
دراما سياسية تنبش الماضي.. ونتعلق بجبال الوهم السياسي ، بقلم : شريف الهركلي
في الحرب، لا نتعلم الدرس دائمًا؛ نعيش الأحداث قبل أن نملك رفاهية فهمها، ونخرج من بين الركام بأسئلة أكثر مما نملك من إجابات. بينما يصرّ بعض السياسيين على إعادة طرح الأسئلة القديمة، وكأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى إلا فوق أنقاض الماضي.
ومن خلال متابعة الصراع السياسي الفلسطيني، نلاحظ كيف تسابق بعض الفصائل والقوى السياسية الزمن برواياتها وحكاياتها ورسائلها، وتعيد استحضار أحداث الماضي، وتضع عليها المؤثرات الدرامية في خطابها السياسي، حتى يبدو المشهد وكأننا أمام حلقات جديدة من مسلسل قديم.
لكن هل حقق الماضي عبرته؟ وهل الحاضر لنا فعلًا؟ وهل المستقبل حلم نسعى إلى تحقيقه، أم مجرد ورقة سياسية تُستخدم كلما احتاجت بعض الأطراف إلى استعادة حضورها؟
لا مشكلة في قراءة الماضي، فالأمم التي لا تقرأ تاريخها قد تكرر أخطاءها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الماضي من مدرسة إلى مسرح، ومن ذاكرة وطنية إلى أداة لتصفية الحسابات، ومن كشف للحقائق إلى دراما سياسية تبحث عن جمهور.
هنا تبدو فلسطين وكأنها أمام هوليوود السياسة الفلسطينية؛ روايات تتبدل، وشخصيات تعود إلى المشهد، وأحداث قديمة تُقدَّم بملابس جديدة، بينما يُدفع المواطن إلى مقعد المتفرج، ويُطلب منه أن يصفق لكل رواية جديدة، وهو الذي يدفع ثمن التذكرة من أمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه.
الآخرون يستخدمون الماضي لبناء رواياتهم وتثبيت حضورهم في الحاضر، وربما لصناعة صورة عن المستقبل. أما نحن، فكثيرًا ما نعود إلى الماضي لكي نختلف عليه من جديد، ونظل متعلقين بجبال الوهم السياسي؛ نتصور أننا نصعد نحو القمة، بينما قد نكون ندور حول الجبل نفسه.
إلى متى سنظل نشاهد ونبكي على قصص وحكايات نعرف بعضها، ونختلف حول بعضها، ونجهل الكثير من تفاصيلها، ثم نعود في اليوم التالي إلى الخلاف ذاته؟
غريب أمر شعبنا؛ رغم شجاعته وصلابته، يعيش أحيانًا حالة من الخوف السياسي؛ يخاف السؤال، ويخاف الاختلاف، ويخشى فتح الملفات القديمة حتى لا يجد نفسه متهمًا بالانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك.
وبعض السياسيين يقدمون الأحداث القديمة وكأنهم عادوا من رحلة صيد يحملون صيدًا ثمينًا، وكأنهم اكتشفوا سرًا لم يعرفه أحد من قبل، بينما المواطن ينتظر في كل صباح حلقة جديدة من مسلسل لا تنتهي حلقاته، تتغير فيه المشاهد وتبقى النتيجة واحدة.
لقد أفسدت قرود السياسة بعض الزرع، وعبثت بالمحاصيل، وتنازعت على الثمار، بينما ضاع المواطن، وضاع معه جزء من الوطن.
لكن المواطن الفلسطيني ليس مجرد متفرج في هذا المسرح؛ فهو صاحب الحق في السؤال، وصاحب المصلحة في معرفة الحقيقة، وصاحب القرار في اختيار الطريق الذي يريد أن يسلكه وطنه. وحين يتحول المواطن من متلقٍ للروايات إلى شريك في صناعة المستقبل، تفقد الدراما السياسية كثيرًا من قدرتها على التحكم في المشهد.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الدراما السياسية، بل إلى شجاعة سياسية تقول الحقيقة، وتضع الماضي في مكانه الطبيعي: ذاكرة نتعلم منها، لا مقصلة نذبح بها حاضرنا.
فالماضي لا يصبح مفيدًا لمجرد أننا نبشه، وإنما يصبح درسًا عندما يمنعنا من تكرار أخطائنا والاعتراف بها. أما المستقبل، فلا تصنعه الحكايات وحدها، بل تصنعه إرادة تعرف أن فلسطين أكبر من الفصائل، وأن المواطن ليس متفرجًا في هوليوود السياسة، بل صاحب القضية وصاحب الحق في أن يرى نهاية مختلفة لهذا الفيلم الطويل.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.