
كورونا انتهت… لكن جرحَ التعليم ما زال ينزف! ، بقلم : د. عطاف الزيات
انتهت الجائحة، وعادت المدارس إلى التعليم الوجاهي، لكن آثار تلك المرحلة لم تنتهِ؛ فقد تركت فجواتٍ تعليميةً ظهرت بوضوح في تأسيس الطلبة، ولا سيما في السنوات الأولى من التعليم. فالطالب الذي فقد جزءًا من الخبرة الصفية والتدريب اليومي يحتاج اليوم إلى أكثر من مجرد الانتقال إلى الصف التالي؛ يحتاج إلى إعادة بناء ما فاته بصورة منظمة وتدريجية.
وتظهر المشكلة في القراءة والكتابة والحساب والفهم. فقد يصل الطالب إلى صفوف متقدمة وهو يقرأ ببطء، أو يخلط بين بعض الحروف والأصوات، أو يكتب دون إتقان، أو يجد صعوبة في فهم ما يقرأ. وفي الرياضيات، قد يحفظ بعض العمليات الحسابية دون أن يفهم معناها أو يستطيع استخدامها في موقف حياتي.
أمثلة على ضعف التأسيس
في القراءة: قد يستطيع الطفل نطق الكلمات، لكنه لا يفهم معناها. وهنا يحتاج إلى تدريب متدرج على الأصوات والحروف والمقاطع والكلمات ثم الجمل.
في الكتابة: قد يعرف الطالب الحروف لكنه يخلط بينها أو لا يكتبها بصورة صحيحة. وهنا تبرز أهمية الكتابة اليدوية بالقلم والتدريب المتكرر.
في الفهم: قد يقرأ الطالب فقرة كاملة ثم يعجز عن الإجابة عن سؤال بسيط حولها؛ مما يؤكد أن القراءة يجب أن تقود إلى الفهم والتفكير، لا إلى النطق فقط.
في الرياضيات: قد يحفظ جدول الضرب، لكنه يعجز عن استخدامه في مسألة حياتية بسيطة؛ وهنا يجب الانتقال من الحفظ إلى الفهم والتطبيق.
توصيات عملية للأسرة
تخصيص 20–30 دقيقة يوميًا للقراءة مع الطفل، بعيدًا عن الهاتف والتشتت.
الاستماع إلى قراءة الطفل وتصحيح الأخطاء بهدوء ودون إحراج أو مقارنة بإخوته وزملائه.
تخصيص وقت يومي قصير للكتابة بالقلم: حروف، كلمات، جمل، ثم فقرة قصيرة.
استخدام مواقف الحياة في الحساب؛ مثل النقود، والوقت، والقياس، والعدّ بدل الاقتصار على الحفظ.
تقليل الاستخدام غير الهادف للهواتف والألعاب، وعدم جعل الهاتف وسيلة المكافأة الأساسية.
متابعة الواجبات والمهارات، مع التواصل المستمر مع المعلم لمعرفة ما يتقنه الطفل وما يحتاج إلى دعم.
عدم وصف الطفل بأنه «ضعيف» أو «كسول»، بل اكتشاف الفجوة التعليمية ومعالجتها تدريجيًا.
الاحتفاء بالتقدم البسيط؛ لأن الثقة بالنفس جزء من عملية التعلم.
توصيات عملية للمدرسة والمعلم
إجراء تقييم تشخيصي مبكر للقراءة والكتابة والحساب والفهم، بدل افتراض أن جميع الطلبة في المستوى نفسه.
إعداد خطط علاجية قصيرة ومحددة للطلبة الذين لديهم فجوات تأسيسية.
إعطاء الأولوية للمهارات الأساسية قبل الإسراع في إنهاء المنهاج.
تخصيص حصص أو مجموعات دعم للطلبة الذين يحتاجون إلى إعادة تأسيس.
تعزيز القراءة الجهرية والكتابة اليدوية والتعبير الشفهي والحوار داخل الصف.
ربط الرياضيات والعلوم واللغة بمواقف حياتية؛ حتى يفهم الطالب لماذا يتعلم، وليس ماذا يحفظ فقط.
استخدام التكنولوجيا باعتبارها أداة مساندة، لا بديلًا عن المعلم والكتاب والقلم والتفاعل الإنساني.
تعزيز التعاون بين المعلم والأسرة من خلال متابعة بسيطة ومنتظمة، وليس فقط عند ظهور المشكلة.
تدريب المعلمين على اكتشاف الفاقد التعليمي والفروق الفردية والتعامل معها بطرائق علاجية مناسبة.
قياس تقدم الطالب بصورة دورية، والاحتفاء بما تحقق بدل التركيز المستمر على جوانب النقص.
الرسالة الأهم
إن علاج آثار كورونا لا يبدأ بزيادة الواجبات، ولا بإغراق الطالب بالشاشات، وإنما يبدأ من تشخيص الفجوة، وفهم احتياجات الطفل، وإعادة تأسيسه خطوةً خطوة.
فالطالب الذي لم يتقن القراءة والكتابة والفهم والحساب يحتاج إلى فرصة لإعادة بناء أساسه، لا إلى مزيد من الضغط.
الأسرة تساند، والمدرسة تؤسس، والمعلم يقود، والطالب يتقدم؛ وعندما تتكامل هذه الأدوار يمكن أن يتحول جرح التعليم من أزمةٍ مستمرة إلى فرصة لإعادة بناء تعليمٍ أكثر قوةً وإنسانيةً وجودة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.