
هل نحن نتكيف مع الظروف القاسية، أم أن كثرة التعرض لها جعلتنا ندخل في الخَدَر العاطفي؟ ، بقلم : هنادي طلال الدنف
في بداية الأحداث الصعبة، كان الخبر الواحد قادرًا على تغيير يوم كامل. مكالمة مفاجئة كانت ترفع مستوى القلق، وخبر عن فقدان شخص أو إصابة أحد أفراد العائلة كان يدفعنا إلى متابعة الهاتف باستمرار، بحثًا عن أي معلومة تطمئننا. كنا نبكي، نتوتر، نتحدث كثيرًا عمّا يحدث، ونجد صعوبة في العودة إلى تفاصيل حياتنا المعتادة. لكن مع استمرار الظروف القاسية وتكرار الأخبار المؤلمة، بدأ شيء ما يتغير؛ أصبح الخبر الذي كان يصدمنا في السابق يمر أمامنا بسرعة، نقرأه، نحزن للحظات، ثم نعود إلى الدراسة أو العمل أو أي تفصيل آخر في يومنا. نسمع عن حدث مؤلم فنقول: الله يعين، ثم نكمل يومنا. وأحيانًا قد نلاحظ أننا لم نعد نشعر بنفس شدة المشاعر التي كانت تنتابنا في البداية. وهنا يظهر سؤال نفسي مهم: هل نحن نتكيف مع الظروف القاسية، أم أن كثرة التعرض لها جعلتنا ندخل في حالة من الخَدَر العاطفي (Emotional Numbing)؟
التكيّف النفسي (Psychological Adaptation) هو قدرة الإنسان على التعامل مع الظروف الصعبة وإعادة تنظيم حياته بما يسمح له بالاستمرار، وهذه القدرة ضرورية خصوصًا عندما يواجه الإنسان ظروفًا لا يستطيع تغييرها بسهولة. ففي واقعنا، قد يواصل الطالب دراسته، ويستمر الموظف في عمله، وتحاول الأسرة الحفاظ على روتينها اليومي، رغم الخوف والقلق وعدم الاستقرار. لكن التكيف لا يعني بالضرورة أن الألم اختفى؛ فمع استمرار التعرض للضغط النفسي والخوف والفقد وعدم اليقين، قد تظهر استجابة مختلفة تُعرف بالخَدَر العاطفي، وهي حالة قد يصبح فيها الشخص أقل قدرة على الإحساس بمشاعره أو التعبير عنها، أو يشعر بأن الأحداث من حوله لم تعد تؤثر فيه بالطريقة نفسها التي كانت تؤثر بها سابقًا. قد يقول شخص: زمان كنت أبكي، هلا ما بقدر، أو صرت أسمع الأخبار وما أحس بإشي، وقد يلاحظ شخص آخر أنه حتى في اللحظات السعيدة لم يعد يشعر بالفرح بالطريقة نفسها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الشخص أصبح بلا مشاعر أو أنه لم يعد يهتم بما يحدث حوله؛ ففي بعض الحالات، قد تكون هذه الاستجابة إحدى الطرق التي يحاول بها العقل والنفس التعامل مع مستوى مرتفع ومستمر من الضغط النفسي. وفي واقعنا، يصبح فهم هذه الظاهرة أكثر تعقيدًا؛ لأن كثيرًا من الناس لا يعيشون حدثًا صعبًا واحدًا ثم يعودون إلى حياتهم الطبيعية، بل يواجهون سلسلة متواصلة من الأخبار، والقلق على أفراد الأسرة، والفقد، والنزوح، وعدم وضوح المستقبل، والخوف من خبر جديد قد يصل في أي لحظة. ومع استمرار هذا النوع من الضغط، قد يصبح الإنسان أكثر اعتيادًا على حالة الترقب واليقظة؛ يرن الهاتف فيشعر بالقلق، تصل رسالة فيتوقع خبرًا سيئًا، يفتح الأخبار ثم يغلقها، وبعد دقائق يعود ليتحقق مرة أخرى. هذه الحالة المستمرة من الترقب تستنزف الموارد النفسية والعقلية، وتجعل الإنسان يعيش جزءًا كبيرًا من وقته في محاولة الاستعداد لما قد يحدث بدلًا من التركيز على ما يحدث الآن. ومع الوقت، قد لا يكون التحدي هو الخوف وحده، بل الإرهاق من الخوف نفسه.
ومن هنا نصل إلى نقطة مهمة: ليس كل انخفاض في الاستجابة العاطفية يعني أننا أصبحنا أقوى. فقد يكون الشخص قادرًا على الذهاب إلى الجامعة أو العمل، ورعاية أطفاله، وممارسة حياته اليومية، ومع ذلك يشعر من الداخل بإنهاك نفسي شديد. فالقدرة على أداء المسؤوليات لا تعني دائمًا أن الإنسان تجاوز ما مرّ به. ويظهر ذلك بوضوح مع عودة الدراسة؛ فقد يعود الطالب إلى المدرسة أو الجامعة، ويحمل كتبه، ويجلس في المحاضرة، ويحاول الاستعداد للامتحان، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن ذهنه عاد إلى حالته السابقة. قد يكون حاضرًا بجسده، بينما جزء من تفكيره ما زال مشغولًا بالخوف على أسرته، أو بما مرّ به، أو بما يمكن أن يحدث لاحقًا. فالعودة إلى الروتين قد تكون خطوة مهمة نحو الاستقرار، لكنها لا تعني أن المشاعر المرتبطة بالتجارب السابقة اختفت.
كما أن الخَدَر العاطفي لا يظهر فقط في التعامل مع الأحداث المؤلمة، بل قد يمتد أيضًا إلى التعامل مع الأشياء الجميلة؛ فقد يجد الإنسان نفسه غير قادر على الاستمتاع كما كان، أو يحقق شيئًا انتظره طويلًا ثم يشعر بأن الفرح أقل مما توقع، فيسأل نفسه: شو اللي تغير فيّ؟. وفي الواقع، لا توجد إجابة واحدة تنطبق على الجميع؛ فقد يكون السبب ضغطًا نفسيًا مستمرًا، أو إرهاقًا، أو قلة نوم، أو قلقًا، أو تجربة مؤلمة، أو مجموعة من هذه العوامل مجتمعة. لذلك من المهم ألا نستخدم مصطلح الخَدَر العاطفي لتشخيص أنفسنا أو الآخرين بسهولة، وألا نفترض أن كل شخص يبدو هادئًا أو قليل التعبير يعاني بالضرورة من مشكلة نفسية؛ فالناس يختلفون في استجاباتهم للضغط، والخَدَر العاطفي ليس تشخيصًا يمكن إطلاقه على مجتمع كامل.
فالفرق بين التكيف النفسي والخَدَر العاطفي ليس دائمًا واضحًا، وقد يتداخلان أحيانًا. لكن عندما يصبح الشعور بالانفصال عن المشاعر أو اللامبالاة مستمرًا، ويبدأ بالتأثير على العلاقات أو الدراسة أو العمل أو القدرة على الاستمتاع بالحياة، فقد يكون ذلك مؤشرًا يستحق الانتباه، وربما طلب الدعم النفسي عند الحاجة. وربما تكمن المشكلة في أننا أحيانًا نخلط بين الصمود وعدم الشعور؛ فالصمود لا يعني أن الإنسان لا يتألم، بل يعني أنه يستطيع التعامل مع الألم والاستمرار رغم وجوده، والقوة النفسية لا تعني أن نتحول إلى أشخاص لا يهزهم شيء، وإنما أن نمتلك القدرة على الشعور بما يحدث لنا دون أن نفقد قدرتنا على مواصلة الحياة. فقد يكون الإنسان قويًا ومتعبًا في الوقت نفسه، وقادرًا على الابتسام والعمل والدراسة والحديث مع الآخرين، بينما يحمل في داخله قدرًا كبيرًا من الإرهاق لا يراه أحد.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل اعتدنا الألم؟ بقدر ما هو: ماذا فعل بنا الاعتياد على الألم؟ قد نتعلم كيف نكمل يومنا، ونعود إلى الدراسة، ونذهب إلى العمل، ونضحك مع الآخرين، ونمارس تفاصيل الحياة المعتادة، لكن استمرارنا في أداء هذه الأدوار لا يعني بالضرورة أن كل شيء في داخلنا بخير. فالإنسان يستطيع أن يكون صامدًا ومتعبًا في الوقت نفسه، وأن يواصل حياته بينما يحمل داخله مشاعر لم يجد الوقت، أو الأمان، أو المساحة الكافية للتعامل معها. وربما يكون الوعي بهذه المسألة هو الخطوة الأولى؛ أن نفهم أن التعود على الألم ليس دائمًا تعافيًا، وأن القدرة على الاستمرار لا تعني غياب الأثر النفسي. لأننا لا نحتاج فقط إلى أن نتعلم كيف نتحمل ما يحدث لنا، بل نحتاج أيضًا إلى أن نحافظ على قدرتنا على الشعور، والفرح، والتواصل، والحلم. فوسط كل ما نحاول احتماله، ربما تكون إحدى صور القوة الحقيقية هي أن نحافظ على إنسانيتنا، وألا نسمح لكثرة الألم أن تجعلنا غرباء عن مشاعرنا.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.