11:16 صباحًا / 5 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

البارودي يحوّل فقدان الصبا إلى قصيدة تبقى بعد أن يذهب الصبا ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

البارودي يحوّل فقدان الصبا إلى قصيدة تبقى بعد أن يذهب الصبا ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

محمود سامي البارودي (1839–1904) شاعر وفارس ورجل دولة مصري، ينحدر من أسرة ذات أصول شركسية عريقة، ومن أبرز رواد مدرسة الإحياء والبعث في الشعر العربي الحديث. نُفي إلى سرنديب بعد الثورة العرابية، فكان للمنفى والغربة والحنين أثرٌ بارز في شعره.

«رُدُّوا عَلَيَّ الصِّبَا مِنْ عَصْرِيَ الْخَالِي»، بهذا النداء الآسر يستهلّ الفارس الشاعر محمود سامي البارودي قصيدته اليائية العمودية من بحر البسيط، فاتحًا باب الذاكرة على زمنٍ مضى، وصبا لا سبيل إلى استعادته.

غير أن البارودي لا يقف طويلًا عند الحنين إلى الشباب؛ فالصبا في هذه القصيدة يبدو بوابةً إلى عالم كامل من الذكريات والأحبة والأيام التي غيّرها الزمن، ثم إلى الفراق والغربة والمنفى والشيخوخة، قبل أن يتحول كل ذلك في وجدان الشاعر إلى شعر يبقى.

ومن هنا تبدو القصيدة أعمق من مجرد شكوى من مرور العمر؛ إنها محاولة لمواجهة الزمن بالكلمة، وتحويل ما لا يمكن استعادته إلى أثر لا يزول.

فالبارودي لا يستعيد صباه، وإنما يحوّل فقدان الصبا إلى قصيدة تبقى بعد أن يذهب الصبا.

الصبا الذي لا يعود
يبدأ البارودي قصيدته من الذاكرة، والذاكرة عنده ليست مجرد صندوق للماضي، وإنما قوة تستدعيه كلما مرّ خاطر من خواطر الحياة.

فالماضي قد انتهى، لكن آثاره ما زالت حاضرة في الفكر والوجدان. ولذلك يبدو الشاعر وكأنه يعيش بين زمنين: زمن مضى بجسده، وزمن بقي في ذاكرته.

وهنا يصبح الحنين أكثر من مجرد عاطفة؛ إنه صراع بين الإنسان والزمن.

فالإنسان يستطيع أن يتذكر شبابه، لكنه لا يستطيع أن يستعيده، ويستطيع أن يستحضر الوجوه الغائبة، لكنه لا يستطيع أن يعيد الأيام التي جمعته بها.

من الحنين إلى الفراق
ولا يلبث الحنين أن يتحول إلى ألم بسبب الفراق وتبدل الناس.

يقول:

«أدهى المصائب غدرٌ قبله ثقةٌ
وأقبح الظلم صدٌّ بعد إقبالِ»

وهذا من أكثر أبيات القصيدة كشفًا عن طبيعة تجربة البارودي النفسية.

فالغدر لا يكون في أقصى قسوته حين يأتي من شخص مجهول، وإنما حين يأتي ممن سبقت منه الثقة.

فالإنسان لا يتألم من الخذلان وحده، وإنما يتألم من سقوط الصورة التي بناها في نفسه عن الآخر.

أما «الصد بعد إقبال»، فهو صورة أخرى من صور انقلاب الزمن والناس؛ فالمودة التي كانت إقبالًا تصبح جفاءً، والقرب الذي كان طمأنينة يتحول إلى بعد.

وهنا نلاحظ أن القصيدة لا تتحدث عن فقد الصبا وحده، وإنما عن فقد عالم كامل كان الشاعر يظنه ثابتًا.

البارودي الرجل الحر
لكن البارودي لا يستسلم طويلًا للشكوى.

فبعد أن يعرض ألمه، يعود إلى نفسه، وكأنه يريد أن يقول: إن ما حدث لي لم يكن بسبب سقوط في الخلق أو ضعف في الشخصية.

يقول:

«لا عيب فيّ سوى حريةٍ ملكت
أعنَّتي عن قبول الذل بالمالِ»

وهنا تتغير نبرة القصيدة.

لم يعد الشاعر مجرد إنسان حزين يستعيد ماضيه، وإنما أصبح رجلًا يدافع عن مبدئه.

إن الحرية عنده ليست كلمة مجردة، وإنما طبيعة راسخة تمنعه من أن يبيع كرامته أو يقبل الذل مهما كان المقابل.

ولهذا تأتي الأبيات التالية مؤكدة صفاته:

«قلبي سليمٌ ونفسي حرةٌ ويدي
مأمونةٌ ولساني غير ختّالِ»

وهنا يرسم البارودي صورته بنفسه: قلب سليم، ونفس حرة، ويد مأمونة، ولسان لا يعرف الخداع.

إنه لا يطلب التعاطف بقدر ما يعلن براءته وكرامته.

الغربة: حين يصبح المكان جزءًا من القصيدة
ثم تتسع التجربة من فراق الأشخاص إلى الغربة عن الوطن.

لقد عاش البارودي تجربة النفي في سرنديب، فانتقلت الغربة من كونها حادثة في حياته إلى تجربة عميقة في شعره.

وسرنديب ليست مجرد اسم لمكان بعيد؛ إنها في القصيدة فضاء للمنفى والذاكرة والوحدة.

سرنديب: الجزيرة البعيدة
وسَرَنْدِيب هي الاسم العربي القديم لجزيرة سريلانكا، الواقعة في المحيط الهندي إلى الجنوب من شبه القارة الهندية. وقد عُرفت الجزيرة في المصادر العربية القديمة باسم سرنديب، فكان هذا الاسم حاضرًا في الذاكرة الجغرافية والأدبية العربية منذ قرون.

ولم يكن بُعدها الجغرافي عن مصر والوطن أمرًا عابرًا في تجربة البارودي؛ فقد وجد نفسه منفيًا في جزيرة بعيدة، تفصله عن وطنه مسافات شاسعة من البحر، فصار المكان نفسه جزءًا من معنى المنفى والغربة.

وسريلانكا جزيرة ذات طبيعة استوائية، تحيط بها مياه المحيط الهندي، وتتنوّع فيها السواحل والسهول والغابات، بينما تمتد المرتفعات الوسطى في داخلها. وفي هذا الفضاء البعيد عاش البارودي سنوات منفاه، وتأمل الطبيعة من حوله، فدخلت مشاهدها في نسيج تجربته الشعرية.

وهكذا لم تعد سرنديب عند البارودي مجرد اسم لمكان بعيد؛ بل غدت مكانًا عاش فيه جسده تجربة المنفى، وظلت روحه فيه مشدودة إلى الوطن والذكريات.

وهنا يحضر التراث في خلفية المشهد.

فقد ارتبط اسم سرنديب في الذاكرة الشعرية العربية بالبيت المنسوب إلى الإمام الشافعي:

«أمطري لؤلؤًا جبالَ سرنديبِ
وفيضي آبارَ تكرورَ تِبرا»

ومن اللافت أن البارودي، وهو المنفي في سرنديب، يكتب عنها من داخل التجربة نفسها التي جعلت المكان حاضرًا في الشعر العربي قبل ذلك.

وهكذا تتجاور في الذاكرة العربية صورتان لسرنديب: صورة المكان البعيد الذي يطل من الشعر القديم، وصورة المكان الذي عاش فيه البارودي منفاه ووحدته.

الطبيعة مرآة للنفس
وعندما يصف البارودي الطبيعة، لا نكون أمام شاعر يصف منظرًا خارجيًا لمجرد الوصف.

فالسماء والسحاب والمطر والجبال والمشاهد المحيطة به تبدو وكأنها تتحول إلى لغة أخرى لمشاعره.

فالإنسان حين يشتد به الحزن لا يرى الأشياء كما يراها في أيام الطمأنينة.

وهنا تصبح الطبيعة جزءًا من التجربة النفسية، وتصبح الأشياء المحيطة بالشاعر قادرة على حمل ما يعجز عن قوله مباشرة.

وهذه إحدى نقاط جمال القصيدة؛ إذ ينتقل البارودي من الإنسان إلى المكان، ومن المكان إلى النفس، فلا يعود الفصل بين الطبيعة والشعور واضحًا.

الطائر اليتيم
ومن أجمل الصور التي تستوقف القارئ صورة الطائر اليتيم.

فالطائر الصغير الذي فقد مأواه أو رفيقه لا يبقى مجرد صورة من صور الطبيعة، وإنما يتحول إلى صورة إنسانية يلتقي فيها الشاعر مع الكائن الضعيف في تجربة الفقد والوحدة.

وهنا تظهر رقة البارودي.

فالشاعر الذي نعرفه بجزالة ألفاظه وقوة سبكه يستطيع في الوقت نفسه أن يلتقط صورة صغيرة من الطبيعة ويجعل منها لحظة إنسانية مؤثرة.

وهذه الثنائية من أجمل خصائص شعره: قوة العبارة مع رقة الشعور.

رقة الشعر واتقاد العاطفة
وهنا أصل إلى ما أراه من أهم خصائص شعر البارودي.

فهو شاعر جزيل اللفظ، متين السبك، قوي العبارة، ولكنه ليس شاعرًا جاف العاطفة.

على العكس؛ تشعر وأنت تقرأه بـرقة الشعر واتقاد العاطفة وصدقها.

ولهذا تشعر أحيانًا أنك تقرأ لشاعر من فحول الشعراء العرب؛ لأن الجزالة عنده ليست تصنعًا، والقوة ليست خشونة، والالتزام بالقصيدة العمودية ليس مجرد تقليد شكلي.

لقد حافظ البارودي على بناء القصيدة العربية العمودية، وعلى الوزن والقافية، وعلى جزالة اللغة ومتانة التركيب، لكنه ملأ هذا البناء بتجربته الخاصة: بالحنين، والفراق، والغربة، والمنفى، والشيخوخة، وتأمل الإنسان في مصيره.

وهنا تظهر قيمة تجربته في إحياء الشعر العربي.

فهو لم يقلّد القدماء ليعيد إنتاج قصائدهم، وإنما عاد إلى أدواتهم الفنية ليقول بها تجربته هو.

الشيخوخة: الوجه الآخر للحنين
وإذا كان المطلع يستعيد الصبا، فإن القصيدة تمضي شيئًا فشيئًا إلى الاعتراف بأن الزمن قد فعل فعله.

فالشاعر الذي طلب استعادة الصبا يعرف أنه لا يستطيع ذلك.

وهنا يصبح الحنين أكثر عمقًا؛ لأن الإنسان لا يحن إلى شبابه إلا حين يشعر أن المسافة بينه وبينه قد اتسعت.

إن الشيخوخة في القصيدة ليست مجرد تغير في الجسد، وإنما هي لحظة مراجعة.

ماذا بقي من الإنسان بعد أن تذهب الأيام؟

وماذا يبقى حين تتغير القوة ويضعف الجسد وتبتعد الأيام التي كان يظن أنها لا تنتهي؟

هنا يصل البارودي إلى السؤال الأهم: ما الذي يستطيع الشعر أن ينقذه من الزمن؟

الشعر الذي ينتصر على الزمن
ربما كان جواب القصيدة نفسها.

فالصبا ذهب، والأصدقاء يتغيرون، والأماكن تتباعد، والمنفى ينتهي، والجسد يشيخ، لكن القصيدة تبقى.

وهنا نفهم البارودي لا بوصفه شاعرًا يندب الماضي فحسب، وإنما بوصفه شاعرًا يحاول أن يحوّل الماضي إلى أثر.

لقد كان من أبرز أعلام مدرسة الإحياء والبعث في الشعر العربي، وأسهم في إعادة القصيدة العربية إلى قوتها العمودية، وجزالتها، ومتانة بنائها.

ولذلك فإن تجربته تتجاوز قصيدته الشخصية؛ فهو في الوقت نفسه يعيد للشعر العربي ثقته بنفسه.

ومن اللافت أيضًا أن هذه الروح تظهر في قصيدته الطويلة «كشف الغمة في مدح سيد الأمة»، التي بلغت 447 بيتًا، وجاءت في السيرة النبوية، على نهج القصيدة البوصيرية في الوزن والقافية.

فالباحث في شعر البارودي يجد شاعرًا شديد الصلة بالتراث، لكنه لا يقف خارجه؛ بل يعيد استخدامه ليبني شعرًا له صوته وتجربته.

ماذا يبقى من الإنسان؟
في نهاية هذه الرحلة، لا يعود السؤال: هل يستطيع البارودي أن يستعيد صباه؟

نعرف أن الصبا لا يعود.

لكن القصيدة تمنحنا جوابًا أعمق.

فالإنسان لا يستطيع أن ينتصر على الزمن بجسده، لكنه يستطيع أن يترك أثرًا يتجاوز عمره.

قد تذهب الأيام، وتغيب الوجوه، ويتغير المكان، ويضعف الجسد، لكن الكلمة الصادقة تستطيع أن تبقى.

ولهذا فإن البارودي، حين قال:

«رُدّوا عليَّ الصبا»

كان يستدعي ماضيه، لكنه في الحقيقة كان يصنع مستقبل قصيدته.

لقد ذهب الصبا.

وبقي الشعر.

وبقي أثر الشاعر.

وهنا تبلغ القصيدة أجمل مفارقاتها: لم يستطع البارودي أن يستعيد صباه، لكنه استطاع أن يمنح صباه حياة أخرى داخل القصيدة.

نزار موسى أبو دهيم

شاهد أيضاً

تقرير : الاستيطان الاستعماري يزحف على المناطق المصنفة ( ا ) و ( ب ) في الضفة الغربية

تقرير : الاستيطان الاستعماري يزحف على المناطق المصنفة ( ا ) و ( ب ) في الضفة الغربية

شفا – مديحه الأعرج ، تتسارع التطورات الميدانية على الارض في الضفة الغربية على نحو …