1:41 مساءً / 30 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

قرية الثعابين، بقلم : شريف الهركلي

قرية الثعابين، بقلم : شريف الهركلي

في إحدى البساتين، كانت دودة صغيرة تعيش تحت التراب. لا تُرى، ولا يُسمع لها صوت، لكنها كانت تعرف طريقها إلى الجذور؛ تأكل في الظلام، ثم تعود إلى جحرها كأن شيئًا لم يكن.
كبرت الدودة.
تكاثرت، وانتقلت من شجرة إلى أخرى، حتى صار أهل البستان يرون آثارها ولا يرونها.
وذات صباح، كان صياد الثعابين يتكئ على شجرة جمّيز، يراقب الأرض بصمت.
قال: «إن تركناها تكبر، فلن تبقى دودة، بل ستتحول إلى ثعبان».
ثم أخرج نايه وعزف لحنًا هادئًا، كأنه يريد أن يوقظ شيئًا نائمًا في البستان.
كانت الدودة تحب الضجيج. كلما علت الأصوات، تحركت أكثر. وكلما اضطرب البستان، وجدت طريقًا أوسع تحت التراب.
ومرت الأيام.
وفي صباحٍ ثقيل، خرج من التراب ثعبان أسود.
كان طويلًا، لامع الجلد، حاد الأنياب.
رفع رأسه ونظر إلى الأشجار.
لم يعد يختبئ.
صار يلدغ كل من يقترب، وينفث سمّه في البئر، وعلى الطرق، وبين البيوت، حتى لم يعد يكتفي بلدغ الناس، بل مدّ سُمّه إلى قرار القرية، فاختلطت أصواتها، وتاه قرارها الوطني بين فحيح الثعابين.
اجتمع أهل القرية، ودقّوا الطبول، وأشعلوا النيران، وأخذوا يتجادلون فيما حلّ بالقرية.
وبينما كانت الأصوات تتعالى، ظهرت طفلة صغيرة، جلست قرب شجرة، وأخذت تدندن بصوت خافت:
«يا بستاني لا تنمْ،
تحت التراب لنا حلمْ،
إن ذبلتْ فيك الشجرة،
سنزرعُ ألفَ زهرة».
ثم رفعت رأسها نحو الأشجار، وكأنها لم تكن ترى الثعابين، بل كانت ترى الربيع الذي لم يأتِ بعد.
قالت عجوز تسعينية، تتكئ على عصاها:
«رحم الله غسان… يوم قال: دقّوا جدران الخزان. ونحن اليوم ننتظر الدقّة الأولى التي توقظ هذا البستان».
وقالت فتاة ترتدي ثوبًا أبيض:
«ليتنا نعرف كيف نختار من يحرس البستان».
وقال شاب:
«دعوا الثعابين تعيش، لا تعلّمونا القسوة».
بحث أهل القرية في أمره، فاكتشفوا أنه يجمع سمّ الثعابين ويبيعه إلى مختبرات بعيدة.
وفي تلك اللحظة، صرخ شاعر القرية الأسمر، سالم الدبجي، وقال:
«ستموتُ يومًا إن أُصبتَ بعلّةٍ
وتركتَها ترعى حَشاكَ وتُهلكُ
كالعشبِ بين الوردِ إن أهملتَهُ
أيقظتَ في البستانِ قحطًا يفتكُ»
فقال شيخ تسعيني:
«يا أبنائي، لا تجعلوا البستان أضيق من قلوبكم. تقاسموا ظلاله، ولا تتخاصموا على جذوعه، واقتلوا الديدان والثعابين».
قرر أهل القرية الاستعانة بصائد الثعابين.
حمل نايه، واتجه إلى الوكر.
وقف عند المدخل، وعزف اللحن نفسه.
خرج الثعبان.
اقترب.
اقترب أكثر.
ثم انقضّ.
لدغه.
سقط الصياد على التراب، بينما عاد الثعبان إلى وكره.
ساد الصمت.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أهل القرية يسمّون مكانهم البستان.
سمّوه:
«قرية الثعابين».
أما الأشجار، فبقيت واقفة.
وفي كل ربيع، كانت تحاول أن تُخرج ورقة جديدة.
لكن تحت التراب، كانت الديدان لا تزال تتحرك.
وبقي السؤال معلقًا بين الأغصان:
هل بدأ الخراب يوم خرج الثعبان، أم يوم تركنا الدودة تكبر في الظلام؟.

شاهد أيضاً

جبهة النضال الشعبي الفلسطيني

النضال الشعبي : علم فلسطين يشكل معنى السيادة ورمز النضال وسنقاتل من أجل أن يبقى مرفوعاً

شفا – قالت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن علم دولة فلسطين يشكل معنى السيادة ورمز …