة أيضا وليس بالضرورة أن تجلب الخوف”.

ومنذ ذلك الحين، أصبح عيد الربيع عيدا يفضله أمين لأنه يحب جوه المليء بالفرح والمرح ويحب أيضا تناول العشاء مع عائلته في المساء عشية رأس السنة الصينية الجديدة. وقال: “السعادة هي أن يتناول أفراد العائلة معا وجبة في جو من السلام والاستقرار”.

وقال أمين إن العراق هو موطنه، إلا أن الصين أعطته حياة جديدة وهدوءا. ويبذل أمين جهودا متواصلة لتعزيز معرفة العالم العربي والصين ببعضهما البعض. وقال إنه تجول في أماكن مختلفة في الصين خلال السنوات الأخيرة وعمل على عرض الصين الحقيقية من خلال عمله الصحفي.

وتأتي قصة فيلم “مرحبا بكم في مطعم التنين” على الشاشة بناء على أساس الحكايات الحقيقية التي عايشها بعض الصينيين أثناء تشغيلهم لمطاعم صينية في منطقة الشرق الأوسط، حيث رأى هؤلاء الصينيون أن المطاعم الصينية لم تكن أماكن لتناول الطعام فقط، بل كانت تمثل مساحات تجمع شخصيات من ثقافات ولغات وخلفيات مختلفة.

في عام 2004، توجه شواي شيويه جيون، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 31 عاما، مع أصدقائه إلى العراق. وكانت أمتعتهم، التي بلغ وزنها أكثر من 50 كيلوغراما، تتألف في معظمها من التوابل الصينية المميزة التي يصعب العثور عليها في العراق، حيث كانوا سيعملون في مطعم صيني هناك اسمه “مطعم التنين الصيني”.

وفي حديثه عن تجربته قبل أكثر من 20 سنة، قال شواي: “الظروف هناك كانت أصعب مما تخيلنا عندما وصلنا إلى بغداد”، موضحا أن المطعم كان في بيت قديم نوافذه محطمة الزجاج وليس له باب.

بيد أنهم لم يتنازلوا عن الأمل وواصلوا تحسين ظروف المطعم. وعندما بدأوا في تحقيق أرباح، شرعوا أحيانا في إضافة بعض الأدوات إلى المطبخ أو إصلاح زجاج نوافذ المطعم في أحيان أخرى. ووسط جهودهم المستمرة، تحسنت ظروف المطعم وبدأت أعماله تزدهر تدريجيا.

ويتذكر شواي أنه خلال فترة ذروة ازدهار أعمال المطعم، لم تكن 20 أو 30 مائدة تكفي لاستقبال الزبائن. وكان الناس يأتون إلى المطعم ليستمتعوا بلحظات من الراحة في خضم الحرب.

لكن مع تدهور الوضع هناك، غادر شواي العراق خلال شهر مارس عام 2005. وقال إنه أثناء فترة عمله في “مطعم التنين الصيني” في العراق، ورغم الذكريات المليئة بالمخاطر الناجمة عن نيران الحرب، ترسخت المشاعر الدافئة والبسيطة بين الناس داخل قلبه.

وأشار إلى أنه كان هناك كثير من الأطفال المشردين في شوارع بغداد، ومعظمهم فقدوا أقاربهم بسبب الحرب، وعندما كانوا يلجؤون إلى المطعم، كان المطعم عادة يقدم لهم وجبات من الأرز المقلي.

ومن جهة أخرى، عندما تعطلت المعدات في المطعم ولم يتوفر مكان لصيانتها، كان الزبائن الذين يأتون دائما إلى المطعم يقدمون لهم مساعدات لاستبدال الأجهزة القديمة بأخرى جديدة.

وفي الوقت نفسه، كان تشن شيان تشونغ يُشغل مطعما صينيا آخر يحمل اسم “يان لونغ وان” في العراق خلال الفترة ما بين عامي 2003 و2005. وفي البداية، وبتوصية من الآخرين، قام تشن بتأسيس هذا المطعم بنية بسيطة، وهي توفير مكان يلتقي فيه الصينيون المغتربون.

ومع اندلاع الحرب، أصبح مطعمه منطقة أمان محايدة بسبب جنسيته الصينية وجسرا يربط بين الناس. وفي ذلك الوقت، جاء صحفيون أجانب وأطباء محليون وأطفال نازحون إليه، وكان تشن يستضيفهم أو يوفر حماية لهم.

وقال تشن إن السكان المحليين كانوا يحبون تناول الأطعمة الصينية، إذ يمكن للناس أن يجربوا مذاقا مختلفا من جهة، ويجتمعوا مع أصدقائهم في المطعم من جهة أخرى، فضلا عن دعوة أصدقائهم القادمين من الصين إليه، مضيفا أن السكان المحليين كانوا يفضلون شرائح لحم الغنم المقلية بالبصل ولحم البقر مع صلصة المحار ومعجنات “جياوتسي” في مطعمه.

وكان تشن قد تعلم اللغة العربية في جامعة بكين، وزار العراق لأول مرة بصفته مترجما في عام 1984. ومنذ ذلك الوقت، ارتبط تشن بعلاقة وثيقة مع العراق.

وبعد اضطراره لإغلاق مطعمه الصيني في بغداد في عام 2005 بسبب الحرب، واصل تشن ممارسة أعمال تجارية مع العراق. وقال إنه خلال تعامله مع السكان المحليين، وجد أن العراقيين طيبون وودودون. وكان من الأشياء التي تركت انطباعا عميقا لديه هو أن الجيران من حوله غالبا ما يتبادلون ما لديهم وما يفتقرون إليه. وأضاف: “كان عندي جاري لديه مزرعة، وكان يرسل لنا دائما بعض التمر والفواكه الأخرى، وأحيانا كنت أرسل له سمكا مشويا، كما كنت أقدم له بعض الأدوات الخزفية”.

ولم يعد تشن، الذي يبلغ من العمر الآن 73 عاما، يقوم بأعمال تجارية في العراق حاليا ولكنه لا يزال يقدم استشارات لأصدقائه الذين يريدون تطوير الأعمال هناك. وقال: “أنا استفدت من العراق وأريد أن أساعد المحليين والصينيين أيضا”.

وعلى خلفية توسع التجارة والاستثمار والسياحة والتبادل البشري بين الصين ودول الشرق الأوسط، بدأت المطاعم الصينية تتحول تدريجيا إلى جزء من المشهد الغذائي المحلي. وعلى سبيل المثال، تضم دولة الإمارات أكثر من 200 مطعم تقدم المأكولات الصينية، وفقا لتقارير إعلامية صينية. ولا تقتصر هذه المطاعم، من حيث مالكيها والعاملين فيها، على الجنسية الصينية وحدها، بل تشمل أبناء جنسيات عديدة أخرى.

وغدت المطاعم الصينية في الشرق الأوسط بمثابة محطات ثقافية، حيث تتحول الثقافة الصينية إلى تجربة يومية يمكن تذوقها والشعور بها، الأمر الذي يعزز التفاهم والتواصل بين الناس.

شاهد أيضاً

بوتين يتابع تدريبات "المركز-2026" في ميدان "تشيباركولسكي" بمشاركة أكثر من 47 ألف عسكري

بوتين يتابع تدريبات “المركز-2026” في ميدان “تشيباركولسكي” بمشاركة أكثر من 47 ألف عسكري

شفا – حضر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى ميدان “تشيباركولسكي” لمتابعة التدريبات العسكرية “المركز-2026” وأعلن …