9:00 مساءً / 29 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

بناء الذات أولاً: من مطاردة الأهداف إلى النضج والاتزان الداخلي ، بقلم : تشرين عوده مصاروه

بناء الذات أولاً: من مطاردة الأهداف إلى النضج والاتزان الداخلي

بناء الذات أولاً: من مطاردة الأهداف إلى النضج والاتزان الداخلي ، بقلم : تشرين عوده مصاروه


تنطلق التجربة الإنسانية من سعي غريزي مستمر نحو تحقيق الأهداف وبناء العلاقات، لسلوك بشري يقع غالبًا في فخ المطاردة المجهدة التي تستنزف الطاقات دون الوصول إلى الغايات المنشودة. تعكس استعارة الفراشة والبستان تحولاً جوهرياً في المفهوم النفسي للاستحقاق وقوانين التفاعل مع الواقع والبيئة المحيطة؛ إذ إن الملاحقة الدؤوبة تفترض شعورًا ضمنيًا بالنقص والاحتياج، وهو ما يولد ضغطًا نفسيًا يدفع الطرف الآخر أو الهدف إلى الهروب والابتعاد المستمر.


ومن هنا يرتكز الاستحقاق الحقيقي على نقل التركيز من الملاحقة الخارجية إلى تشييد البيئة الذاتية وتطويرها بصورة شاملة ومستدامة، لتغدو الذات بحد ذاتها مركز جذب طبيعي للفرص والمكتسبات والعلاقات الإنسانية المثمرة حين تتكامل شروط نضجها وازدهارها الداخلي. إن الانشغال بالمؤثرات والنتائج الظاهرية على حساب البناء الداخلي يضعف فاعلية السعي وجودته، يمثل الاعتناء بالتربة النفسية والوجدانية، تأسيسًا رصينًا يثمر استقرارًا نفسيًا دائمًا وتناغمًا عميقًا مع متغيرات الحياة وتحدياتها المعقدة عبر مسار الوجود البشري بأكمله، مما يتيح للإنسان بناء واقع حقيقي يعبر عن أصالته.


يرتبط هذا التحول في جوهره بإدراك عميق لسنن الحياة وقوانين الوجود الكونية والنفسية، وفي مقدمتها فهم محددات الهوية وإعادة استكشاف الذات قبل الانخراط في أي مسار مهني أو علاقة اجتماعية أو مشروع إنساني. يشبه هذا المسار الداخلي عملية دوزنة وضبط أوتار الآلة الموسيقية؛ إذ يستحيل إصدار نغم متناسق أو عزف معزوفة منسجمة إذا كانت الأوتار تعاني من خلل في الشد أو الارتخاء الزائد عن حده الطبيعي. يقتضي النضج المعرفي والنفسي فحص المعايير والقيم والأفكار الموجهة للسلوك بصورة واعية ودقيقة ومستمرة، لضمان صدور القرارات والمواقف عن اتزان داخلي حقيقي ورؤية واضحة للذات وللآخرين، الأمر الذي ينعكس تلقائيًا على تفاعل الفرد مع واقعه المحيط بدرجة عالية من الثبات والوضوح والرسوخ. حين يعرف الإنسان من هو على وجه الدقة، وما هي مبادئه الثابتة، وما هي أولوياته الجوهرية غير القابلة للمساومة، تتلاشى أمامه الحيرة وتقل قابليته للتشتت والانسياق خلف التيارات المؤقتة أو التوقعات الخارجية الجائرة التي تفرضها النظم الاجتماعية والتنافسية المعاصرة، ليصبح أكثر قدرة على توجيه طاقته نحو ما يثري تجربته الإنسانية الحقيقية.


يتجلى هذا الاتزان الداخلي بصورة خاصة في كيفية إدارة العواطف والمشاعر الفطرية، حيث تمثل الطيبة قيمة إنسانية رفيعة ومؤشرًا دالاً على سلامة الفطرة وسمو الأخلاق، غير أن ممارستها دون ضوابط واعية وتقدير دقيق للواقع يجعلها عرضة للاستنزاف المتكرر والصدمات العاطفية القاسية والتجارب المريرة. لا تعني الصلابة النفسية أو حماية الذات التخلي عن اللين أو الانزلاق نحو القسوة والجمود، بل تتطلب إحاطة هذا النقاء الوجداني بسياج متين ومرن في آنٍ واحد من الحدود السلوكية والنفسية الواضحة والفعالة. يضمن هذا التغليف الواعي حماية المشاعر الأصيلة من التبديد والاستغلال، فالحدود النفسية ليست جدرانًا عازلة عن الحياة والناس، بل هي مساحات أمان تضمن بقاء الروح نقية وقادرة على العطاء المتزن والمستدام في مختلف الظروف.


إن الارتقاء بالذات وبلوغ مرحلة النضج الشامل يستوجب التوقف النهائي عن لوم الظروف الخارجية والاعتراف بالمسؤولية الفردية الكاملة عن جودة الحياة الداخلية وطبيعة العلاقات الإنسانية التي يختار الفرد نسجها والاستثمار فيها. إن إعادة الاعتبار للبناء الذاتي تمثل حجر الزاوية في بناء مجتمع متوازن ومتماسك، حيث ينطلق كل فرد من مركز قوة واستقرار داخلي يسهم في إثراء المحيط العام وتقديم نماذج ملهمة في العطاء والوعي والإنتاجية الخلاقة. بذلك تغدو الرحلة الإنسانية مسيرة تحول واعية من انتظار النتائج بمطاردة السراب الخارجي إلى ترسيخ الحضور الحقيقي القائم على الاستحقاق والكفاءة النفسية، ليصبح الإنسان نفسه هو البيئة الخصبة التي تزهر فيها الفرص وتستقر عندها النجاحات وتتوافد إليها المعاني الأصيلة بكل سلاسة وتلقائية ويسر واطمئنان.

أ . تشرين عوده مصاروه – استاذه تربيه خاصه وباحثه دكتوراه – الطيبة – المثلث – عرب الداخل

شاهد أيضاً

السفارة الصينية في رام الله تقيم احتفالاً بمناسبة الذكرى الـ77 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية

السفارة الصينية في رام الله تقيم احتفالاً بمناسبة الذكرى الـ77 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية

السفير الصيني سون تشن يعلن عن حزمة مساعدات إنسانية عاجلة لقطاع غزة ويؤكد استمرار دعم …