11:59 صباحًا / 5 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

رأي ضيف: بكين والقاهرة… لماذا شعرت بأن المسافة بينهما أقصر مما تبدو؟

رأي ضيف: بكين والقاهرة… لماذا شعرت بأن المسافة بينهما أقصر مما تبدو؟

بقلم هالة متولي

(شينخوا) كيف يمكن أن تبدو القاهرة قريبة، وأنت على بعد آلاف الكيلومترات منها؟

كنت في مترو بكين عندما شعرت فجأة أن القاهرة قريبة جدا.

هاتفي في يدي، وأخبار زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تتوالى أمامي. كانت عربة المترو تمضي من محطة إلى أخرى، وعلى الشاشة تتبدل المشاهد: أعلام الصين ومصر ترفرف في الشوارع، ووجوه مصرية مألوفة، وأماكن لطالما مررت بها.

توقفت أمام هذه الصور قليلا. فإذا بي أتابع تفاصيل حدثٍ يجري على ضفاف النيل، وأشعر بأنه أقرب إليّ مما توقعت. عندها أدركت أن شيئا ما قد تغيّر في إحساسي بالمسافة.

هذا الشعور… ربما كانت الابتسامات بدايته.

في استقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ في مطار القاهرة، لفتتني ابتسامته إلى جانب ابتسامة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وعقيلتيهما. وسط أجواء الاستقبال المفعمة بالحفاوة، بدت تلك الابتسامات عفوية ودافئة، وأضفت على المشهد لمسة تنبض بالمودة، وعبّرت عن صداقة تعجز الكلمات عن وصفها.

لم تقتصر الزيارة على المراسم واللقاءات، بل امتدت مشاهدها إلى شوارع القاهرة. على الكباري وفي الميادين، ظهرت لوحات كبيرة تحمل صور الرئيسين ومشاهد من الزيارة، وبينها صور للأهرامات وسور الصين العظيم.

لفتني أن معالم البلدين بدت متجاورة على تلك اللوحات. وكأن المشهد يعيد رسم المسافة؛ فالصين ومصر، اللتان تبدوان متباعدتين على الخريطة، ظهرتا هنا في صورة واحدة، أقرب إلى بعضهما مما توحي به الجغرافيا.

وظلت بعض المقاطع القصيرة عالقة في ذهني أكثر من غيرها، خصوصا تلك التي ظهر فيها مصريون عاديون يتحدثون عن الزيارة. لم يكونوا مسؤولين ولا خبراء في العلاقات الدولية، بل مواطنين يتحدثون ببساطة عن زيارة الرئيس شي إلى بلدهم.

ففي أحد المقاطع، ظهر رجل في منتصف العمر يقف في أحد الشوارع أمام صف من المحال، وقد رُفعت على أبوابها أعلام الصين ومصر. كان يبتسم بعفوية ويتحدث إلى الصحفي. وحين سُئل عن الزيارة، قال ببساطة: “نتمنى ييجوا تاني”.

شاهدت المقطع مرات عديدة. كانت جملة قصيرة، لكنها بدت لي صادقة إلى درجة جعلتني أتوقف عندها طويلا.

ثم ظهرت طفلة صغيرة تحمل علمي البلدين، وتقف أمام الكاميرا وتقول بالصينية: “ني هاو”، أي “مرحبا”. لم يكن نطقها مثاليا، فربما كانت قد تعلمتها لتوها، لكن ابتسامتها كانت عفوية، وفي تحيتها الصغيرة شيء من البراءة جعل هذا المشهد يبقى في ذهني.

رجل يتمنى أن يعودوا مرة أخرى، وطفلة تحييهم بالصينية. مشهدان عابران، لكنهما جعلا الزيارة تبدو لي من زاوية مختلفة، زاوية تحمل دفئا خاصا. وأدركت أن العلاقات بين البلدين لا تُقاس فقط بما نراه في اللقاءات الرسمية، بل تظهر أيضا في مثل هذه اللحظات المُعبرة.

وبينما كنت أتأمل تلك التفاصيل، وجدتني أعود بالذاكرة عشر سنوات إلى الوراء، إلى كلمات قالها الرئيس شي خلال زيارته إلى مصر في ذلك الوقت.

قال الرئيس شي حينها: “مصر هبة النيل”. وبعد عقد من الزمن، خلال عودته إلى مصر، استحضر مثلا مصريا قديما يقول: «من يشرب من مياه نهر النيل، يعود إليه مرة ثانية».

توقفت طويلا عند هذا التلاقي: عبارة قِيلت قبل عقد، ومثل مصري قديم، يلتقيان هذه المرة عند النيل. وكأن النيل، الممتد عبر الزمن، جمع بينهما من جديد، وربط بين لحظتين تفصل بينهما عشر سنوات.

وللحظة، شعرت أن السنوات العشر لم تكن مجرد فترة زمنية تفصل بين زيارتين. خلال هذه السنوات، مضت مصر والصين إلى الأمام، واتسعت بينهما مجالات التعاون، وأصبح التقارب بين شعبيهما حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية.

وأدركت أن هذا التقدم في العلاقات بين البلدين غيّر أيضا نظرتي إلى المسافة بينهما. فما كان يبدو على الخريطة بُعدا شاسعا، لم يعد يحمل المعنى نفسه، بعدما ترسخت الصلات بمرور السنوات.

وعندما وصل المترو إلى محطتي، أغلقت هاتفي بهدوء، ومضيت في طريقي، لكن شيئا من تلك الصور ظل معي.

كانت المسافة بين بكين والقاهرة كما هي. آلاف الكيلومترات لم تختفِ، ورحلة الطائرة لم تصبح أقصر، والخريطة لم تتغير. لكن القاهرة لم تعد تبدو لي بالبعد نفسه.

في تلك اللحظة تحديدا، تساءلت: ماذا يحدث للمسافة حين يأتيك صديق عزيز من بعيد؟ وشعرت للمرة الأولى بأن المسافة بين الصين ومصر أقصر مما تبدو.

ملاحظة المحرر: هالة متولي هي صحفية مصرية مخضرمة مقيمة في الصين.

شاهد أيضاً

لي تاو، نائب رئيس الهيئة الوطنية لضمان الرعاية الصحية

الصين بصدد توسيع تغطية التأمين الصحي للأدوية المبتكرة

شفا – ستوسع الصين نطاق تغطية التأمين الصحي الوطني ليشمل الأدوية المبتكرة المستخدمة في علاج …