
قناديل فلسطين: من الزيت إلى النور ، بقلم : المهندس منير سعد
في الكنائس الفلسطينية القديمة، ثمة تفاصيل صغيرة قد لا ينتبه إليها الزائر من المرة الأولى. بين الحجارة التي حفظت أثر السنين، والأيقونات، ورائحة البخور، تظل القناديل المعلقة أمام المذابح والايقونات حاضرة بهدوء. لا تملأ المكان ضوءًا قويًا، لكنها تمنحه شيئًا من الدفء والسكينة.
ربما لهذا يبدو القنديل في الكنيسة مختلفًا عن أي مصباح آخر. فهو يحمل زيتًا ونارًا، ويحمل أيضًا شيئًا من ذاكرة المكان. شعلة صغيرة ظلت تضيء أمام المذبح، بينما تعاقبت أجيال من المصلين، وجاء أناس إلى الكنيسة وهم يحملون أفراحهم وأحزانهم وصلواتهم، ثم غادروا وبقي القنديل مضيئًا.
وفي فلسطين، تأخذ هذه الصورة معنى أعمق. فالزيت الذي يغذي القنديل يأتي من الزيتون، والزيتون ليس شجرة عابرة في حياة الفلسطيني. هو جزء من الأرض والذاكرة والعمل اليومي. تحت أشجاره عاش الناس، وفي موسم قطافه اجتمعت العائلات، ومن ثماره جاء الزيت الذي استخدم في الطعام والإنارة والطب، كما استخدم في الكنيسة والعبادة.
من شجرة متجذرة في التراب يأتي الزيت، ومن الزيت تولد الشعلة، ومن الشعلة يأتي النور. رحلة بسيطة تختصر علاقة عميقة بين الأرض والعبادة، وبين ما تقدمه الطبيعة وما يقدمه الإنسان لله.
وللنور في الإيمان المسيحي مكانة خاصة. فمنذ بداية سفر التكوين يأتي القول: «لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ» (تكوين 1: 3). وفي الإنجيل يقول السيد المسيح له المجد: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ» (يوحنا 8: 12). لذلك لم يكن النور في العبادة مجرد إضاءة، بل أصبح علامة على الحياة والرجاء والخروج من الظلمة.
وفي التقليد المسيحي الشرقي، يبقى القنديل أمام الأيقونة أو المذبح علامة لها حضورها الخاص. وبعد أن ينتهي القداس ويغادر المصلون، تستمر الشعلة في الاشتعال، وكأن الصلاة لا تنتهي تمامًا بخروج الناس، بل يبقى منها شيء في ذلك الضوء الصغير.
وهذه صورة جميلة لمعنى الإيمان في حياة الإنسان. فالقنديل لا يحتاج إلى مساحة كبيرة ولا إلى ضوء ساطع؛ يكفيه الزيت وشعلة تحافظ على وجودها. كذلك الإيمان، قد يكون هادئًا ولا يراه الآخرون دائمًا، لكنه يظل حاضرًا ويحتاج باستمرار إلى ما يغذيه من صلاة ومحبة وعمل صالح.
وقد ارتبط الزيت في الكتاب المقدس والتقليد المسيحي بالمسحة والبركة والتكريس. ولهذا فإن حضوره في القنديل يضيف معنى آخر إلى هذه الصورة: ما يأتي من الأرض يمكن أن يدخل في حياة العبادة، وما تقدمه الطبيعة يمكن أن يصبح وسيلة لخدمة الله والإنسان.
والزيتون الفلسطيني يستحق وقفة خاصة. هذه الشجرة تعرف كيف تبقى؛ تقاوم الجفاف، وتعيش سنوات طويلة، وتواصل إعطاء ثمرها جيلاً بعد جيل. ولعل هذا أحد أسباب حضورها القوي في وجدان الفلسطينيين. ليست مجرد شجرة نزرعها ونحصد ثمرها، بل جزء من علاقتنا بالأرض.
وفي كنائس القدس وبيت لحم والناصرة، كما في الكنائس المنتشرة في القرى والبلدات الفلسطينية، عاشت القناديل مع الناس زمنًا طويلًا. أضاءت أمام الأيقونات والمذابح، ورافقت الأعياد والمناسبات، وشهدت لحظات لا يعرف تفاصيلها إلا الله.
كم من إنسان وقف أمام قنديل وهو يحمل في قلبه طلبًا لم يخبر به أحدًا؟ وكم من أم أو أب أو راهب أو ناسك رفع عينيه إلى شعلة صغيرة في ساعة خوف أو حزن أو ألم؟ لا يمكننا أن نعرف عدد هذه الصلوات، لكننا نستطيع أن نشعر بأن القناديل حفظت شيئًا منها.
ولهذا فالقنديل بالنسبة إلى الذاكرة ليس قطعة قديمة نحتفظ بها لجمالها، بل جزء من حياة استمرت في المكان. وحين نراه يواصل اشتعاله في كنيسة عتيقة، نشعر أن الذين سبقونا تركوا شيئًا من صلاتهم ورجائهم وحضورهم.
ولا ينفصل هذا كله عن علاقتنا بالطبيعة. فالكنيسة تستخدم ما تقدمه الخليقة: الزيت والشمع والماء، وفي ذلك تذكير بأن الإنسان ليس منفصلًا عن العالم الذي يعيش فيه، وأن عطايا الأرض أمانة ينبغي أن نحافظ عليها.
ومن هنا يصبح الحفاظ على الأرض والشجر والماء مسؤولية أخلاقية وروحية، لا اقتصادية فقط. فالخليقة عطية، وطريقة تعامل الإنسان معها تقول الكثير عن احترامه لهذه العطية.
ثم إن القنديل لا يحتفظ بنوره لنفسه. يقول السيد المسيح: «أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ… لاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ» (متى 5: 14–15).
هذه الكلمات تجعل القنديل قريبًا من حياة الإنسان اليومية. فالإيمان القويم يظهر في الطريقة التي يعامل بها الإنسان الآخرين، وفي قدرته على أن يمنح من حوله الطمأنينة والمحبة والسلام. وفي عالم يكثر فيه الخوف والقلق، قد لا يستطيع الإنسان المؤمن أن يطفئ كل الظلام، لكنه يستطيع أن يحافظ على شعلة إيمانه يشارك الآخرين نورها.
القناديل تحمل، إذن، أكثر من قصة. إنها تروي شيئًا عن الكنيسة والأرض والزيتون والإنسان الذي ظل يبحث عن النور في أوقات كثيرة من حياته. في القنديل يلتقي شيء من الأرض بشيء من السماء؛ الزيت يأتي من شجرة متجذرة في التراب، والنار تحوله إلى نور، والنور يرفع صلوات المؤمنين نحو السماء.
وحين نرى قنديلًا مشتعلًا في كنيسة فلسطينية قديمة، قد لا نعرف من أشعله أول مرة، ولا كم يدًا أضافت إليه الزيت، ولا كم صلاة رافقت نوره. لكننا نعرف أن شعلة كهذه لا تعني الحاضر وحده. وراءها أجيال مضت، وأمامها أجيال ستأتي. ولعل هذا هو الدرس الأجمل الذي يتركه القنديل، فليس المطلوب أن يكون النور كبيرًا حتى يكون مؤثرًا؛ المهم ألا ينطفئ.
من الزيت إلى النور، تستمر حكاية قناديل فلسطين، بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها. تبدأ من شجرة صامتة في الأرض، ومن ثمرة صغيرة يخرج الزيت، ومن الزيت تشتعل شعلة، ومن الشعلة يأتي النور. وهكذا يبقى القنديل شاهدًا هادئًا على أن النور يمكن أن ينتقل من جيل إلى جيل، حاملًا معه صلوات وذكريات ودعوات ورجاء، وأن الرجاء، مهما كان صغيرًا، يستطيع أن يبقى حيًا.
- المهندس منير سعد – بيرزيت
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.