6:24 مساءً / 12 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

سيرة أثيل: أد. محمد بن بريكة… حين يتحول التصوف من تجربة روحية إلى مشروع للفكر والحوار الحضاري ، بقلم : الدكتور حسان بوسرسوب

سيرة أثيل: أد. محمد بن بريكة… حين يتحول التصوف من تجربة روحية إلى مشروع للفكر والحوار الحضاري ، بقلم : الدكتور حسان بوسرسوب


أكاديمية الوهراني تستعيد سيرة أحد أبرز وجوه الدراسات الصوفية والفكر الإسلامي في الجزائر

وهران – الجزائر

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتراجع فيه الذاكرة أمام سطوة اللحظة، يصبح استحضار سير العلماء والمفكرين أكثر من مجرد وفاء للماضي؛ إنه فعل ثقافي يعيد للمجتمع جزءًا من ذاكرته العلمية، ويفتح المجال أمام قراءة التجارب التي أسهمت في تشكيل وعيه الفكري والروحي. من هذا المنطلق يأتي مشروع » سيرة أثيل» في نسخته الثانية لسنة 2026، الذي تطلقه أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي تحت شعار: » حيث يُكتب الأثر، ويُستعاد الفكر«، بإشراف البروفيسور سعاد بسناسي، رئيسة الأكاديمية وعضو المجلس الأعلى للغة العربية ومديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام. ويحتفي المشروع في شخصيته الرابعة بالبروفيسور الدكتور محمد بن بريكة، أحد الأسماء الجزائرية البارزة في الدراسات الصوفية والفكر الإسلامي والحوار الحضاري، والذي توفي في 20 جوان 2019 عن عمر ناهز 61 سنة. وقد أكدت الإذاعة الجزائرية خبر وفاته، مشيرة إلى نشاطه العلمي في مجال التصوف والدراسات الإسلامية والحوار بين الأديان والحضارات.

من واحات بسكرة إلى فضاءات الجامعة

ارتبط تكوين محمد بن بريكة منذ طفولته ببيئة دينية وعلمية محافظة في منطقة الدوسن بولاية بسكرة، حيث شكّل حفظ القرآن الكريم ودراسة المتون والتربية الروحية جزءًا من تكوينه المبكر. ثم انتقل إلى الجامعة الجزائرية، حيث واصل تكوينه الأكاديمي في الدراسات الإسلامية والتصوف، وارتبط اسمه بالتدريس والبحث في التصوف الإسلامي والفلسفة والفكر الديني. غير أن التصوف بالنسبة إليه لم يكن مجرد موضوع أكاديمي، بل مجالًا رحبًا للتفكير في الإنسان والمعرفة والقيم والتجربة الروحية وعلاقة الفرد بذاته وبالآخر.

التصوف… من الموروث إلى سؤال الإنسان

تميز مشروع محمد بن بريكة بمحاولة قراءة التصوف الإسلامي خارج حدود التناول التقليدي، والنظر إليه باعتباره تراثًا فكريًا وروحيًا قادرًا على التفاعل مع أسئلة الإنسان المعاصر، وقد اهتم بالتصوف والفلسفة الإسلامية وبأعلام التصوف، ومن بينهم محيي الدين ابن عربي، جامعًا بين الاهتمام بالتراث الصوفي والمقاربات الفلسفية والمعرفية، وتكشف أعماله عن هذا التوجه؛ إذ ارتبط جزء من تكوينه العلمي بدراسة قضايا المعرفة والمنهج والمصطلح في التصوف الإسلامي، بما يعكس سعيه إلى إخضاع هذا التراث للبحث الأكاديمي المنهجي. وهنا تتجلى إحدى أبرز سمات تجربته: تحويل التصوف من تجربة روحية وموروث ثقافي إلى موضوع للدرس العلمي والفلسفي والحوار الحضاري.

» موسوعة الحبيب »… مشروع علمي مفتوح

ومن أبرز المشاريع التي ارتبطت باسمه «موسوعة الحبيب للدراسات الصوفية»، وهي محاولة لتوثيق التراث الصوفي وتقديمه ضمن رؤية علمية معاصرة. وقد صدر ضمن هذا المشروع كتاب «التصوف الإسلامي من الرمز إلى العرفان» عن دار المتون بالجزائر سنة 2006، وهو مثبت في الفهارس العلمية الدولية باسم محمد بن بريكة. وتكشف هذه التجربة عن طموح يتجاوز تأليف كتاب منفرد إلى بناء مشروع معرفي يسعى إلى جمع المادة الصوفية وتنظيمها وإعادة قراءتها، وربطها بالأسئلة الفكرية والإنسانية المعاصرة.

من الجامعة إلى الحوار الحضاري

لم يقتصر حضور محمد بن بريكة على الجامعة والبحث الأكاديمي، بل امتد إلى الملتقيات والمحاضرات والفعاليات العلمية التي تناولت التصوف والدين والحوار بين الأديان والحضارات. ومن خلال هذا الانفتاح، سعى إلى إبراز الأبعاد الإنسانية والحضارية للتراث الإسلامي، وإلى تقديم التصوف باعتباره أحد المداخل الممكنة لفهم قيم الرحمة والتسامح والتزكية والحوار.وهنا تبرز أهمية تجربته في السياق الجزائري؛ فقد حاول أن يصل بين الموروث الروحي المحلي والمناهج الأكاديمية الحديثة، وأن يجعل من التراث مجالًا للتواصل وإنتاج المعرفة، لا مجرد مادة للاستعادة التاريخية.

رحيل العالم… وبقاء الأثر

برحيل محمد بن بريكة سنة 2019، فقدت الساحة العلمية الجزائرية أحد وجوه الدراسات الصوفية والفكر الإسلامي المعاصر. لكن رحيل صاحب المشروع لا يعني بالضرورة نهاية المشروع؛ فالأفكار الحقيقية تظل قابلة للقراءة والنقد وإعادة البناء. ومن هنا تأتي أهمية إدراج سيرته ضمن مشروع «سيرة أثيل»؛ فالمقصود ليس تقديم سيرة احتفائية أو سردًا زمنيًا لمحطات حياته، وإنما إعادة قراءة أثره واستثماره علميًا، وربط مشروعه بأسئلة الحاضر.

» سيرة أثيل »… من ذاكرة الأشخاص إلى ذاكرة الأفكار

إن استحضار محمد بن بريكة ضمن النسخة الثانية من «سيرة أثيل» يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز سيرته الشخصية: كيف تشكلت الدراسات الصوفية الجزائرية المعاصرة؟ وكيف انتقل التصوف من فضاءات التربية التقليدية إلى فضاء الجامعة؟ وكيف يمكن قراءة هذا التراث بمنهج علمي يستجيب لأسئلة الإنسان والمجتمع اليوم؟ وما الذي يمكن أن يقدمه الفكر الصوفي في مواجهة أزمات القيم والاغتراب وتعثر الحوار بين الحضارات؟ بهذا المعنى، يتحول المشروع من مجرد تكريم لشخصية علمية راحلة إلى مبادرة لتأريخ الذاكرة الفكرية الجزائرية وإعادة اكتشاف علمائها ومشروعاتهم. فالعالم لا يبقى فقط بما كتب، وإنما بما يتركه من أسئلة، وما يفتحه من آفاق أمام الباحثين والأجيال الجديدة. ومن هنا تتجسد فلسفة »سيرة أثيل« في الانتقال من ذاكرة الأشخاص إلى ذاكرة الأفكار، ومن تكريم العالم إلى فهم مشروعه، ومن الحفاظ على الماضي إلى استثماره في بناء المستقبل، وفي شخصية محمد بن بريكة، تستعيد الجزائر واحدًا من وجوهها العلمية التي جعلت من التصوف موضوعًا للبحث والحوار، ومن التراث جسرًا نحو الإنسان، ومن المعرفة وسيلة للانفتاح الحضاري.

سيرة أثيل… حيث يُكتب الأثر، ويُستعاد الفكر.

أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي – الجزائر
مشروع « سيرة أثيل » – النسخة الثانية 2026
بقلم الدكتور حسان بوسرسوب رئيس وحدة الدراسات الثقافية والهوية والتراث بالأكاديمية

شاهد أيضاً

الرئيس شي يلقي كلمة خلال قمة بريكس الـ18 في نيودلهي

الرئيس شي يلقي كلمة خلال قمة بريكس الـ18 في نيودلهي

شفا – نيودلهي 12 سبتمبر 2026 (شينخوا) في الصورة الملتقطة يوم 12 سبتمبر 2026، الرئيس …