10:43 مساءً / 16 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

تقرير شفا : معركة صامته يخوضها مرضى السرطان والثلاسيميا في غزة

تقرير شفا : معركة صامته يخوضها مرضى السرطان والثلاسيميا في غزة

شفا – خديجة مطر – كل أسبوعين أو ثلاثة، تحتاج هديل جندية إلى نقل الدم كي تواصل حياتها مع مرض الثلاسيميا الذي يرافقها منذ ولادتها. لكن في غزة، لم يعد الحصول على وحدة دم أمراً مضموناً، فيما أصبح العلاج الذي يمنع تراكم الحديد في جسدها نادراً إلى حد أن هديل تقول إنه لم يتوفر لها خلال ثلاثة أعوام من الحرب سوى شهر واحد فقط.


هديل البالغة26 عاماً، لا تواجه المرض وحدها؛ فهي وشقيقاها المصابان بالثلاسيميا يعيشون منذ بدء الحرب مع نقص الدم والأدوية، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات، فضلاً عن انتظار طويل لتحويلاتهم الطبية إلى خارج القطاع”.


ويعد والثلاثيميا مرضاً وراثياً يصيب الدم ويستمر مع المريض طوال حياته، إذ يؤدي إلى انخفاض مستوي الهيموغلوبين في الجسم، مايسبب فقردم مزمن يستدعي علاجاً دائماً ونقلاً دم دورياً للدم .


وتكمل هديل حديثها: ” نجد أنفسنا أمام معركة يومية من أجل البقاء على قيد الحياة. عدم توفر العلاج ووحدات الدم بشكل منتظم، يضاعف معاناتنا كمرضى ثلاسيميا، فهما ضرورة لنبقى أحياء”.


وتضيف: ” فارق الحياة الكثير من أصدقائي الذين شاركوني المرض نفسه، نتيجة عدم توفر علاج(الديفيرال) المسؤول عن خفض معدل الحديد في الجسم وعدم توفر وحدات الدم الطازجة، اذ يشترط أن لا يكون قد مر ّعلى سحبها أكثر من أسبوع “.


ولا تقف معاناة جندية عند حدود العلاج ووحدات الدم بل تسترسل:” نُجبر على إجراء التحاليل على نفقتنا الشخصية، وكثيراً ما لانجد أسرّة للمكوث عليها أثناء تلقى العلاج، ناهيك عن غياب جهاز (الفلتر) المخصص لفلترة الدم، ما يشكل خطورة وقلقاً دائمين على حياتنا، إذ قد يتسبب غيابه في حساسية قد تودي بحياة المريض”.


وتكمل حديثها: ” أجبر على السير على الأقدام أكثر من كيلو متر، وصولاً إلى مستشفى الشفاء للحصول على العلاج برفقة أشقائي. وأن توفرت وسائل النقل فهي باهظة الثمن؛ كل عائلة لديها مريضان أو أكثر، والوضع المادي يعجز عن تأمين هذه التكلفة. أحلامنا بسيطة لكن لا مجال لأن نحلم ونحن داخل أسوار غزة”.


تتنهد قليلاً: “نعيش حياتنا لحظة بلحظة ، ونتوقع الموت في أية ثانية، التفكير في هذه الصعوبات يثقل علينا ألم المرض. إن العلاج والسفر واستكماله في الخارج هو حق لنا كفله القانون وكافة المواثيق الدولية، والسفر لتلقي العلاج رحمة بنا وليس رفاهية أوتغيراً للأجواء”.


وتختم حديثها:” أمنياتي أن تنظر إلينا وزارة الصحة بعين الرحمة، وتوفر لنا العلاج، والتحاليل، ووحدات الدم اللازمة، بالإضافة إلى المواصلات وجهاز الفلتر، وتقبل تحويلاتنا الطبية، ثلاثةُ أعوامٍ وانا على قوائم الانتظار للسماح لي ولأشقائي بالسفر”، وتتساؤل بحرقة: “نحن لا نخرج للسياحة أو النزهة، نحن نريد العلاج لا أكثر”.


لكن نقص العلاج لا يقتصر على مرضى الثلاسيميا ، وعلى غرار جندية تشتكي أم طارق 59 عاماً، من سكان مخيم الشاطئ، غرب قطاع غزة، والمصابة بمرض سرطان الثدي الذي فاقم وضعها الصحي حيث تقول بصوت مثقل بالألم:” تم تشخيص إصابتي بسرطان الثدي قبل عامين ونصف العام، خضتُ خلالها مرحلة العلاج الكيميائي، وخضعتُ لعدة عمليات جراحية لاستئصال الثدي، ومررتُ بمرحلةٍ أخرى كانت أشد ألماً من المرض نفسه؛ ألم النزوح، والفقد، والمجاعة، وشح العلاج، وصعوبة التنقل”.


ويتنافى ما يعانيه المرضى في غزة مع اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب والتي تنص في المادة السادسة عشر على أن الجرحى والمرضى والعجزة والحوامل موضع حماية واحترام خاصين.


وتضيف أم طارق: ” أعيش معاناة مركبة، بين الحرمان من العلاج والنقص الحاد في الأدوية المخصصة لمرضى السرطان، والإضطرار لدفع تكاليف باهظة لأجراء التحاليل الخاصة على نفقتي الشخصية، الخطر يلازمني على مدار الساعة فلا بد لي من الحصول على جلسات الإشعاع الذري، كي لا تعود الأورام مجدداً، والحصول عليها يتوجب السفر إلى الخارج”.


تقول أم طارق ” إن ابنين لي قُتلا أثناء توجههما إلى نقطة نتساريم للحصول على مساعدات في محاولة منهما لتأمين احتياجاتي، من مأكل وعلاج وتكاليف للمواصلات”.


وتضيف ” الغذاء الصحي هو السبيل الرئيسي للشفاء ، لكننا نفقد القدرة على توفير حبة طماطم أو خيار ونعتمد بشكل أساسي على وجبات التكية وإن لم تتوفر فليس لدينا خيار سوى جبنة الفيتا، لقد أجبرتُ على بيع بعض المسكنات المخصصة لتخفيف آلامي لتوفير أجرة الطريق ومصروف طفلتي المريضة وعمل بعض الفحوصات”.


تتنهد وتأخذ نفساً عميقاً :” لا أريد أن أفقد حياتي، فأسرتي بحاجتي، لدي طفلة مريضة بمتلازمة داون، ونجاتي من المرض هي حياة بالنسبة لها، ولمن تبقي من عائلتي. حصولي على جلسات الإشعاع يعنى أملاً في النجاة، الا يكفيني أكثر من عامين ونصف وأنا على قوائم الانتظار للسفر؟ فإلى متي وهل أرواحنا رخيصةٌ إلى هذه الدرجة”.


وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية الصادرة في فبراير 2026، فأن هناك 18,500 مريض وجريح متواجدين داخل القطاع بحاجة إلى العلاج غير المتوفر، من ضمنهم 4,000 مريض سرطان لديهم تحويلات طبية وبحاجة ماسة للمغادرة خارج البلاد”.


من جانبه يؤكد محمد ابو ندى مدير مركز غزة للسرطان أن ” هناك سلسة من التحديات التي تواجه مرضى السرطان، وتتمركز حول حاجتهم إلي تشخيص دقيق، وفحوصات مناعية، وتصوير متقدم ،وبروتوكولات علاجية متكاملة، وأحيانا جراحة أو علاج إشعاعي، وجميعها خدمات تضررت بشدة بسبب العدوان “.


ونوّه أبو ندى بأن ” مرضى الثلاثيميا بحاجة لنقل دم منتظم وفحوصات ومتابعة مستمرة، و أي انقطاع في هذه الخدمات قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة أو فقدان حياة المرضى”.


مستطرداً بالقول:” المركز الوحيد الذى كان متخصصاً لمرضي السرطان قبيل الحرب وهو مستشفي الصداقة التركي الفلسطيني ، تم تدميره ونحن داخل أسواره، لا يوجد أي مركز سرطان متكامل يعمل في القطاع الآن”.


هذا وقد دمر الجيش الاسرائيلي حسب مركز الإحصاء الفلسطيني في مارس 2026، ما معدل 94%من مستشفيات القطاع، إذ من أصل 36 مستشفى، هناك 18 مستشفي فقط تعمل بشكل جزئي حتي هذه اللحظة .


مشيراً: ” هذا الاستهداف جعل من الخدمات المقدمة للمرضى، موزعة بين مستشفى ناصر الطبي ومجمع الشفاء، ما خلق فجوة كبيرة في تشخيص العلاج وتسبب في توقف إجراءات أساسية في منظومة علاج السرطان أهمها العلاج الاشعاعي وبروتوكولات العلاج الكيماوي ونقص شديد في الخزعات ومواد الفحوصات النسيجية والمناعية “.
وأشار أبو ندى:” لا يوجد سوى جهاز رنين مغناطيسي واحد في القطاع، ما أدي الى تراجع كفاءة أجهزة التصوير الطبي وجعلها محدودة لأكثر من 2,000 مريض يحتاج علاج نشط “.


وعقب بالقول:” العلاج الإشعاعي لا يمكن لأي طبيب استبداله بالعلاج الكيماوي أو بأي علاج آخر؛ فهناك خطة علاجية بالإشعاع وبروتوكول علاجي يجب تلقيه في توقيته المحدد لمرضى الثدي والرقبة والجهاز العصبي، وتوقفه يعني ان المريض يضطر الي الجراحة او البحث عن علاج بديل أو الانتظار الطويل للعلاج في الخارج”.


مؤكداً : “عدم وجود جهاز الاشعاع داخل القطاع يعني انتقال المرض من مرحلة يمكن السيطرة عليها، الى مرحلة أكثر تقدماً، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة حجم الورم وانتشار المرض ومضاعفات حجم الألم “.


وعقب :”وجود التحويلة الطبية لا يعني ان المريض سيغادر فعلياً، كون المراحل الأخرى، كتجهيز المستشفيات المستقبلة وعملية الموافقة الأمنية، ومحدودية المعابر، وشح وسائل النقل الطبية، جميعها تشكل عقبات تؤرق المرضى”.


مؤكداً أنه :” تغيرت المنظومة العلاجيه منذ بدء الحرب؛ فقد كان هناك مركز متخصص وخدمات تشخيص وعلاج أكثر تكاملاً ، ومسارات واضحةً للجراحة والإشعاع والمتابعة وكادر طبي مؤهل، اما هذه المرحلة الطبيب لا يختار العلاج المثالي، بل يختار العلاج الممكن والمتاح وفي كثير من الاحيان قد يكون شحيحاً أو منتهي الصلاحية “.


وعبر عن قلقه” قد يكون المريض مستوفياً لكافة الشروط، لكن إغلاق المعابر ومحدودية أعداد المسافرين قد يعنيان تطور المرض او فقدان الحق في العلاج والحياة”.
واوضح أن :” السلطات الإسرائيلية تفرض قيوداً صارمة على إدخال الأدوية والمعدات الطبية الخاصة بمرضي السرطان والثلاسيميا، من ادوية كيماوية وأدوية داعمة ومستلزمات تساعد على التشخيص المبكر، ومنع دخولها يعني تدهوراً حتمياً في حالة المريض وفقداناً للأمل في النجاة”.


وختم حديثه قائلاً: ” نحن نفقد مريضين إلى ثلاثة يومياً، إن عدم السماح بدخول قطع الغيار لصيانة المعدات الطبية و الوقود والطاقة، والكهرباء، يهدد حياة الجميع ، مطالباً بإدخال سلسة رعاية طبية متكاملة وليس مساعدات مؤقته، إنما ممر آمن ومستدام لضمان حق المرضى في العلاج داخل وخارج القطاع”.


في غزة، لا ينتظر السرطان انتهاء الحرب، ولا تمنح الثلاسيميا مرضاها وقتاً إضافياً. وبين نقص الأدوية ووحدات الدم، وتراجع الخدمات الطبية، وطول انتظار التحويلات والسفر، يتحول الوقت نفسه إلى جزء من الخطر. بالنسبة لهديل وأم طارق، لا يتعلق الأمر بعلاج يمكن تأجيله إلى الغد، بل بفرصة نجاة قد تضيع كلما طال الانتظار.

شاهد أيضاً

هل يعود الريحان الأخضر.. أم تعود معه أرواحنا التي أرهقتها الحرب؟ ، بقلم د. سهى شعت

هل يعود الريحان الأخضر.. أم تعود معه أرواحنا التي أرهقتها الحرب؟ ، بقلم د. سهى شعت

هل يعود الريحان الأخضر.. أم تعود معه أرواحنا التي أرهقتها الحرب؟ ، بقلم د. سهى …