9:56 صباحًا / 22 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

منع الرئيس”أبو مازن” أم تغييب فلسطين؟ بقلم : مريم شومان

منع الرئيس “أبو مازن” أم تغييب فلسطين؟ بقلم : مريم شومان

لم يكن قرار الولايات المتحدة منع رئيس دولة فلسطين “أبو مازن” من دخول أراضيها للمشاركة شخصيا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خبر دبلوماسي مرّ عبر المنصات الرقمية، بل تحول سريعا إلى مادة سياسية وشعبية كشفت شيئا أعمق من تفاصيل القرار نفسه:


كيف ينظر الفلسطينيون إلى تمثيلهم، وكيف يتعاملون مع الخلاف السياسي عندما يتقاطع مع موقف خارجي يمس الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية.


للعام الثاني على التوالي، يُمنع الرئيس من دخول الأراضي الأمريكية للمشاركة شخصيا في اجتماعات الأمم المتحدة مع التصويت بغالبية 152 دولة لصالح السماح له بتقديم كلمة عبر الفيديو، لكن ما يستحق التوقف عنده ليس القرار وحده؛ بل بالطريقة التي استقبلته بها المنصات الفلسطينية.


فقد انقسم الخطاب بصورة واضحة بين من رأى في القرار تضييقا على الحضور الفلسطيني في الأمم المتحدة، ومن تعامل معه باعتباره فرصة “للسخرية” من شخص الرئيس وانتقاد السلطة الوطنية الفلسطينية، وبين فئة ثالثة حاولت الفصل بين موقفها من “أبو مازن” وبين موقفها من منع ممثل فلسطين من الوصول إلى المنبر الدولي.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر دلالة.


يمكن للفلسطيني أن ينتقد رئيس بلده، وأن يعارض سياسات قيادته، وأن يطالب بتجديد الشرعية السياسية من خلال صناديق الاقتراع، كل ذلك جزء طبيعي من النقاش العام، لكن السؤال المختلف هو: ماذا يحدث عندما يتحول الخلاف مع الشخص إلى شماتة في إقصائه من المشهد الدولي؟


إحدى الرسائل الأكثر بروزا في نقاشات الشارع الفلسطيني عبر المنصات الاجتماعية كانت أن منع الحضور لا يمنع الكلمة، وأن تغييب الوفد الفلسطيني لا يعني تغييب القضية الفلسطينية، ونقاشات أخرى ذهبت إلى التأكيد أن الاختلاف مع الرئيس لا ينبغي أن يتحول إلى فرح عندما يتعرض الحضور نفسه للتضييق.


لقد خلقت المنصات الاجتماعية نوعا جديدا من المجال العام، كل مستخدم يستطيع أن يكون محللا وكل صفحة تستطيع أن تصبح منبرا، وكل مقطع يمكن أن يتحول إلى دليل في معركة سياسية، ولم يعد إنتاج الرأي حكرا على الصحفي أو السياسي أو الباحث، وهذه إحدى أهم مكاسب البيئة الرقمية لأنها وسعت مساحة التعبير والنقد والمساءلة.


لكن الوجه الآخر لهذا التحول أن سهولة الكلام لا تعني بالضرورة عمق الفكرة.


في قضية منع الرئيس يمكن أن نجد تحليلا يتناول مكانة فلسطين في الأمم المتحدة، ودور منظمة التحرير والاعتراف بالدولة الفلسطينية، ثم نجد في المساحة نفسها منشورا لا يتجاوز انتقاد شخص الرئيس أو الاحتفال بمنعه، وفي أحيان أخرى؛ يختصر النقاش كله في سؤال من نوع: لماذا سمحت واشنطن للرئيس الإيراني بالدخول ومنعت الرئيس الفلسطيني؟.


السؤال مشروع، لكن المشكلة نبدأ عندما تصبح السخرية بديلا عن التحليل.


فالمنصة الرقمية لا تسأل المستخدم إن كان ما يكتبه يمثل موقفا سياسيا مدروسا أم مجرد انفعال لحظي، الخوارزمية تهتم بقابلية المحتوى للتفاعل لا بعمقه، ولذلك فإن الجملة الساخرة قد تنتشر أسرع من تحليل ألف كلمة، والصورة قد تهزم السياق، والمقطع القصير قد يختزل قضية دبلوماسية معقدة في ثوان.


وهنا تكمن إحدى مشكلات الرواية الفلسطينية المعاصرة؛ لسنا فقط أمام صراع مع روايات خارجية، وإنما أمام صعوبة في إنتاج رواية فلسطينية متماسكة عن الذات.
في لحظة يفترض أن يكون فيها النقاش منصبّا على معنى منع ممثل فلسطين من الحضور الشخصي في الجمعية العامة، ينشغل جزء من الجمهور بمنع الرئيس وجزء آخر “بالشماتة” فيه، وجزء ثالث بالدفاع عنه، فيما تتراجع القضية الأوسع: ماذا يعني أن يُحرم الصوت الفلسطيني من الحضور المباشر في منصة دولية؟.


المسألة لا تتعلق فقط بشخص الرئيس، فهو يشغل وظيفة تمثيلية، المسألة في أن منع الرئيس من الحضور قد يحمل أثرا رمزيا يتجاوز شخصه، لأنه يطال الصورة التي يظهر بها التمثيل الفلسطيني أمام العالم.


وهذا هو الجانب الذي تضيع دلالته عندما تتحول القضية إلى مناسبة للشماتة.


“الشماتة” ليست مجرد موقف عاطفي عابر، في المجال الرقمي يمكن أن تتحول إلى سردية، تبدأ بجمملة ساخرة عن الرئيس ثم تنتقل إلى السخرية من السلطة الوطنية، ثم إلى التشكيك في منظمة التحرير، ثم إلى تصوير الإقصاء الفلسطيني باعتباره نتيجة تستحق الاحتفال، وبذلك ينتقل الخطاب من دون أن يشعر صاحبه أحيانا من نقد القيادة إلى تطبيع فكرة إضعاف التمثيل الفلسطيني نفسه.


يمكن أن نختلف حول العديد من القضايا الوطنية من دون أن يصبح غياب فلسطين عن المنبر الدولي إنجازا لنا، وهذه هي النقطة التي تحتاج المنصات الفلسطينية إلى استعادتها؛ التمييز بين المعارضة والشماتة، بين النقد والإلغاء، وبين محاسبة القيادة وقبول تراجع الحضور الوطني.


المنصات لا تعكس الراي العام فقط؛ إنها تشارك في تشكيله، وما يكرر آلاف المرات يبدأ في اكتساب مظهر الحقيقة، وما يتحول إلى مادة ساخرة قد يفقد قدرته على إنتاج نقاش جدي حتى لو كان أصله قضية بالغة التعقيد.


لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي أثاره منع الرئيس لا ينبغي أن يكون فقط: هل نستحق أن نغضب من “أبو مازن” أم نشمت فيه؟ السؤال الأوسع هو: هل نستطيع أن نختلف فلسطينيا من دون أن نفقد القدرة على الدفاع عن حضورنا الفلسطيني؟


كشفت هذه القضية شيئا يتجاوز التأشيرة والبيت الأبيض والأمم المتحدة، كشفت أن فلسطين تواجه بالتوازي مع الصراع السياسي والدبلوماسي معركة على معنى التمثيل له، وفي هذه المعركة لا يكفي أن يكون للفلسطيني صوت.


يجب أن نتساءل: هل يستطيع هذا الصوت أن يتجاوز الضجيج الداخلي وأن يميز بين خلافه مع قيادته وبين حقه في أن يكون حاضرا ومسموعا ومرئيا في العالم.


المنصات الرقمية أعطتنا حق الكلام، لكن التحدي يبدأ عندما نتعلم كيف نستخدم هذا الحق دون أن يتحول الخلاف السياسي إلى أداة لإضعاف الرواية التي يفترض أن يكون الجميع قادرا على الاختلاف حولها لا على إلغائها.

شاهد أيضاً

وانغ يي

وزير الخارجية الصيني يحث الصين وألمانيا على تعزيز التعاون ودعم التجارة الحرة

شفا – قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي اليوم الاثنين إن تعزيز التعاون متبادل المنفعة …