
في عالم مضطرب.. ماذا يمكن أن تقدم بريكس للجنوب العالمي؟ ، بقلم : تشو شيوان
في وقت يدخل فيه العالم مرحلة جديدة من الاضطرابات والتحولات العميقة، لا يعود الاهتمام المتزايد بتعاون مجموعة بريكس إلى اتساع عضويتها أو تنامي ثقلها الاقتصادي فحسب، بل يرتبط بصورة أعمق بسؤال بات أكثر إلحاحاً: في ظل التغيرات الكبرى التي تشهدها موازين القوى الدولية وصعود دول الجنوب العالمي، أي نوع من آليات التعاون يحتاج إليه العالم، وأي نظام دولي يمكن أن يكون أكثر قدرة على الاستجابة لهذه التحولات؟
ومن هذا المنطلق جاءت كلمة الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال قمة بريكس التي عقدت في نيودلهي هذه الأيام، حيث قدّم رؤية متكاملة لاتجاهات تطور التعاون داخل المجموعة. وكان أحد أبرز الخيوط الناظمة في هذه الرؤية هو تعزيز التضامن والتنسيق بين دول الجنوب العالمي، وتمكينها من إسماع صوت أكثر قوة في قضايا السلام والأمن والتنمية والحوكمة العالمية.
وهذا الطرح لا يندرج في إطار الخطاب السياسي المجرد. فبالنسبة إلى كثير من الدول النامية، أتاحت العولمة خلال العقود الماضية فرصاً واسعة للنمو، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن اختلالات هيكلية داخل النظام الدولي. فهناك دول ارتفع وزنها في الاقتصاد العالمي بصورة واضحة، من دون أن يواكب ذلك ارتفاع مماثل في قدرتها على المشاركة في صياغة القواعد الدولية أو في الحوكمة المالية أو في تحديد أولويات القضايا العالمية.
ومن هنا، فإن ما تطالب به دول الجنوب العالمي ليس إنشاء منظومة جديدة من المواجهة، بل الحصول على فرص أكثر عدالة للمشاركة والتأثير.
ولهذا السبب، تجاوزت أهمية تعاون بريكس اليوم حدود كونه إطاراً اقتصادياً تقليدياً. فالمجموعة باتت تعكس بصورة متزايدة تطلع عدد كبير من الدول النامية إلى علاقات دولية أكثر ديمقراطية، وإلى نظام حوكمة عالمي أكثر عدلاً وتوازناً.
وهذه مسألة ليست بعيدة عن العالم العربي.
فخلال السنوات الأخيرة، انعكست تداعيات النزاعات الإقليمية، وتقلبات أسواق الطاقة والغذاء والتمويل وسلاسل الإمداد، إلى جانب تصاعد النزعات الأحادية والحمائية، بشكل مباشر على الدول العربية. وفي الوقت نفسه، تسعى كثير من هذه الدول إلى تسريع التحول الاقتصادي، وتطوير الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة الجديدة، والصناعات المتقدمة.
ومن هنا يتبين أن السلام والتنمية ليسا ملفين منفصلين، بل خياران مترابطان بصورة وثيقة. وفي كلمته، شدد الرئيس شي مجددا على رفض عقلية الحرب الباردة وسياسات المواجهة بين المعسكرات، وعلى ضرورة تسوية الخلافات عبر الحوار والتشاور. ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة عند النظر إلى واقع الشرق الأوسط اليوم.
فالموقف الصيني من قضايا المنطقة دائما واضح وثابت: قضايا الشرق الأوسط ينبغي أن تُعالج من خلال الحوار والتشاور بين دول المنطقة، وأن تعود الأزمات في نهاية المطاف إلى المسار السياسي والدبلوماسي، لأن الأمن لا يمكن أن يُبنى على صراعات طويلة الأمد أو على مواجهات متبادلة. وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تؤكد الصين باستمرار أنها تظل في صميم قضايا الشرق الأوسط، وأن حل الدولتين هو الطريق الأساسي لتسويتها.
لكن إلى جانب السلام، تظل قضية التنمية من أكثر الجوانب التي تستحق اهتمام الدول العربية. فأحد أبرز التناقضات التي يواجهها الاقتصاد العالمي اليوم يتمثل في أن الثورة التكنولوجية الجديدة والتحولات الصناعية تتسارع، فيما تستمر فجوات التكنولوجيا والتمويل والتنمية، بل قد تتسع في بعض الحالات.
وقد وضع الرئيس شي في كلمته مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والصناعات الرقمية، والتصنيع الذكي، والتجارة والاستثمار، وتنمية الكفاءات البشرية في موقع أكثر تقدماً ضمن أولويات التعاون.
والسؤال الجوهري هنا هو: هل تستطيع دول الجنوب العالمي أن تصبح شريكاً حقيقياً في الثورة التكنولوجية والصناعية الجديدة، أم أنها ستبقى مرة أخرى على هامش سلاسل القيمة والتكنولوجيا؟
وهذه القضية تتقاطع بصورة واضحة مع التحولات التي تشهدها دول عربية عديدة. فمن دول الخليج التي تدفع باتجاه تنويع الاقتصاد، إلى دول عربية أخرى تعمل على تطوير البنية التحتية الرقمية والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة، يبقى الهدف الأساسي واحداً: البحث عن مصادر جديدة للنمو وتقليل الاعتماد على الأنماط الاقتصادية التقليدية.
ومن هنا، فإن جاذبية تعاون بريكس بالنسبة إلى الدول العربية لا تكمن فقط في كونه منصة متعددة الأطراف، بل في قدرته أيضا على توفير مسارات أكثر تنوعا للتعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والصناعة وبناء القدرات البشرية. وقيمة هذا التعاون تكمن في أنه يوسع خيارات التنمية، بدلا من أن يضع الدول أمام خيار ثنائي بين معسكرين متنافسين.
وهنا تكمن إحدى المفاتيح الأساسية لفهم الرؤية الصينية لبريكس. فالصين لا تنظر إلى المجموعة بوصفها تكتلاً سياسياً مغلقاً أو إقصائياً. وعلى العكس، فإن المنطق العام الذي عكسته كلمة الرئيس شي يركز على الانفتاح والشمول والتعاون متعدد الأطراف، وعلى دعم النظام الدولي الذي تتمحور حوله الأمم المتحدة، والحفاظ على النظام التجاري متعدد الأطراف الذي تمثل منظمة التجارة العالمية إحدى ركائزه، إلى جانب الدفع باتجاه إصلاح الحوكمة المالية والدولية.
وبمعنى آخر، لا تسعى دول بريكس إلى هدم النظام القائم وبناء نظام بديل بالكامل، بل إلى دفعه نحو مزيد من التوازن، بحيث يعكس بصورة أفضل التحولات التي يشهدها توزيع القوة في العالم، ويستجيب بصورة أوسع للمطالب المشروعة للدول النامية. فدول الجنوب العالمي لم تعد مجرد أطراف متلقية أو هامشية في الشؤون الدولية، بل أصبحت قوة مهمة في دفع النمو الاقتصادي العالمي، وتطالب بأن يكون لها تأثير يتناسب مع حجم مساهمتها ومكانتها.
وهذا التحول واضح أيضا في العالم العربي، حيث باتت دول عربية كثيرة تؤكد بصورة أكبر على مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية، وتسعى إلى تنويع شراكاتها، والحفاظ على مساحة أوسع لصنع القرار بعيدا عن منطق الاستقطاب بين القوى الكبرى. ومن هذه الزاوية، يوفر توسع تعاون بريكس منصة جديدة لمثل هذه الخيارات المتعددة.
ولذلك، إذا أردنا تلخيص الرسالة الأساسية التي حملتها كلمة الرئيس الصيني، فهي لا تقتصر على مجرد الدعوة إلى توسيع التعاون، بل تتجاوز ذلك إلى الدفع نحو صيغة من التعاون الدولي تقوم على قدر أكبر من المساواة والانفتاح، وتولي اهتماماً أوسع لمصالح الدول النامية وتطلعاتها. وهنا تكمن، في جوهرها، القيمة الواقعية لتعاون بريكس في عالم اليوم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.